top of page

تشيخوف لاكسكاد : جنون ينحت الهواء


بعد مرور عامين على تقديمه ثلاثية تشيخوف ( ايفانوف ، النورس ، الشقيقات الثلاث )

يعود المخرج الفرنسي ايريك لاكسكاد الى أفينيون .. الى هذا المكان الاسطوري المكرس للمسرح .

ففي باحة الشرف بقصر الباباوات افتتح لاكسكاد مهرجان افينيون السادس والخمسين بمسرحية " بلاتونوف " للكاتب الروسي انطوان تشيخوف ، والتي يقول عنها المخرج :

"بلاتونوف " آهة انتزعت من شباب تشيخوف ، لم تنشر في حياته ، بلاتونوف مقتلع من أعماق ارواحنا و عاد الى العدم . انه مختلق من قبلنا ، كان لابد من وجوده . انه هنا مثل ثقب اسود في غرائزنا السرية . لكن لايوجد سر لبلاتونوف ! فهو يعيش دون الخضوع لقانون ، دون حدود ، وبغير خجل . "

لدى تشيخوف كما في الفضاء ، للظواهر الجوية تأثير قوي على الأفراد . هناك عاصفة على وشك الهبوب ، القمر الذي يظهر ، الجليد الذي يحجز . مدينة تشتعل . و كما في (حلم ليلة صيف ) ـ يحب الافراد ذواتهم تحت سطوة ليل لا يتوقفون عن ملاحظة تأثيره القلق ـ واصفين هذه الليلة المتفردة ، وفي طليعتهم بلاتونوف بـ (الليلة الملعونة ) التي لن يخرج منها احد معافى .

يبني تشيخوف حالة : هنا تصحو الرغبات ، نزهات سريعة على ظهور الخيل .

وفي الفوضى القائمة بين الحوادث والمؤامرات الدنيئة ينفلت تشبيه بلاتونوف بهاملت .

حيث ان تشيخوف شغوف بهذه المسرحية الرائعة ، وسوف يتناولها في غالب الأحيان هنا او هناك . و لا يمكننا التغاضي عن " النورس " التي تبدأ تحت تأثير "هاملت" أيضا .

هناك شكسبير في ايفانوف ولكن عبر السخرية التشيخوفية .



وفي حديث للمخرج عن تشيخوف قبيل افتتاح المهرجان قال :

ـ قدمت تشيخوف أربع مرات متتالية . اكتشفت تشيخوف وخاصة "ايفانوف " في لحظة من عمري . قلب حياتي . كنت احس ان المؤلف فهم كل شيء عن الحياة العاطفية وكل مايخصها .

وهذه أمور احب تناولها مسرحيا . وجدت لدى تشيخوف شخصيات قريبة من حياتي اليومية ،

أناس قد اذهب معهم لشرب القهوة أو تبادل أسرار الليل . تشيخوف يهمس لي . وهذا يمسني في الصميم .

من هو "بلاتونوف " ؟ انه صبي ساحة الابداع الاقوى ، الاجمل ، المراهق المدهش ، الثائر ، الشاعر ، عدو التقاليد ، ساحر النساء والرجال . المناضل السياسي ذو العشرين ربيعا .

الذي يتحدث افضل من الآخرين ، والذي قد ينفجر عنفه في اية لحظة . ثم هو رجل في الثلاثين نديم جميع الاحتفالات ، جذاب ، مزاجي قليلا . وفي ذات الوقت هو ثقب اسود ، يطبع فيه الناس غرائزهم ، غامض . هو رجل يدرك انه سيموت خلال ثلاثة اسابيع ، فعند اقتراب الموت نعرف ذلك ونحسه .

بلاتونوف خطر على النساء ، يجذبهن اليه رغم علمهن بالمعاناة التي سيجرها ذلك عليهن . يحدوهن الامل في جعله رجلا ، وهذه فكرة خاطئة ، لأن بلاتونوف لا يمكن تغييره ، محب للحب لكنه لا يستطيع وضع خطط للزواج . كائن صادق تماما في لحظة وجوده هنا ، وبامكانه نسيانك خلال يومين .

" بلاتونوف " ايضا مسرحية تدور حول غياب التواصل : أب غائب ، ابن فاشل ،آباء غائبون ، وآخرون جبناء ، تاركين ابناءهم دون سمة ، يفتقدون النضج والمثال الرجولي ، في بعض الأحيان يتحول الابن الى اب مثل "جلاغولييف" في النص الايطالي للمسرحية هناك منولوج بحجم صفحة واحدة يروي بلاتونوف من خلاله موت والده . وقد حذف من الترجمات الفرنسية الخمس ، التي تعتبر مرجعنا ، بمعنى ان هذا النص اقتبس واعيد اقتباسه وتنقيحه ، وبفضل احدى ممثلاتي وهي ايطالية استطعت استعادة هذا الجزء الرائع . بلاتونوف شخصية موغلة في عرقلتها للسائد في الحياة . ففي لحظة يسأله احدهم : ما الذي يمنعك من الحياة ؟ يرد عليه : " لا يوجد ما يمنع ذلك ، انا مثل صخرة على الدرب ، الصخرة لا يمنعها شيء ، انها هي المانع "



ويستطرد المخرج في حديثه عن أسلوب العملية الاخراجية لديه :

غالبا ما اعمل مع نفس المجموعة من الممثلين ، فبعضهم أمضى زمنا طويلا في تعاونهم .

تسود بيننا ثقة ورغبة وأماني متبادلة . نتقاسم القناعات واسلوب العمل المسرحي . كما يتقاسمون معي الرغبة في المغامرة . ويشغفون بادوارهم في تشيخوف .

هذا الشغف دفع خمسة عشر ممثلا الى الوقوف ولأول مرة في فضاء باحة الشرف في قصر الباباوات لتقديم عرض مدته خمس ساعات متواصلة . هذا الفضاء المعاكس كما يقول المخرج

تطلب ابداعا سينوغرافيا لمواجهته ، فهو ليس مسرحا عاديا ذي فضاء مغلق ، بل هو فضاء خارجي عدواني غير ملائم للمسرحة ، فهناك مشاكل الصوت وغيرها . وحتى الساحة ذاتها تشكل ديكورا يجب اخذه بعين الاعتبار . لهذا فكرت في تعاقب الاداء للمكان ، في المكان ، للمكان ومع المكان . ولم انفصل ابدا عن المكان . وراهنت على هذا الفضاء ، قبلت مرغما بالاقواس الثلاثة ونوافذ الواجهة المحفورة في القرون الوسطى في حائط قصر الباباوات المطلة على باحة الشرف بحيث تتحول وبفضل سينوغرافيا فيليب ماريوج الى نوافذ منزل آنا بتروفنا . لقد عملنا على تحطيم وهم الضخامة وتأسيس حيادية لفضاء تعاد فيه صياغة الاحداث برؤية جديدة . ومن هنا رأيت ضرورة التدريب المسبق للعرض في فضاء مشابه . ففي ايطاليا ولمدة ثلاثة اسابيع وفي فضاء محدد بساعات التدريب المخصصة لساحة قصر الباباوات ، حيث كانت تبدأ تدريباتنا في العاشرة مساء لنتوقف في الخامسة صباحا . ننام في السابعة ، ونستيقظ في الثانية بعد الظهر . كنا نعمل بالايقاع البيولوجي لأفينيون .

كما عانينا من الـ "ميسترال " هذه الرياح المصاحبة لأطنان من مياه الامطار ، رياح عاتية اصابتنا بالجنون ، اضافة الى الحر الشديد .. لقد اجتزنا هذه التجربة ، حيث كان الممثلون يؤدون ادوارهم في الثالثة فجرا ، تحت المطر الغزير والرياح العاتية ، تحاول تصحيح مشهد ما

بينما الممثلون مصابون بالجنون يصرخون مثل الكلاب . انها مغامرة لم يسبق لنا معايشتها من قبل .

الخط المائل شكل قوي لانه يقطع الخشبة وهوقاطع بالنسبة للجمهور ، فهو يأتي من عمق الكواليس . احب دائما بناء اشكال هندسية في الفضاء المسرحي ، و الاحساس بالفضاء الفارغ الذي يجب ان لا يملأ بل ينحت . نعم أن ننحت في الهواء وليس ان نكبحه .