top of page

بكاء الأطلال العابر للأزمان




نُذْهلُ حين نقرأُ أدبَنا العربيَّ الجاهليَّ، تأسرُنا تقاليدهم الشعريّة التي ابتكروها، وخصوصًا مقدماتُهم الطلليّة، التي استهلوا بها مقطوعاتِهم القصيرةَ في الأغلب، وساروا على نهجِها في مطلعِ قصائدِهم المطوّلةِ، ومعلّقاتِهم النفيسةِ التي فُتِن بها العربُ قرونًا، وقضينا فيها ساعاتٍ وأيامًا نحفظُ ما أُلْزِمنا باستذكارِه غيبًا في جامعاتِنا ومدارسِنا.

جاء السابعُ من تشرين، وأَجْدبتِ الأرضُ، وحلّتْ عليها مصيبةُ الموت، وغزَتْها قوى الإرهابِ، فزُلْزِل الجدارُ، وقُتِلَ الثّوار، وفُجِعت بفارسها نزارُ.

وأبى الفلسطينيُّ في غزةَ -صاحبُ البلادِ، وشاعرُ الأُمّة، وفارسُ القبيلةِ، وحارسُ الأسوار- إلا أن ينتصرَ بفكرتِه العظيمةِ في معركةِ البطولةِ، وميدانِ التضحيةِ، ويخوضَ بعاطفتِه الجيّاشةَ غِمارَ الشِّعرِ والنثر، متحررًا من قيودِ الخَليلِ التي كبّلت الشعراءَ بالوزنِ والقافية، كاسرًا أنماطَ البناءِ الشعري؛ واصفًا الأحداث بديهةً وارتجالًا، دون إجالةِ فكرٍ، أو تنمّقٍ في الأسلوب، أو تكلُّفٍ في السرد، أو تزيينٍ للكلام.

وهل غيرُ الأدبِ يستطيعُ أن يجلوَ الحقيقةَ، ويسردَ الأحداث للتاريخ، ويصوِّرَ الحياةَ في أبدعِ تصوير؟ 

وهل يمكنُ للرابضِ تحت أزيزِ الرصاصِ، والمرابطِ فوق الركام، والمواجهِ لسيلِ القذائفِ أن يُزَوّرَ التاريخَ، أو أن يعيدَ النظرَ في الكلماتِ، أو أن يتكلّفَ الخطابَ، أو أن ينقّحَ الألفاظ، أو أن يهذبَ العبارات؟

بعد جلاءِ القوات، وتراجعِ الغزاة، نعيشُ الشعرِ تجربةً، ونبكي الديارَ حقيقةً لا مجازًا، ونحكي الفقدَ طبْعًا لا صنعةً، نستفقدُ الجيرانَ الذين تولوا دونَ وداعٍ، نقفُ على الدِّمَنِ والآثار، نردّ تحيةَ الصباح على الحطام، نستوقفُ المارينَ، ونبكي ما حلّ بأحبابِنا الشهداء الراحلين، والنازحينَ الظاعنين إلى خيامٍ في الجنوب، نستبكي، ونُبكي حجارةَ البيوت التي اندثَرَت، ونذكرُ أيامَنا وعهودَنا ومنازلنا، ونتوجّعُ ألمًا من إصابة أو بترٍ، ونستوجعُ كلّ حرّ، ويصرخ الناجونَ اليائسونَ ببقيةٍ من حرارة الروح؛ علهم يجدونَ سامعًا أو ملبيًا، أو منجدًا لملهوفٍ، أو مغيثًا لمستغيثٍ.

 

لا يبكي جزعًا -مهما طالتِ الإبادة- ولا يخافُ الحتوفَ، ولا يرتعدُ من المَنايا، فقد أدركَ حقيقةَ الموتِ الذي يكدّرُ صَفوَ الحياةِ، ويقطعُ أُنْسَها، ويفرّق الخلّانَ، ويهدمُ الملذّات...

الموتُ الذي يجري في النّفسِ مجرى الشمس في السماء، فمضى إلى المماتِ غير آبهٍ، يصنعُ من قبره بيتًا.

يرقبُ الخرابَ والبِلى، ويحسدُ حجارةَ البيوتِ المهدّمة، لو أن الفتى حَجرٌ، ما ضرّه وَقْعُ الركّام عليه، لكنّه لحمٌ ودم، وقدرٌ نافدٌ غالبٌ لا مهربَ منه، ولا اعتراضَ عليه.

عبَثًا يجرّبُ أن يبعثَ الحياةَ في الركام، أن يستعيدَ ماضيًا جميلًا فارقَه على حين خلسةٍ من الدهر، وأن يدّقَ جدارَ الذاكرةِ، متمنّيًا عودةَ الأيامِ الخوالي، والرجوعَ إلى البلادِ التي لم يفارقْها إلّا مكرهًا.

يستصرخُ العالمَ من حولِه فلا يجدُ غيرَ صحبٍ يواسونَه بدعوةٍ صفيقةٍ إلى التجلُّد والتصبُّر!

لا يتوقَّفُ عن البكاءِ بكل ما أوتي من عزّة نفسه، البكاءُ وسيلتُهُ المتاحةُ للتنفيسِ والتعبيرِ، لا يستجدي به أحدًا، ولا يفرضُ ذاتَه على الناسِ، البكاءُ غايتُه التي يبْتغي بها استدعاءَ الانتباهِ الدَّوليّ والعربيِّ، علّه يوقفُ آلةَ الدمار، ويجلبُ الإعمار، ويرجعُ النازحينَ إلى الدِّيار.

 

 

 

 

*الدكتورة هيا فريج باحثة فلسطينية من غزة

 

23 views0 comments

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
bottom of page