top of page

الفارق بين الشغف بالعنف وتجسيد بشاعة الحرب

أول نسخة سينمائية المانية لرواية "كل شيء هادئ على الجبهة الغربية"


الفيلم الألماني «لا جديد على الجبهة الغربية» فيلم متخم بالجوائز (4 جوائز اوسكار و47 جائزة دولية)، لكن أهميته لا تنبع من هنا فحسب، بل من كونه أول معالجة سينمائية المانية للرواية الشهيرة التي تحمل نفس الاسم للروائي الألماني اريك ماريا ريمارك.

لقد سبقت النسخة الألمانية هذه، نسختان من انتاج هوليوود، الأولى ظهرت عام 1930 ونالت جائزتي أوسكار والثانية عام 1979. لكن العديد من نقاد السينما في الولايات المتحدة وبريطانيا استقبلوا الفيلم دون حماس كبير حيث اعتبر بعضهم ان الفيلم "اكثر فيلم حظي بتقدير مبالغ فيه” في مسابقة اوسكار هذا العام [2023] حسب براندن تنسلي في شهرية "ذي اتلانتك" معتبراِ ً ان "تاريخ الحروب يمثل الطعم الأمثل لجوائز الاوسكار" حسب تعبيره.

يبدو تنسلي محقاً عندما يشير الى فوز 16 فيلماً عن الحرب في تاريخ مسابقة الاوسكار وترشيح عشرات من الأفلام الأخرى لفئات عديدة من الجائزة.

أما توم بروك، فيتساءل في موقع "بي. بي. سي" بتشكك "ما إذا كان هناك فعلا ما يمكن تسميته أفلام مناهضة للحرب". يجادل بروك مستشهداً بالكثير من معلقي صفحات السينما في الصحف الامريكية؛ ان الأفلام التي يتم تقديمها على انها مناهضة للحرب تغدو – دون وعي صناعها – احدى وسائل ترويج الحرب.



من هذه الزاوية تحديداً، يأخذ هؤلاء النقاد على مخرج الفيلم انه "يبدو أكثر شغفاً بالعنف من التطور العاطفي لشخصياته" حسب ما كتب تنسلي في "ذي اتلانتك" مضيفاً انه "على عكس النسخة الامريكية لعام 1930 الفائزة بجائزتي اوسكار، فإن فيلم إدوارد بيرغر بخيل مع الدراما الإنسانية".

لكن هذا العنف الذي حملته النسخة الألمانية من وجهة نظري يبقى الرسالة الأهم في الرواية او الفيلم على حد سواء. فلا يمكن فهم تأثير حرب مثل الحرب العالمية الأولى دون اظهار جوهرها البشع المتمثل في عنفها ووحشيتها. ويبدو لي ان ما أطلق عليه منتقدو الفيلم "الشغف بالعنف" قد يكون إشارة الى "اتقان" صناع الفيلم اظهار العنف والوحشية عوضاً عن ان تكون تعبيراً عن "شغفهم" به.



لقد كانت الحرب العالمية الأولى أولى حروب القرن العشرين التي خلفت حروب القرن التاسع عشر، لكنها ورثت وحشيتها وفيها استخدم المتحاربون الأسلحة الكيميائية (غاز السارين وغاز الخردل) للمرة الأولى في تاريخ الحروب وراح ضحيتها في المجمل نحو 22 مليون انسان. ومن وجهة نظر أدبية بحت، لم يتمكن ماريا ريمارك من احداث التأثير الذي احدثته روايته في المانيا والعالم (طبع منها 25 مليون نسخة بلغات عدة) الى حدٍ دفع النازيين لتجريمها ومنع تداولها، لولا انه قدم وببلاغة وأفاض في تصوير عنف الحرب ووحشيتها وعبثيتها ليصبح تأثيرها المدمر على الشباب الألمان الذين شاركوا فيها، نتيجة حتمية.

ان الافراط في العنف الذي يأخذه النقاد الامريكيون على النسخة الألمانية، يبدو من وجهة نظري، السبيل الوحيد امام المخرج (وأحسب مثلما كان الحال مع ريمارك) لإظهار التأثير البالغ لعنف الحرب ووحشيتها لأنه الرسالة الأساسية للرواية وللفيلم تالياً. والتساؤل عن الحاجة لقراءة جديدة للرواية عند تحويلها الى فيلم بعد 94 عاماً من صدور الرواية و105 أعوام منذ انتهاء تلك الحرب، سيبقى تساؤلاً وجيهاً. هنا، فان المخرج واجه انتقادات أخرى عندما رأى البعض انه قام "باختراع قصص جديدة وحذف شخصيات ومشاهد حاسمة من الرواية عند نقلها إلى الشاشة" مثلما يقدم كيفن تسكييرس لمقابلته مع المخرج في دويتشه فيلا.


المخرج إدوارد بيرغر

انها الملاحظة او الانتقاد المتكرر عند تحويل عمل ادبي الى فيلم سينمائي، لكن بيرغر يدافع عن نفسه امام انتقاد كهذا بالقول ان "الكتاب هو كتاب وعندما يتم تحويله إلى فيلم، فإن الأمر يعد طريقة جديدة"، مضيفا أن صانعي الأفلام "يمكنهم – بل يجب – أن يتحلوا بقدر كبير من الحرية عند تحويل الأعمال الروائية إلى عمل درامي".

يمضي بيرغر الى ابعد من ذلك عندما يقر ان فيلمه "يعد تفسيراً جديدا للرواية" مضيفا ان "الحرب العالمية الأولى اندلعت قبل أكثر من مئة عام، ولدينا وجهة نظر مختلفة للغاية في الوقت الحالي عما كان عليه الوضع في ذاك العصر".

يبقى الفيلم رغم هذا الجدل فيلما ساطعاً، وأكثر ما يستوقفنا فيه هو السلاسة البالغة للسرد الحكائي والبصري. مواقع التصوير والديكورات ظهرت متقنة الى ابعد الحدود والكاميرا فائقة الحساسية وهي تنتقل ما بين الخنادق وساحات المعارك بأوحالها وقذاراتها الى المباني المهدمة ومهاجع الجنود وقاعات اجتماعات البيروقراطيين.



لقد افتتح الفيلم أولى مشاهده ببلاغة في مشهد توزيع بدلات الجيش على الشبان المتطوعين حديثاً. فالبدلات التي كانت لجنود قتلوا في الحرب اعيد خياطتها وتجهيزها ليرتديها جنود غيرهم، تبدو مثل أداة لطقس موت متجدد. وفيما يتحرك الشبان المتطوعون حديثاً بحماس ظاهر، يظهر العاملون من حولهم بوجوه عابسة فاقدة لأي إحساس وسط طقس توريث ملابس الجنود الموتى هذا الذي يشاركون فيه.

أما مشاهد الحرب في الفيلم، فقد ظهرت دوماً مظلمة تدور تحت سماء ملبدة بالغيوم. على العكس، ظهر يوم اعلان الهدنة مشمساً قبل ان يعود النهار للإظلام من جديد بعد انهيار الهدنة مع عودة المعارك بفعل غرور الجنرالات الألمان الذين يصرون على مواصلة الحرب أملا في نصر لم يتحقق.

سنشعر بغصة عندما يصل عبث الحرب ذروته مع موت بطل الفيلم الشاب بول بومر (لعب الدور الممثل الألماني فيلكس كاميرير) قبل بدء سريان الهدنة بثوانٍ بحربة تخترقه من الخلف.



ويبقى المشهد الأكثر بلاغة في الرواية كما في الفيلم، هو المشهد الذي يستعيد فيه بومر شيئا من انسانيته التي اضاعتها الحرب عندما يقوم بتقديم الماء لجندي فرنسي يحتضر بعد ان طعنه بحربته، يحاول ان يسقيه الماء، وبعد ان فاضت روحه يقوم بتفتيش ملابسه ليعثر على أوراقه وصورة له مع زوجته واطفاله. انه المشهد المتكرر في النسخ الثلاث من الفيلم لأنها تمثل ذروة درامية للرواية.

ان رسالة الرواية التي كتبت قبل 94 عاماً عن الحرب التي مضى عليها 105 أعوام ما تزال ذات أهمية في الالفية الثالثة للميلاد، بل انها رسالة عابرة للأزمان. يقول بيرغر في حديثه لدويشته فيلا ان "تصاعد النزعات الشعوبية والقومية، كان الحافز الذي دفعه إلى إخراج الفيلم"، مضيفا "شعرت أنه سيكون وقتا جيداً لإنتاج فيلم يذكرنا بالأجواء والأوقات قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى إذ لم يكن الأمر بالقدر الكبير من الاختلاف. كنت اعتقد في السابق أننا لن نعود لتلك الحقبة أبداً".

لقد جاء هذا الفيلم المتقن في اوانه فعلاً، أي في الوقت الذي تتجدد فيه محارق الحروب ويساق الشباب اليها بفعل هذيان شعبوي وقومي وطائفي يلف العالم ويساق فيه الشباب الى محارق الحروب مثلما كان الحال دوماً.


*كاتب وصحافي بحريني، رئيس سابق لنادي البحرين للسينما

210 views0 comments

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
bottom of page