top of page

تحديقة المتفرج






كتابة : نادين ماي

ما هي السينما؟

أحتاج أن أطرح السؤال الذي طرحه أندريه بازان من قبل: ما هي السينما؟

في أحوال كثيرة، هي توصف بلغة الحركة. هذا ربما الشيء الوحيد الذي يُظهر اختلاف السينما عن التصوير الفوتوغرافي. يقال السينما حركة، إنها صور متحركة. لكن ما هو المسرح؟ ما هي المسرحية؟ أنا متأكدة أن هناك استثناءات، لكنني مقتنعة أن المسرح حركة أيضاً. المشاهد تتغيّر. الممثلون قد يبدلون أزياءهم. وهناك حوار، وأجساد تتحرك، وجمهور يتحرك. خصوصاً في الوقت الحاضر، التخم بين السينما والمسرح يكون مائعاً حين تعرض صالات السينما المسرحيات، والذي يعني أن هناك على الأقل كاميرا واحدة حاضرة أثناء العرض.

هناك أيضاً وصف شهير للسينما على أساس أنها "رسم بالضوء". منذ فترة طويلة وأنا أقارن الأفلام البطيئة بالرسم. في السينما البطيئة الكلاسيكية، الكاميرا ساكنة، وهناك القليل من الحركة في المشهد، وأحياناً تكون الحركة معدومة. بصرف النظر عن تلك الحركات الطفيفة، ليس ثمة أي اختلاف بين الرسم، التصوير الفوتوغرافي، والفيلم البطئ. هذا هو السبب الذي يجعلني أعتقد أن العديد من الأفلام البطيئة ينبغي أن تُعرض في المتاحف والمعارض الفنية بدلاً من الصالات السينمائية. موقع العرض يقرّر التوقعات، والصالة السينمائية تطلق التوقعات الخاطئة بحيث يصاب المتفرج بالخيبة والإحباط. المتفرج نفسه يواجه معضلات أقل وهو جالس في الجاليري يشاهد فيلماً بطيئاً، وذلك ببساطة لأن الموقع يطلق توقعات مختلفة. السكونية والبطء من الأمور المقبولة تماماً في المعارض الفنية، وأيضاً في المسرح.

من بعض النواحي، الرسم والتصوير الفوتوغرافي والسينما ليست الأشكال الفنية الثلاثة الوحيدة حيث التخوم تكون ضبابية وغير واضحة.

السؤال الأكبر كان: ما هي السينما؟. شخصياً أرتاب في مفهوم أن السينما حركة، مصوّرة أو مسجلة بكاميرا فيديو. السينما ليست مشهداً مسجلاً مع ممثلين وممثلات، والمشهد يتغيّر. وهي ليست "رسماً بالضوء". إني أتساءل عما إذا لم يحن الوقت لإعادة التفكير في تعريفاتنا للأشكال الفنية التي نظن أننا نقّاد لها. أو، ربما، أن كل هذه الأشكال الفنية ما هي إلا شكلاً واحداً. إنه الفن، لذا فهل التمييز بين الأشكال، إن وُجد أي اختلاف أو فارق، مسألة مهمة وضرورية؟



المشاهدة السينمائية

الشيء الذي كان يأسرني دائماً هو طبيعة المشاهدة السينمائية في ما يتعلق بالسينما البطيئة. في حين أن المشاهدة السينمائية كموضوع لم تكن غائبة تماماً من مجال البحث، إلا أن الموضوع لم ينل ما يستحقه من النقاش والتحليل.

معضلة المشاهدة تكمن في أن المتفرجين كتلة مجهولة، غير محدودة، غير قابلة للتعيين أو التعريف. من الصعب دراسة هذه الكتلة، لكن من السهل التعميم. كل متفرج يختلف عن المتفرج الآخر. نحن جميعاً أفراد مستقلون، وإدراكنا الحسّي لأفلام معيّنة تشكّله الطريقة التي بها ننمو ونكبر، المكان الذي ولدنا فيه، تجاربنا الحياتية، وحتى دائرتنا الاجتماعية. المشاهدة متعدّدة الأوجه، وهذا ما يجعلها آسرة جداً. إنه ليس شيئاً يمكن تحديده بسهولة. وأيضاً لم يتم تناول هذه المسألة والكتابة عنها بوضوح تام.

الفنانة كاترينا توماداكي حققت أفلاماً تجريبية، غير سردية، أسّست وصاغت مفهوم "السينما الجسدية" منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي. نفاذ بصيرتها في صنع تلك الأفلام، وتكريس وقتها لدراسة الجمهور، من الأمور المثيرة للاهتمام. من المهم ملاحظة إشارتها إلى أنها ممارسة شائعة ذلك الافتراض أن المتفرج مكيّف سلفاً. لقد تعلّمنا "كيف" نشاهد الفيلم. كما أننا نتطلع إلى صفات مميزة، مثل زوايا الكاميرا، تغيّرات في الألوان، وغيرها من أجل تأويل الفيلم. كاترينا تنظر إلى هذا بوصفه "تعلّماً شفرياً" و"توقعات مشروطة". هذا التشفير، هذا التكييف، هو ما يقود متفرجين معينين لرفض مشاهدة أفلام معينة.

لكن حالة التكيّف هذه ليست نهائية، كما تبدو أحياناً. كاترينا تتحدث عن "مرونة المتفرج"، وتقول أنها عندما تتحاور مع الجمهور بعد عرض أفلامها، تكفي بضع جمل لكي يشاهد بعض المتفرجين الأفلام على نحو مختلف، والأكثر أهمية، الانفتاح على ما يشاهدونه. هذه نقطة مهمة لابد من أخذها بعين الاعتبار، أثناء مناقشة طبيعة المشاهدة السينمائية، لكن تنبغي الإشارة إلى أن هذه المرونة ليست هي القاعدة بالضرورة. في رأيي، المرونة لا تصبح نافذة المفعول إلا إذا توفرت الإرادة والرغبة من جانب المتفرج. إذا كنت راغباً في تغيير رأيك بشأن شيء ما، فإنك تسير في هذا الاتجاه، وتنفتح، وتنظر إلى أين قد يأخذك هذا الاتجاه. العديد من المتفرجين يفضلّون السير عبر الدروب التي سلكوها سابقاً. وهذا بالضبط ما تعارضه الأفلام التجريبية والأفلام الفنية غير الرائجة.

عندما يتعلق الأمر بالأفلام التجريبية، كما تقول كاترينا، لا ينبغي للمرء أن يتحدث عن إدارة أو توجيه المتفرج، وهذا ما يحاول الكثير من المخرجين فعله، خصوصاً في الدوائر الهوليوودية. إن ما هو حريّ بأن تفعله الأفلام التجريبية، وهذا أيضاً يشمل السينما البطيئة، هو أن تربك المتفرج، تُفقده حس المكان والزمان، وتحرفه عن الطريق المألوف. هذا ما ينبغي أن يكون غاية صانع الفيلم، وليس إدارة وتوجيه جمهوره. على المخرج أن يحرّر الطاقات الكامنة في المتفرج.

المتفرج يتخذ موقفاً عدائياً من الأفلام البطيئة لأنه يعتبر هذه الأفلام غير خاضعة للمقاييس والمعايير المتعارف عليها. لو كانت الأفلام البطيئة خاضعة لتلك القواعد، وتعوّدنا عليها منذ الصغر وكبرنا معها، لما عارضها أحد. ما نحب وما نكره يتوقف على ما تعلّمناه وتربّينا عليه. طالما أن أحداً لا يشرح، أو يوضّح، للناس أن الأفلام البطيئة (أو الأفلام التجريبية) هي جيدة وسليمة، فإن الغالبية سوف ترفضها. إنها مسؤولية تقع على عاتق المعاهد والمدارس والجامعات. كاترينا توضح أن العداء الموجّه لنوع معيّن من الأفلام هو الخطوة الأولى للتسليم بأن ثمة شيئاً ذا شأن، وجديراً بالاهتمام، يوجد في تلك الأفلام، وعلينا أن نكشفه للجمهور. لكن ينبغي أن تتوفر للمتفرج حرية خلاقة. بهذه الوسيلة، لا يعود المتفرج مجرد مستهلك، ومستهدَف من قِبل شركات الإنتاج.





"المتفرج التجريبي" يصبح غير مكيّف، غير مبرمج، فاقداً لحس المكان والزمان. إنها الخطوة الأولى نحو المشاهدة المتحرّرة، ضرب من المشاهدة التي تتيح للمرء بأن يرى حقاً، أن يصبح واعياً لسلطته كمتفرج. إني آمل أن يتغيّر شيئ في الجمهور العام بشأن الطريقة التي ننظر بها إلى تلك الأفلام.

إنهم يرون في البطء السينمائي حالة تثير الضجر. مع أن الأفلام البطيئة ليست هي الوحيدة التي تعتبر مملة. والفيلم، كشكل فني، ليس هو الشكل الفني الوحيد الذي يقاوم تلك الفكرة. الأمر كان كذلك على الدوام، جزئياً بسبب طريقة تعليمنا كيف نتلقى الفيلم أو الفن. إنه محيطنا الذي يحدّد القيمة الفنية. الأيديولوجيا السياسية، التربية والتعليم، المتاحف. كلها لها حصة أو دور في الطريقة التي ننظر بها إلى الفن، وما نعتبره "فناً جيداً" أو "فناً رفيعاً"، وما ينبغي نبذه بوصفه نتاجاً تافهاً أو بالياً.

اعتقد أن رفض الكثيرين للسينما البطيئة ناشيء من حقيقة أن أحداً لم يعلّمهم القيمة الكامنة لهذه الأفلام. كما أشرنا، هذه الأفلام لا تتمتع بشيء بارز، إنها تعرض الحياة العادية.. وربما لهذا السبب يرفض البعض أن يمنح تلك الأفلام القيمة والأهمية التي تستحقها لجعلنا مدركين وواعي