top of page

الأسلحة الثقافية للصهيونيةالهاسبارا والسينما نموذجاً




الحركة الصهيونية عمومها المتواجدة في جميع الدول الأوروبية تقريباً وبعض الدول الآسيوية والأفريقية وأميركا اللاتينية، وداخل الكيان الصهيوني. هناك العديد من الأسلحة الفكرية والإعلامية والفنية والثقافية التي تنفذها بخطة إستراتيجية وزارات وهيئات وأجهزة استخباراتية، وتعاون وثيق مع اللوبيات الغربية الداعمة والممولة للكيان الصهيوني. جميع هذه اللوبيات أعضاؤها خليط من اليهود وغير اليهود المتعاطفين والداعمين للكيان الصهيوني.

الإستراتيجية الثابتة :

الهدف الرئيسي للإستراتيجية الصهيونية هو تعزيز البناء "القومي" للكيان المصطنع من قبل الحركة الصهيونية، من خلال الاستناد على (نص سردي أسطوري توراتي مؤسس يجعل من الجماهير اليهودية شعباً موحداً، له نفس الأصل ويمتلك تاريخاً قومياً مشتركاً مرتبطاً بأرض "إسرائيل"). من هنا تأتي أهمية "التوجه الفكري" الذي يقترحه إدوارد سعيد، إذ يلاحظ بأن الحركة الصهيونية مارست توجهاً فكرياً بأن (أرض الفلسطينيين في مرحلة أولى، تم تأويلها على نحو اختزالي لتصير "أرضا مقدسة"، وبذلك تم النظر إليها على أنها أرض خلاء وبدون شعب، أسطورة بناها المستكشفون ورجال الدين في القرن التاسع عشر، ومنها تتغذى الصهيونية). لاحقاً، وأمام تطور وهيكلة المطالب، واستنهاض القوى الفلسطينية والعربية، سياسياً وثقافياً وفكرياً قامت "حرب النصوص السردية"، التي ما هي في آخر المطاف إلا صراع حول مشروعية المطالب بين الصهيونية وحركة التحرر الوطني الفلسطينية. في هذه المرحلة، سيتبلور التاريخ في تفاعل مع الآخر (سيؤكد الصهاينة أحقيتهم، بناء على سابق وجودهم في "الميدان" منذ العصر القديم، مروراً بالنصوص التي تؤرخ الكراهية لليهود والمقاربة السياسية للإبادة العرقية، في حين يتعلق الأمر بالنسبة للفلسطينيين، بمعركة من أجل تحرير العقول من خطاب هيمني منافق ومغالط، فرضه الصهاينة على الصعيد الدولي). 

في دراسة قيمة منشورة في مجلة "التحرر" التابعة للشبكة اليهودية الدولية لمناهضة الصهيونية (IJAN) التي تم تأسيسها عام 2008 بسان فرنسيسكو (كاليفورنيا - الولايات المتحدة)، يتوسع معدو هذه الدراسة في عرض وتحليل هذه الإستراتيجية من مختلف جوانبها التاريخية والسياسية والعسكرية والاستخباراتية والإعلامية والفنية-ومنها الدعاية والسينما-.

الأجهزة المخططة لإنجاح الأسلحة الثقافية:

أهم هذه التشكيلات: جهاز الدعاية أو هاسبارا: ويستعمل اللفظ العبري "هاسبارا" الذي يعني "تفسير"، للدلالة على عمليات الدعاية التي تقوم بها الحكومة "الإسرائيلية" ومجموعات مساندة لها. إن لفظة هاسبارا تعني أن موقف "إسرائيل" دائماً صحيح، فقط يتعين "تفسيره". ولقد تم تطوير جهاز الدعاية حيث أضحى جهاز الهاسبارا أمراً ملحاً بعد قيام حركات التحرر الفلسطينية والعربية والعالمية بخطوات مؤثرة لتبيان خداع وكذب الدعاية الصهيونية، ذلك (بأن مسؤولي السياسات الحكومية الصهيونية واعون جيدا بأن مشروعية مطالبهم مبنية على تقديم عدة حجاجية تستجيب للإحساس بالذنب لدى العالم "المسيحي"، والحذر أو خشية الرأي العام وأصحاب القرار الغربي من الشعوب العربية والإسلامية.



شرعت الحركة الصهيونية في بلورة سردها منذ ولادتها، لا شك في أن شعارها يتمثل في الجملة "أرض بدون شعب لشعب بدون أرض"، تكملها الجملة "خلال النكبة (1948) لم يتم طرد الفلسطينيين، بل هم الذين هربوا بعد خطابات القادة العرب"،- يجدر ههنا التذكير بجملة بن غوريون الشهيرة "لم نطرد عربياً واحداً"، و"إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وتمتلك الجيش الأكثر تخلقاً في العالم"، و"الرواد الصهاينة حولوا الصحراء إلى بستان مزهر"، ثم أخيراً "إسرائيل كانت دائماً ترغب في السلم، العرب هم الذين رفضوا". ولتبرير المجازر التي يرتكبها جيش الاحتلال في حق الفلسطينيين، أمام الرأي العام الأجنبي، كان الهاسبارا يلوح بعبارة "نحن في حالة دفاع عن النفس"، نافياً نفياً قاطعاً ما يتم ارتكابه من قمع ونزع للممتلكات وسياسات الإبادة التي يتعرض لها الشعب يومياً. ولإغلاق باب النقاش يشهر الهاسبارا الإحساس بالذنب القائم لدى غير اليهود، من خلال الإشارة إلى أولاً: معاداة السامية الشاملة وغير التاريخية، وثانياً: الإبادة التي ارتكبت خلال الحرب العالمية الثانية والتي يتم تمييزها عن كل الجرائم ضد الإنسانية وبأن الهولوكوست يتعالى على التاريخ. 

إن أنشطة الهاسبارا على هذه الصعد تتضمن (سلسلة من المجهودات وجبات غذائية ورحلات مجانية للتأثير على الصحفيين؛ منتديات لفائدة طلبة جامعيين يهود قد يقضون أسبوعاً في مكان معزول فيصبحون مهيئين للدفاع عن إسرائيل في الميدان؛ أعضاء المؤتمر يتم قصفهم بالدعوات والزيارات؛ أعمدة على الجرائد، وأهم من ذلك أموال لتمويل الحملات الانتخابية؛ مصورو الانتفاضات الجارية في فلسطين وكتابها يتم توجيههم أو التحرش بهم حسب الظروف لكي ينتجوا هذه الصور لا تلك؛ معلقون تم تكوينهم على إثارة موضوع الهلوكوست والأوضاع الصعبة التي تعيشها إسرائيل اليوم؛ إعلانات كثيرة في الجرائد تتهجم على العرب وتمدح إسرائيل؛  قيادات جمعوية ومربین ونشطاء داخل الكيان الصهيوني، وطلبة في الشتات مَثَّلَ الأولوية لدى جهاز هاسبارا حيث يرصد إمكانيات معقولة لمحاصرة "الإرهاب السيبرنطيقي". "هم شباب مولعون بالإعلاميات ويتقنون لغة أجنبية واحدة على الأقل، للرد على الانتقادات التي تعج بها المدونات والبريد الإلكتروني لكبار الصحف الأوروبية والأمريكية. كما أن الموقع www.masbirim.gov.il يقدم معلومات عن الاختراعات "الإسرائيلية" والتكنولوجيا).

الإنتاج السينمائي المنحاز للإنسان الغربي:

مواضيع الأفلام الغربية تركز على زعامة الرجل الأبيض وذكائه الخارق وقوته اللامحدودة، وغباء ونذالة وخداع وشيطنة باقي شعوب العالم، بل وأيضاً سرعة تحويل الشيطان إلى ملاك والعكس، كما حدث مع الزعيم السوفييتي ستالين والنازيين: فقبل الحرب العالمية الثانية كانت الأفلام الأميركية تقدم النازيين كقوة خيرة "ملائكية"، والإتحاد السوفياتي وستالين كقوى شريرة "شيطانية"، وأثناء الحرب، ومع احتلال هتلر لبلدان أوروبا وحصارها لمدينة لينينغراد- بطرسبورغ حالياً- وهزيمتهم على سواعد الجيش الأحمر السوفييتي، تحولت الملائكية لستالين والشعب السوفييتي، والشيطانية لهتلر وحزبه النازي. وبعد هزيمة ألمانيا النازية، والبدء في الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، رجعت الأفلام الغربية في شيطنة ستالين وملائكية وشجاعة الألمان النازيين، وفيلم "رومل" نموذجاً لذلك. (فالعديد من أفلام الفرجة لها مسحة استشراقية. ومنذ العقد الأول من القرن العشرين والقوى الاستعمارية الأوروبية: فرنسا وألمانيا وبريطانيا العظمى والولايات المتحدة المسؤولة عن المشروع الاستعماري داخل ترابها، تراقب نشر صناعة السينما على المستوى الدولي. وإلى جانب هذه الجسارات الفنية والتقنية، تساهم السينما بقوة في البناء الثقافي الشعبي. فالأفلام التي تنتجها كبرى الأستوديوهات تساهم في صياغة ونشر الخطاب الهيمني حامل السرد القومي.




ربما كان ذلك وسيلة لإضفاء المشروعية على هذه الصناعة الجديدة. فالويستيرن، الجنس المشع في هذه الصناعة، يعلي من شأن الأسطورة الأصلية للاجتياح الأوروبي لأمريكا ومن شأن رواده الخيرين على حساب الشعوب الأصلية). (فالسينما تغذي النزعة الاستشراقية وتغذي في نفس الوقت إرهاب الإسلام. هذا الشرق يتوهمه الغرب فاتناً وخطيراً، لكن دائماً على نحو اختزالي. في المركز، هناك البطل الغربي الذكر الذي يستطيع الإعلاء من شأن تفوقه الثقافي بفضل قوته الجسدية وعزمه وذكائه، حتى ولو استعمل أساليب عنيفة والإنتاجات الضخمة التي باتت شائعة في الولايات المتحدة ابتداءً من سنة 1920، خاصة الأفلام الهوليودية التي تختزل الشرق، ففيلم Year of the Dragon لميكائيل سمينو، على سبيل المثال، يقدم صورة عنصرية محضة وتمييزية عن التجمع الصيني بمدينة نيويورك، من خلال وصفه للطبيعة العنيفة والخطيرة لهذه الجماعة. مثال آخر: فيلم لورنس العرب، أخرجه دافيد لين سنة 1963 مع البريطاني جداً بيتر أوتول وعمر الشريف. في إحدى المشاهد يخاطب لورنس الشخص الذي قتل للتو صديقه، قائلاً: شريف علي ما دام العرب يتقاتلون قبيلة ضد قبيلة، فلن يكون الشعب إلا حقيراً وبليداً وجشعاً وقاسياً مثلك!". فهويته تتحول ويصبح عضواً من قبيلة علي. إن السلطة الإمبريالية للورنس أمام شعب يصفه بالحقارة لا تفقده هيبته. وهو عندما يشارك في مجزرة "طفس" صائحاً "لا نريد معتقلين!"، يكون هو نفسه قد أضحى ذلك المتوحش الذي استهجنه في بداية الفيلم. لم يعد يتعرف على نفسه، ويترك ملابسه العربية ثم يعود إلى بلد مولده إنجلترا، ليقضي ما تبقى من أيامه هناك.



الأفلام الداعمة للصهيونية :

مواضيع الأفلام الصهيونية تكون حول الحقيقة التوراتية في حق اليهود العودة لأرضهم المقدسة، والحضارة اليهودية - المسيحية، والإرهاب العربي - الإسلامي.

 الفيلم اللامع الذي يتناول التوراة ويمجد اليهود "الوصايا العشر"، لسيسيل دوميل، تم إنجازه بالولايات المتحدة سنة 1956 مع شارلتون هستون في دور موسى، وهو فيلم فرجوي بامتياز، بمشهد مسيرة اليهود نحو الأرض الموعودة وعبور البحر الأحمر. وعند عرضه في القاعات، كان يعتبر أغلى فيلم تم إنتاجه، ويتمتع بامتيازات لم تتوفر لفيلم سابق على مستوى التوزيع. ويعتبر حالياً، وفقاً لويكيبيديا، من بين أكبر الأفلام على مر الأزمان. ومن بين الأفلام التي تمجد القصة البطولية للصهيونية Exodus (إكزودوس) الذي يجسد النمط المفضل، من إخراج أوتو بريمنغر بالولايات المتحدة سنة 1960، وهو مقتبس عن رواية تحمل نفس الإسم للكاتب ليون أوريس، وتحكي الرواية عن الأحداث المرتبطة بقيام دولة إسرائيل، وخاصة المسار المعقد للناجين على ظهر سفينة إكزودوس، في محاولتهم الالتحاق بفلسطين سنة 1947. الممثل الكبير بول نيومان هو من شخص دور أري بن كنعان أحد أعضاء الهجانة، والفيلم عبارة عن تكثيف للصور النمطية، تقوم بعرض الناجين من الإبادة، وسيئي النية الذين يمنعونهم من الالتحاق بفلسطين -الإنجليز- وبطل الهجانة ذي العينين الزرقاوين، وصورة المحاربة الشابة التي قتلها العرب وهي في السابعة عشرة من عمرها؛ أحد المحاربين اليهود يستجدي السكان الفلسطينيين سنة 1947 منحه صداقتهم و ثقتهم من أجل إقامة دولة واحدة، في مقابل -حسب الفيلم- ما يطلبه منهم المفتي الكبير للقدس والعرب السيئين الذين يريدون تصفية كل اليهود. لا وجود لأية شخصية فلسطينية "إيجابية"، ناهيك عن أن القصة الحقيقية لسفينة إكزودوس قد تم تحريفها. وقد تمكنت رسالة الفيلم والكتاب من التلاعب بعقول أجيال عديدة سواء في الغرب أو في البلدان الأمريكية. شهران بعد ميلاد الدولة الاسرائلية، غيرت رواية نشرت بالولايات المتحدة تمثل الجمهور الإسرائيلي واليهود إكزودوس التي كتبها أحد قدماء البحرية اليهود، ليون أوريس، أضحت ظاهرة تحظى بافتتاحيات على المستوى الدولي، الرواية الأكثر نجاحاً وشهرة بالولايات المتحدة، منذ رواية "ذهب مع الريح" لمركريت ميتشل. "فالرواية والفيلم المقتبس منها ألقيا بملايين الأشخاص داخل حياة إسرائيل وأديا إلى سيل من التعاطف تجاه البلد الفتي". وفي نفس السجل لكن بفظاظة أكبر، يأتي فيلم Delta Force لمخرجه ميناحيم غولان سنة 1986.



غولان مخرج إسرائيلي تألق في هوليود. هنا الرسالة مباشرة أكثر وأكثر استشراقاً بموضوعات الإرهاب ومعاداة السامية ورهاب الإسلام الملازمة للمقاربة النشوئية للصهيونية. ملخص السيناريو إرهابيان لبنانيان ينتميان إلى مجموعة مرتبطة بالمنظمة الثورية العالمية المساندة للخميني يقومان بتحويل مسار طائرة بوينغ 707 واحتجاز 144 من ركابها و طاقمها كرهائن. يعرضان مطالبهما على الحكومة الأمريكية ويهددان بقتل الرهائن إذا لم تتم الاستجابة لها. وخلال الأزمة، يقومان بفصل اليهود عن باقي الركاب. تكون ههنا أمام مبدأ الأوعية المتصلة ما بين السينما المنتجة داخل المقر المركزي للإمبريالية والنماذج (paradigmes) المهيكلة للتصورات الصهيونية. يبرز الموضوع المفضل لدى جهاز الدعاية الإسرائيلي-الهاسبارا، أي إبادة اليهود في فيلم Shoah لكلود لانزمان (1985)، الذي يستغرق عرضه حوالي عشر ساعات، والفيلم في أصله، طلب تقدمت به الحكومة الإسرائيلية. وفي تصريح للانزمان: كيف يمكن إيجاد اسم لما لم يسبق أن حدث مثله في تاريخ البشرية؟ فسماه Shoah الهولوكوست بالعبرية. ومنذ ذلك الحين صار إطلاق هذا الاسم على إبادة اليهود، يعتبر من البديهيات لدى عموم الناس، بغية تمييزه عما سواه من الجرائم ضد الإنسانية. وقد كان للفيلم تأثير كبير منذ ظهوره على شاشات العرض، فالانكسار بين اليهود وغير اليهود داخل الفيلم عنيف جدا. البولونيون يتم تقديمهم على أنهم متواطئون مع الجلاد النازي، فغير اليهود جميعهم مذنبون. غير أن هذا الفيلم الذي أضحى رمزاً للدلالة على الإبادة النازية، يوجه رسالة رتيبة تفتقد كلياً إلى المهارة والإبداع الفنيين.

186 views0 comments
bottom of page