top of page

الكتابة بين الأزرق والأخضر

Updated: Sep 23, 2023




منذ اعتدت على الكتابة في الريف الالماني، اعتدت على شتاء الغابات التي لن تشعر بها مثلما في أوروبا.

كانت البداية في "بيت هاينريش بول" عام ٢٠١٣، كان شتاء كثير الثلوج، وهذا يجعلك. تستهلك الكثير من النبيذ الاحمر، وكنت وقتها اكثر وجباتي المسائية من اللحم، الذي يتطلب حمرة النبيذ.

٢-

كان الليل هناك أطول من النهار، كعادة الوقت في العالم. تعودت على السهر بشكل دائم. و في ذلك الشتاء انجزت النصوص التي رافقتها مع الصور الجميلة التي حققتها ابنتي “طفول”. في كتاب ( يوميات بيت هاينريش بول).

٣-

اول الأمر قلت : اقراء، مكتفيا بالاكتشاف.

طفقت أجد ما هو جدير بالفرح، اكتشف ما لا اعرف من العوالم المتخيلة. الروايات، عالم متخيل من آخرين، بعضهم اعرفه شخصياً، حتى انه عندما رفض جائزة دولته، نهايات القرن وبداية القرن، شعرت انه لم يخذلني. هذا عالم جدير بالاكتشاف.

٤-

بعد ذلك، والتفتُ الى الغيرة في الشخص، قلت: هذا لا يكفي، عرفتُ الطريق نحو الكشف. نزعت الى الكتابة، وتمنيتها.

طفقت اكتب، وحولي ما لذ وطاب من الجبن والنبيذ. مزّات المشرق وأشربة الغرب من كل نوع. عتيقٌ ويتعتق مع الوقت.

فيما اكتب، بدأت في اقتناء أدم الأنبذة.

٥-

بعد أن حصلا على التقاعد، كانت العائلة وقعت في عشق الريف الالماني، وتيسرت لابنتي وزوجها فرصة العثور على بيت قديم في ريف (برلين). بقرية بعيدة اسمها (هوهندورف) بمدينة "غولزن" وبعد قليل من الترميم صار صالحاً للسكن بشكل مريح.

ورافقنا انتقالهم للسكن في بيت الريف الالماني. واكتمل الحلم بعد ان خرجت حفيدتي من المرحلة الثانوية في البحرين، الى المرحلة الجامعية فالتحقت لجامعة (شتوتغارت) بألمانيا. لتدرس تاريخ الفن.

٦-

وبدأت اكتب هناك، حيث الريف والغابات.

وشعرت أن للمكان تأثيراً لا يستهان به، وإذا بابنتي وزوجها يبادران باعداد غرفة خاصة لي، شيء يجعل عزلتي اكثر خصوصية وهدوءاً. فصار النبيذ رفيقاً يؤثث الغرفة والعزلة.

في تلك الغرفة صارت الكتابة في الغابة أفقاً نوعياً، من شأنه أن يضيف الى عزلتي تحولاً عميقاً.

٧-

ربما تعلمتُ في هذه التجربة الفرق بين الكتابة في بحرين أزرقين، والكتابة في غابة وريف أخضرين. ليس ثمة لون بريء في الكتابة. كل الالوان اتصل بنا ونتصل بها.

ففي اللون روح شفيف من التعبير عن الذات. لذا احب أن أرى في الطبيعة ما يجعل الكتابة تحولات روحية في النص. ففي هذه الطبيعة تحولات الفروق الروحانية في أشكال التعبير وامكانياتها.

٨-

بين عادات الكتابة وبيني ما يمنح الحلم شهوة النص، حيث أكتب ما أحب، بالشكل الذي أحب. بيننا روحٌ يتنفس من هواء الكتابة كلاماً حميماً، يهمس للقلب كلمات الحب. بيننا الوعي المتصاعد مثل رحيق في الازهار، بيننا عبّاد الشمس وهو يؤدي صلاته المباركة مثلما كان يفعل الأولون لشمس النهار. بيننا نبيذ الغابات والاقداح عطشى لما تحلم به الكتابة والحلم.

٩-

يبقى ان الليل الاطول من النهار، ليس في الطبيعة وحسب، ولكن في حياة المجتمع، لا يزال يوهمنا انه الاطول،

يبقى اننا صرنا نكتشف كيف ان الطبيعة كانت تستدرج الكتابة، وتجعل الابجدية تستضيق على الكتابة، وتطلق الكلام في الحياة.

يبقى أن بيننا وبين النص حياة تولد. حياة تمتزج فيها الطبيعة بالانسان بطريقة فعالة وحيوية، بحيث يظهر لنا اللون وهو سيد الطبيعة، فالغابة اصبحت قادرة على اقناع البرتقال بالاخضر.

١٠-

أما عادة الكتابة في الظلام، فتلك حكاية ا خرى.

119 views0 comments

Recent Posts

See All
bottom of page