top of page

القمع والصورة

Updated: Nov 7, 2023






يشكل كتاب الدكتور علاء طاهر "القمع والصورة: ريجيس دوبريه، حوار وتداعيات" منظوراً هاماً حول أهمية الصورة وخطورتها، إذ تعتبر الصورة المصدر الأكثر عنفاً في تأثيره على بناء الوعي والقيم. وإذ يدخل الدكتور علاء طاهر في حوار مع الفيلسوف الذي نظر لمفهوم الثورة من خلال كتابه "ثورة في الثورة"، وبداية التحولات مع كتابة "يوميات برجوازي صغير" والذي جاء نتاج مرحلة سجنه في سجون بوليفيا، بعد سقوط "جيفارا" برصاص المخابرات الأمريكية وتفكيك الخليات الثورية هناك.

هذا الرجل، في تحولاته يعبر عن نموذج للمبدع في ثراء تجربته الحياتية والفكرية، مع أصرار على تحقيق معنى التأثير بشمولية أوسع، وربما أجدر من حمل السلاح. في هذا الحوار ينفتح "دوبريه" كفيلسوف متخصص في أحد المجالات الدقيقة للفلسفة المعاصرة وهو مجال التأثير المؤسساتي للدولة في صياغة الوعي الحديث للفرد عبر تقنية الإعلام، وعبر أهم عنصر فيها وهو عنصر الصورة، وهو المصدر الذي يراه "دوبريه" عنصر عنيف ويساهم في تزييف الوعي الاجتماعي برمته، وهي أن قارناها بما يحدث على مستوى المجتمعات العربية، حيث رؤوس الاموال التي تصب في أنفجار إعلامي ضخم، يضعك أمام سؤال خطير، لماذا قنوات فضائية "أمريكية" وأخرى ذات توجهات طائفية، تمارس حضورا كبيرا على وعي المشاهد العربي، وتضعه تحت ضغط كثيف من التأثيرات المركزة في جرعاتها المعلوماتية التي تصدر عن هذه الحملات الإعلامية المرئية، وفي فترة تاريخية خطيرة مليئة بالتغييرات السياسية في المنطقة! وإذ يرى "دوبريه" ان هذه الحملات في الغرب يواكبها فكر نقدي ينشأ ويتطور مع تطور تقنية المعلومات، فأن السؤال الذي يعيدنا للنظر للواقع العربي هو في غياب مثل هذا الفكر النقدي في الثقافة العربية، بحيث يسمح لنا بتحديد موقفاً نقدياً تحليليا تجاه ما يشكله هذا البث الهائل من الصور في وعي المواطن العربي، وتجاه صمت تام من قبل المثقفين في مجتمعاتنا، وربما هنا اشير فقط إلى تنويه الروائي المصري جمال الغيطاني الجريء حول خطورة الفكر "الوهابي" وثرواته المالية في تأجير مثل هذه المحطات ومدى خطورتها على بناء المجتمعات العربية(1)!! في الوقت الذي نجد فيه ان مفهوم الصورة محرم في سياق هذا الفكر!.



أن الفن يمر الآن بتهميش كبير، دون اعارته الأهتمام المطلوب، ذلك أن، الصورة التي هيمن عليها جهاز التلفزيون عبر بثها بغزارة كبيرة، أدت إلى تهميش الصورة الحقيقية، مثلما همش جماليات الصورة السينمائية. يقول "دوبريه": لقد بدأ التلفزيون يدير سلطة الصورة وإيديولوجيتها، مفتقدين بذلك لعنصر المخيلة "كلما نظرنا أقل تخيلنا أكثر" و"أن اللامرئي سوف يموت خلف ما هو مرئي"، وأن جماليات الحياة ولغزها التساؤلي المواظب على الحركة لا يتجسد بما هو مرئي بل بما هو لا مرئي. كل الأشياء اللامرئية جميلة لأنها مرئية، ولأنها تمنح حرية للخيال بأن يتخيل.



وإذ يعرج "دوبريه" في حواره حول تطور رؤيته الفلسفية حول معنى الصورة ودورها القمعي، والعلاقة فيما بينها، فأنه ينظر إلى هذه العلاقة كونها علاقة تؤدي إلى مسخ إنسانية الإنسان، وتحوله إلى شيء غير موجود. فالقمع الجسدي للإنسان والسجن والتعذيب قد غدت أساليب قديمة وبالية، وأن التعذيب من أجل ان يغير المرء فكره قد لا يزيده إلا إصراراً على التشبث بعقيدته، ذلك أن عهد الاستعمار المباشر والهيمنة العسكرية على الشعوب قد ولى أمام وعي الشعوب الحديثة وثقافتها. ويتسائل: مالذي تبقى أمام السلطات القمعية لكي تجبر الإنسان على الاقتناع بفكرها؟ إنها الصورة التي نراها في كل مكان دون والوعي بأنها السجن الجديد الذي تقمع عبره السلطة معتقد الإنسان وتحيله إلى مسخ يردد أفكارها وكلماتها. واي صورة؟ إنها الصورة التي تحيط بنا في كل مكان.


-2-


في كتاب "حياة الصورة وموتها" يورد "دوبريه" حكاية صينية قديمة تقول أن أحد الأباطرة الصينين القدماء طلب يوما من الرسام الأول في البلاط الإمبراطوري أن يمحي بفرشاته صورة شلال من الماء كان مرسوماً على أحد جدران القصر، لأن ضوضاء سقوط ماء الشلال الموجود في الصورة تمنع الإمبراطور من النوم.


21 views0 comments

Comentários

Avaliado com 0 de 5 estrelas.
Ainda sem avaliações

Adicione uma avaliação
bottom of page