top of page

الحياة النادرة في السنة الجديدة



السنة الجديدة ليست كذلك. لا جديد لدينا في المقبل من الأيام، الحروب والأوبئة نفسها، الخوف نفسه من الغد، السلطات نفسها الجاثمة على انفاسنا، الفقر والحاجة نفسهما، الهزيمة الساحقة نفسها، رغم نجاحات الفرق العربية في كأس العالم لكرة القدم، أوهام مشاريع الأمل الرسمي والشعبي التي يروّج لها الحكم والمعارضات العربية نفسها، الروزنامة نفسها التي تكررت، وينبغي لنا عدم التمني، فالتمني، مهما تنوّع، لا يتجاوز التمنيات لانزياح السلطات العربية عن كواهلنا.


٭ ٭ ٭


بناء عليه سيكون من العنف المقصود، والمبالغ فيه، هو التمني المجاني بالأمل في السنة الجديدة، فالإيحاء بالتفاؤل بانفراج الحال هو ضرب من ضروب الذهاب إلى النوم براحةٍ تجعل المواطن العربي يصدق الأمل. ليس من الحكمة طرح صوت أمل على المواطن العربي، ودفعه إلى تصديق مشاريع الحكم العربي ومشاريع المعارضة، والاثنان لا يكترثان بالمواطن العربي ومتطلباته الأزلية: الكرامة والعدل الاجتماعي.


٭ ٭ ٭


نفهم الجديد، بمعنى: مختلف، لذا ما الاختلاف الذي سيصادفنا في العام الجديد؟
سنفقد المزيد من الأحباء مجدداً، ومن الشعراء والأدباء الذين نحب، كما في العام المنصرم. ثمة اختلاف يشي بمضاعفة هذا الفقد. كأن الفقد مكتوب علينا، الاختلاف يتمثل في جديد الأسماء والعناوين.


٭ ٭ ٭


أكثر من هذا، سنظل نصادف في كل صبحاتنا في كل نشرات الأخبار، أخباراً عن العنف في كل العالم. ما الذي يجعل السنة المقبلة جديدة والأخبار ذاتها مستمرة: عنف وموت وعدم اكتراث بالإنسان. إن ما يجعل السنة جديدة مختلفة عندما تتوقف أحداث الموت، عندما يتوقف القتل نفسه عن الاستمرار في حق الناس.


٭ ٭ ٭


الأغرب أن كل هذه الأحداث والأخبار العنيفة المنقولة كل صباح وكل يوم، تحدث بدوافع دينية غامضة المصدر والمذهب، وجميعها تزعم أنها تتذرع بالدين وتتدرّع به. الغريب أيضاً أن المسلمين، في ما يرتكبون هذا العنف، يقومون بقتل مسلمين أيضاً. بالطبع نحن نتلقى الأخبار، في ما نكون عرضة لنكون هدفاً للعنف نفسه، فنحن مسلمون أيضاً. ترى أين يقف الله (مصدر جميع هذه وتلك الأديان) ومع أي جانب؟ فجميع الأطراف تزعم أنها صاحبة حق الصدور عن الدين؟


٭ ٭ ٭


سيكون عاماً جديداً إذا رأينا انحسار العنف عن حياتنا في كل بلدان العالم. السنة تكون جديدة فعلاً عندما نستمع للأخبار خالية من أحداث العنف والقتل والضحايا، دون أن يكون شرط الحدث الإخباري هو، أن يعض الإنسان كلباً وليس العكس.
فهذا ما يتأسس عليه علم الصحافة، ولكأن شرط العنف الخارق هو مقياس العمل الصحافي، وهذا هو القانون الذي تقوم عليه، ليس الصحافة فقط، لكن كل وكالات الأنباء في العالم.


٭ ٭ ٭


الجديد هو ـ أن نقوى على العيش في هذا العالم. القدرة على الحياة هي الجديد إذا كان ثمة جديد في العام الوشيك. فالموت الآن ليس هو المشكلة، المشكلة في الحياة النادرة.

175 views0 comments