top of page

أمين صالح: حي الفاضل كان يزخر بالتناقضات، وفيه تتعايش الأضداد

Updated: Jun 14, 2023


أمين صالح وبعض الأصدقاء في فريق الفاضل


الكاتب والسيناريست السينمائي والتلفزيوني والمسرحي والناقد السينمائي والشاعر والروائي والمترجم البحريني أمين صالح. يعد من بين المترجمين الأوائل في البحرين، فقد ترجم إلى اللغة العربية الكثير من الأعمال العالمية الأدبية والسينمائية. وكتب نحو عشرين سيناريو لمسلسلات تلفزيونية، وسبعة سيناريوهات لأفلام سينمائية درامية. ويعد فيلمه "الحاجز" أول فيلم روائي طويل في البحرين. كُرّم في العام 2007، بوسام الكفاءة من الدرجة الأولى من جلالة ملك البحرين.

ولد أمين في حي الفاضل من المنامة في العام 1950، وحصل على شهادة الثانوية العامة سنة 1967، ثم نال درجة الليسانس في الأدب الإنجليزي.

بدأ مشواره الأدبي في عام 1973، حيث أصدر مجموعته القصصية الأولى "هنا الوردة"، بعدها أصدر مجموعته الثانية "الفراشات" الصادرة عن دار الغد في البحرين. كما يعد أمين من بين المترجمين الأوائل في البحرين، إذ ترجم إلى اللغة العربية الكثير من الأعمال العالمية الأدبية والسينمائية، فترجم "السينما التدميرية" لأموس فوغل، و"النحت في الزمن" لتاركوفسكي، بالإضافة إلى ذلك، فإن قصصه ترجمت لبعض اللغات الأجنبية.

كتب أمين صالح أكثر من عشرين سيناريو لمسلسلات تلفزيونية، وسبعة سيناريوهات لأفلام سينمائية درامية. ولقد كتب قصة وسيناريو أول فيلم روائي في البحرين "الحاجز" عام 1990. وفي العام 2008، اُختير رئيسا للجنة تحكيم لمسابقة أفلام في مهرجان أفلام السعودية. وهو عضو في أسرة الأدباء والكتاب في البحرين، وعضو في مسرح أوال، وعضو في نادي البحرين للسينما.

ومن مؤلفاته: هنا الوردة، هنا نرقص، الفراشات، الصيد الملكي، أغنية ألف صاد الأولى، الطرائد، ندماء المرفأ، ندماء الريح، العناصر، الجواشن، ترنيمة للحجرة الكونية، مدائح، هندسة أقل.. خرائط أقل، موت طفيف، الوجه والظل في التمثيل السينمائي، رهائن الغيب، والمنازل التي أبحرت أيضاً، الكتابة بالضوء: في السينما اتجاهات وقضايا، 13 عشر بابا مفتوحا على مدى مسيج بالغيم، شمالا.. إلى بيت يحن إلى الجنوب، جيوبي مليئة بالفصول أيتها الينابيع، المياه وظلالها، شعرية السينما، السينما التدميرية، النحت في الزمن، حوار مع فدريكو فلليني، السوريالية في عيون المرايا، عالم ثيو أنجيلوبولوس السينمائي: براءة التحديقة الأولى، عباس كياروستمي: سينما مطرزة بالبراءة، سينما فرنر هيرزوغ: ذهاب إلى التخوم الأبعد، أوديب ملكًا: سيناريو. وكتب عددا من المسلسلات التلفزيونية منها: بث غير مباشر، صانعوا التاريخ، بحر الحكايات، القفص، وغيرها

ومن المسرحيات التي كتبها: العطش، 1983. العربة، 1988. يونس والآخرون، 1989.

كرم أمين صالح في عام 2006 من قبل أسرة الأدباء والكتاب في البحرين. وحصل على وسام الكفاءة من الدرجة الأولى من ملك البحرين في عام 2007. وفي 2008، كرم من قبل مسرح أوال. كما كرم أخيرا في الدورة التاسعة من مهرجان أفلام السعودية عام 2023.



في سؤال وجهناه إليه في هذا الحوار عن علاقته التي تمتد لأكثر من خمسين عاما بالشاعر البحريني قاسم حداد.. فآثرنا أن نبتدئ حوارنا هذا، فيما كتبه قاسم حداد عنه، يقول حداد:

يكتب لأنه يتنفس. الحياة عنده هي الكتابة بالدرجة الأولى. فلم أصادف منه عناية بشيء في حياته مثل اهتمامه بالكتابة. تعلمت من أمين صالح اكتشاف الماضي، وتأمل الحاضر، وصداقة المستقبل. لم أعرف عنه اكتراثًا سلبيًّا بالآخرين، حين لا يصير الآخر قانونًا له وقت الكتابة، لا أحد يكترث مثله بمشاعر الآخرين ودلالاتهم الإنسانية.

على الرغم من اتفاقنا على ما لا يقاس ولا يحصى من أمور، فإننا نظل على طرفين مختلفين من النقائض الفعالة، وظني أن في بعض هذه النقائض اختلافًا يجعلنا نخطو في سعي دؤوب نحو تحقيق التكامل الذي لا يتكامل. فمن الخطأ اعتبارنا نسخة واحدة في شخصين. فربما اكتمالنا ينشأ من تلك النقائض كلانا قليل الكلام في الأصل، وكلما تقدم بنا العمر تناقصت حاجتنا للكلام، وصار الصمت كلامًا أكثر بلاغة بيننا. ربما لأننا سئمنا من الكلام، فقد تكلمنا كثيرًا، ويبدو لي أننا تكلمنا أكثر من اللازم، والحق أننا تعبنا من ذلك. ثمة إحساس ينتابنا، مع الوقت واختزال الحركة الإيجابية في الحياة، وتقريبًا انعدام التقدم، يتولد إحساسٌ بلا جدوى الكلام، ليس لعدم وجود من يسمع، ولكن لعدم السماح لمن يسمع أن يفعل شيئًا؛ لذا كلما تحدثنا معًا استذكرنا مستقبلًا لا يأتي، لأن الماضي لم يمت بما فيه الكفاية.



لكي نفهم أمين صالح علينا وضع الفن السينمائي عدسة لقراءتنا. فلهذا الفن دورٌ مكوّن في بنية مفهوم الكتابة عند أمين. الحاسة السينمائية لم تطرأ على ثقافة الكاتب في أمين صالح، إنما هي عنصر مؤسس في بنيته الثقافية، وهو الأمر الذي أغنى تجربته بجماليات تخترق رتابة الثقافة العربية، حيث الحاسة البصرية من الحواس المكبوتة عندنا منذ التراث؛ لذلك عمل أمين صالح على الاستعانة بالحساسية الفنية في تفجير أكثر الجماليات كمونًا في فنون الكتابة. فمن يسعى إلى تنشيط حريات المخيلة لن يستغني عن فن السينما بوصفه أكثر الفنون البصرية قوةً وثورية.

عندما اشتركت معه في كتابة "الجواشن" اكتسبت الدرس الحاسم في تجربتي الأدبية. لقد تعلمت منه طرائق التنشيط الفعال لمخيلة الكاتب؛ لذا سوف أعدّ تجربة "الجواشن" من بين أغنى تجاربي في الكتابة والفن. وإذا جاز لي القول: إنني ما زلتُ أغترف من تلك التجربة فيما أكتب حتى الآن. وبما أننا لم نذهب إلى تلك التجربة بقرار وإدراك واعيين، فمن العبث الكلام عن إمكانية تكرار تلك التجربة من دون ارتكاب حماقة ما. فتلك التجربة نسيج وحدها، نحب عدم محاولة اجترارها. فهي لا تزال حية في كتابتنا.

"رُبَّ أخٍ لم تلده أمك"، أعتقد أن هذا القول الشهير قد صيغ ليعبر عن علاقتنا، أمين وأنا. فلديّ شقيقان وأصدقاء لا يحصون، لكن صداقتي مع أمين صالح وحدها التي تجعل الحياة ممكنة، بل إنني سأندم كثيرًا إذا مت قبله.

أمين صالح ليس صديقًا عابرًا، إنه صديق عائلتي كلها، ولدينا حياة مشتركة طوال الوقت، ويندر أن يكون هناك مشروع عائلي لا يدخل أمين صالح في صلبه.

وعندما كنت في الاعتقال، كان أمين صالح البلسم الإلهي لعائلتي. حتى إنك ستتمنى جراحًا كثيرة من أجل الفوز ببلسم مثل أمين صالح. ولكل امرئ من اسمه نصيب. صديقي الأمين الصالح.



البيئة والحيوات التي عايشتها في طفولتك وصباك، والأثر الذي احدثته العاصمة (المنامة)، والمصادر التي نهلت منها، ما أثر كل ذلك في سيرتك وفي شخصية أمين صالح التي نعرفها نحن القراء؟

- في روايتي "رهائن الغيب"، الصادرة في 2004، تناولت الواقع الذي عشته في حي الفاضل، وأنا في الثالثة عشرة من عمري. والرواية لا تعد سيرة ذاتية، إنما استمدت – الرواية – مادتها من جوانب من السيرة، ومن عناصر المخيلة والفنتازيا والأحلام. ليتولد منها عمل تتجاذبه عناصر من كل مصدر.

ولدت ونشأت في حي الفاضل بالعاصمة المنامة، ومثل كل الأحياء الشعبية في البحرين، كان حي الفاضل يزخر بالتناقضات، وفيه تتعايش الأضداد بألفة وسلاسة، دونما تعقيد أو حساسيات مفرطة ومتطرفة. في الحيّ تتجاور البيوت الغنية والبيوت الفقيرة. البيوت الطينية تحاذي البيوت المبنية من سعف النخيل "العريش أو العرشان". الحس الطبقي كان حاداً بالطبع، لكنه لم يصل إلى حد التناحر أو حتى الضغينة. كان أولاد الأغنياء يشاركوننا اللعب والأعراس وارتياد الصالات السينمائية دون أي إحساس بالفوارق، أو شعور بالتميّز أو الحقد الطبقي، حتى لو في الخفاء. كان السنّي يصادق الشيعي ويصاهره، دونما التوكيد على الاختلاف الطائفي، بل كان كلّ منهما يحترم طقوس وشعائر الآخر، وقد يشاركه فيها. وكان ثمة تعايش أليف بين البحريني والسعودي والعماني والهندي والباكستاني ضمن الرقعة الصغيرة.

بالطبع لا أريد هنا أن أرسم صورة مثالية، طوباوية، للمكان الذي سكنت فيه. فقد كان أيضاً يعجّ بالخلافات والمشاحنات، ويتمجّد فيه العنف الفردي، وتنتشر فيه حالات التنمّر. ما أقصده أن الخلافات والفوارق الطبقية والطائفية لم تبرز على السطح، بل ظلت كامنة ومطمورة وخفيّة، ولم تعلن عن نفسها جهاراً، كما يحدث الآن.



ضمن تلك الأجواء من التعايش الصحي، نشأت. والملمح الآخر الذي كان يميّز حي الفاضل هو احتضانه للعديد من المواهب الأدبية والفنية التي برزت وأبدعت واكتسبت شهرة: في مجال القصة والرواية والشعر (الفصيح والعامي)، في الموسيقى والغناء والتمثيل والفن التشكيلي.

هذا المناخ الاجتماعي والثقافي كان له بالغ الأثر في تكويني كفرد وككاتب. على المستوى الإنساني، تعلّمت أن أتحلى بالمرونة والتسامح وقبول الآخر (أياً كانت درجة اختلافه) ونبذ التعصب والتزمت والطائفية والفاشية والشوفينية. وعلى المستوى الثقافي، تعرّفت مبكراً على الأشكال الفنية والأدبية، وصرت مولعاً بها. كما زودتني مكتبة خالي الصغيرة بالمعرفة الأدبية من خلال الروايات العربية والأجنبية المترجمة، والتي كنت أقرأها بنهم.



أيضاً كان حي الفاضل، وهذا ما صوّرته في "رهائن الغيب"، ملتقى، أو من بؤر الالتقاء، للمظاهرات المتكررة في تلك السنوات، حيث تأتي الجموع من كل الأحياء القريبة والبعيدة، لتحتشد في بقعة من الحيّ، ثم لتنطلق من جديد في مسيرات حاشدة. بالتالي، تكوّن لديّ وعي سياسي، ساذج بعض الشيء آنذاك، وفي وقت مبكّر.

التأثيرات قد لا تكون ظاهرة ومكشوفة في وعيك، فيما تكبر وتتخطى المراحل العمرية، بل قد تتسرب نحو لاوعيك وذاكرتك من دون أن تشعر أو تنتبه. ومثل هذه التأثرات تتضح وتتجلى فيما تتأمل ذاتك وتاريخك والزمن الذي تحفر فيه أو تستحضره بين الحين والآخر. الآن تدرك، مثلاً، إلى أي مدى ساهم المكان الذي نشأت فيه في تحديد تكوينك وتشكيل وعيك. والعائلة أيضاً، والمدرسة، والطفولة والمراهقة.. كل تلك الأزمنة التي حسبت أنها تلاشت، تظل قاطنة في أركان الذاكرة.. حية وقابلة للاستحضار.


تكاد تشكل مع قاسم حداد، ملمحا خاصاً في الثقافة البحرانية، فبين الاثنين مقاربات تكاد تشمل الحياة الشخصية، فضلا عن تقاطعهما بالكثير من التفاصيل.. فقاسم حداد الشاعر وأمين صالح القاص والروائي يكتبان نصين ليشكلا نصاً واحداً في النهاية كما يقول عمر شبانة، هل لك أن تحدثنا عن هذه العلاقة؟

عمر صداقتنا الآن تجاوز الخمسين عاماً، فقد التقينا في 1969، مع انضمامي إلى أسرة الأدباء والكتاب، بعد شهور قليلة من تأسيسها، وكان قاسم حداد أحد المؤسسين. وتوطدت الصداقة بيننا في 1970. ومنذ ذلك الحين، تقاسمنا الرغيف والطريق والكتابة، ولم نفترق.

والآن، كيف يمكن لي أن اختزل كل تلك السنوات، بكل تنوّعها وزخمها واكتظاظها وثرائها وتعقيداتها وتشابكاتها وتعدّد حالاتها وأطوارها، في كلمات وجيزة تلخّص علاقة مديدة، شهدت ما يشهده النهار أو الليل فيما الفصول تتعاقب أمامه صيفاً صيفاً.

سأقول ما يسمح به البوح في هذا الشأن. بيننا ضرب من التناغم والتوافق، سواء على المستوى الحياتي، الاجتماعي، أو المستوى الثقافي والرؤيوي. عندما يكتب هو نصه الشعري، وأكتب أنا نصي السردي، تكون من بين غاياتنا أن يُدهش أحدنا الآخر، ويذهله. هذا هو معيارنا الحقيقي لجودة النص، وهذا هو جواز مروره، وإلا فإن ثمة خللاً في النص يستوجب التعديل وإعادة الصياغة. وعندما نشترك معاً في كتابة مادةٍ ما، تنصهر الذوات في ذات واحدة.. فما بيننا من انسجام وتطابق، وتقاسم للرؤية الفنية والإنسانية، يجعل من التقائنا في بؤرة واحدة أمراً يسيراً، لا تعقيد فيه ولا إشكال.



إذا كان الكون نتاج الصدفة والضرورة، فإن علاقتنا هي نتاج الصدفة والضرورة والصداقة المتدفقة بين ثنايا الزمن في انسياب رشيق. ولا شيء خارق ومثالي في هذه الصداقة، بل يعتريها ما يعتري كل علاقة إنسانية من فتور أحياناً، وخلاف، وسوء فهم، إذ لنا من الأخطاء والهفوات والشوائب نصيبنا، ولا ندّعي النقاء والبراءة المطلقة، لكن دوماً ندع الحب يرشدنا بضوئه المشع، وتأخذنا الرفقة الحقة إلى مسارنا الذي اصطفيناه، لنستأنف الرحلة.

عندما تشترك مع آخر في كتابة نص أدبي، أو نص سينمائي، أو أي عمل فني، فأنتما لا تحتاجان فقط إلى رؤية مشتركة، ولغة مشتركة، وأفكار منسجمة، بل أيضاً تحتاجان إلى أن تكون العلاقة الإنسانية بينكما صادقة وعميقة، لا أنانية فيها ولا غيرة، لا رياء ولا تملّق، لا تحيّز ولا تعصّب. من غير هذه الصفات والخاصيات، سوف تتعثّر التجربة، وتصبح حالة الكتابة أقرب إلى الحالة الكابوسية.

لقد كتبنا، أنا وقاسم، الجواشن، في تناغم تام، وأثناء الكتابة كنا نستمتع بما نكتشفه وما يتكشف أمامنا من مسالك غير مطروقة في الشكل والمضمون.


ناقد ومترجم وروائي وشاعر وسينمائي.. هل هي أقنعة لوجه واحد، أم تراها وسائل لصياغة التعبير يوم تضيق العبارة؟

- لا اعتبرها أقنعة، بقدر ما اعتبرها وجوهاً أو أشكالاً متعددة للكتابة نفسها. إنها مجالات أو حقول في الكتابة ألجأ إليها كلما شعرت بحاجة لارتياد هذا المجال أو الآخر. والذي يُملي هذا اللجوء: استبدادية فكرة ما تريد أن تُصاغ في شكل قصة أو مقالة/ حاجة ملحة لكتابة دراما تلفزيونية/ عرض لا سبيل إلى مقاومته لكتابة سيناريو سينمائي/ افتتان بعالم مخرج سينمائي ما يدفعني لأن أسعى إلى نقل تجربته إلى الآخرين في شكل كتاب/ قراءة كتاب في السينما، أو في أي فن آخر، ولا يكف عن تحريضي على ترجمته/ رغبة غامضة في ضرورة كتابة رواية.

إذن هي كلها أشكال تعبيرية، أخوض فيها كلما استدعت الضرورة الملحة. المعيار هنا هو مدى جودة النتاج أو رداءته. هذا ما يقرّر استمراريتي، أو عدمه، في ارتياد الحقل الكتابي.


في أي مجال أدبي يرى أمين صالح نفسه؟

- أحن كثيراً إلى كتابة الرواية. النص الأدبي يغريني أكثر. فيه أو من خلاله، استعرض قدراتي وإمكانياتي، واختبر ما يمكن اكتشافه.



كسينمائي، كتبت سيناريو "الحاجز" وهو أول فيلم روائي في البحرين، ولك العديد من الأعمال التلفزيونية في مجال الدراما و المنوعات. إضافة لكتابة النقد السينمائي... هل الصورة هي التي تستطيع ان تستفز مواهب أمين صالح المتعددة؟

-في البدء كانت الكلمة. لكن للصورة قوتها وهيمنتها. وهي طاغية وشديدة الإغواء. يحدث، في أحوال كثيرة، أن تكون صورة ما هي المحرّض الأول لكتابة نص. إنها تأتيك عرَضاً أو اتفاقاً من مكان ما، وتظن أنها ستكون عابرة: "نسوة جالسات على سطح بيت، والقمر ينشر ضوءه المبهر عليهن، وبينهن امرأة حبلى على وشك الولادة".. حسبت أنها صورة عابرة، لكنها راحت تراودني بين الحين والآخر، كأنها تريد إغوائي، كأنها رسالة غامضة تريد مني أن أتمعن فيها، أن أفهمها، أن أفسّرها. وتدريجياً أخذت تفرض نفسها وتستبد بي، وصارت لحوحة أكثر.. ولم تهدأ إلا حين استخدمتها في النص، موظفاً دلالاتها وأبعادها وامتداداتها.



في إحدى نصوص "ندماء المرفأ"، كتبت هذا المقطع:

"ها جالسة قرب النافذة أكحّل الأفق بخنشار الضحى وأزيّن كواحل الميادين بخلاخيل الغسق. أرهف السمع لخطى لبوءات تهبط خفافاً سلالم الغابة وتحتشد أمام نافذتي. أهيب بها أن تقترب لكنها تتدرّع بالريبة والحذر فأخرج إليها وأسفح جسدي كي تفترسني في انتشاء، وتشفع لي".

بعد زمن من كتابتي لهذا المقطع، تذكرت أنني كنت أتفرج مأسوراً ومسحوراً على لوحة الفنان هنري روسو "الغجرية النائمة". ويبدو أن الصورة تسللت إلى نطاق اللاوعي وكمنت هناك، لتختزنها الذاكرة، ثم راحت تتفاعل مع صور أخرى تبادرت إلى الذهن أثناء كتابة النص، لتخرج بالشكل الذي كتبته.

الكتابة عملية مركّبة، معقّدة، وغير خاضعة لمنطق أو منظور عقلاني، ذلك لأنها نتاج تمازج الوعي بعناصر الذاكرة والتخيّل واللاوعي والأحلام.

447 views0 comments
bottom of page