top of page

ثمانية ونصف..حيث يتّحد الماضي والحاضر

فيديريكو فلـّـيني ‏ مخرج أفلام إيطالي

عنوان فيلم فدريكو فلليني "ثمانية ونصف" (1963) غريب ومربك، وهو يشير إلى مجموع الأفلام التي سبق أن أخرجها حتى ذلك الحين، والنصف يعود إلى فيلمه الأول الذي شارك في إخراجه مع ألبرتو لاتوادا. إن اختيار هذا العنوان يؤكد المظهر السيرذاتي ويعزّزه.

الفيلم، تحفة فلليني الفنية، يحتل المراتب الأولى أو المتقدمة في أي استفتاء لاختيار أعظم الأفلام في تاريخ السينما. وهو من أكثر الأفلام تأثيراً في سنوات الستينيات، فقد ساهم في تثوير اللغة السينمائية، وتحرير صانعي الأفلام من تقاليد وقواعد الزمن والمكان، وأشكال التعبير التي سادت في السينما لعقود. وهو يُعد من المعالم المبكرة في اتجاه ما بعد الحداثة. إنه الفيلم الذي شكّل نقطة تحوّل إبداعية في مسيرة فلليني السينمائية. كما أنه من أكثر أفلامه تحرراً من استبدادية السرد.

قبل هذه التجربة المبهرة، في الخمسينيات، كانت أفلامه تروي قصصاً حسب تقاليد الواقعية الجديدة، لكن ذلك لم يكن دافعه الباطني الحقيقي: أن يروي قصصاً فحسب.



في فيلمه السابق "الحياة الحلوة" La Dolce Vita (1960)، ابتدأ انفصال فلليني عن تقاليد الواقعية. الحبكة المتعرجة للفيلم منحته بنيةً وإطاراً أكثر ملاءمة لتشكيلة الصور والشخصيات والعناصر الأخرى. بعد النجاح الكبير الذي حقّقه الفيلم على الصعيدين النقدي والجماهيري، شعر فلليني بالحاجة لتوجيه تحديقته نحو ذاته وليس بيئته ومحيطه، للتعبير عن عالمه الخاص والحميمي، عن حياته في تلك الفترة، لكنه لم يحدّد أي شكل وأي محتوى.

كان عاقد العزم على التحرّر من تخوم الواقعية الجديدة، وتوكيد رؤيته الخاصة. ومع فيلمه "ثمانية ونصف"، اكتمل التحرّر. وبه أعلن رفضه للقيود النقدية التي تكبّل الفنان، وتحتجزه في موضع ثابت لا ينبغي أن يحيد عنه. هنا نجد الخاصيات السينمائية الجوهرية منظمة في حرية بالغة، وفقاً لمنطق السينما وليس استجابةً لمتطلبات السرد.

في موضع معيّن من مسيرته، خشى فلليني من بلوغ مرحلة يكرّر فيها نفسه، حيث يجفّ نبع الإبداع، ويختفي الإلهام، ويشعر بعقم التجربة. مثل هذه الحالة سبّبت له الرعب، وصارت ضرباً من الهاجس.

هذه الحالة، أو الأزمة أو المعاناة، أصبحت هي ثيمة الفيلم. لقد جعل من تحدّي صنع فيلمٍ موضوعاً لفيلمه. أراد أن يصوّر مظاهر مختلفة من حياة رجل يشعر بأنه صار عاجزاً عن خلق أي شيء، وأن الخواء الذي يحيط به، يخنقه.

بدأ العمل مع الفريق ذاته من كتّاب السيناريو الذين اعتاد العمل معهم: توليو بنيللي، إنيو فلايانو، برونيلو روندي.

منح شخصيته الرئيسية اسم جويدو، واختار مارسيلو ماستروياني لتأدية دور المخرج السينمائي الواقع بين الطفولة والبلوغ، العاجز عن منح فيلمه ثيمة قابلة للتفسير، أو حبكة في شكل قابل للتحديد.



يبدأ الفيلم باستيقاظ جويدو، واقعياً ومجازياً. إنه يصحو من حلم فيه رأى نفسه يقود سيارته في شارع مزدحم. السيارة تعْلق في اختناق مروري. هو محاصر داخل سيارته التي لا يستطيع الخروج منها. الناس يحدّقون إليه. البخار يتسلل إلى داخل سيارته. يجاهد لكي يخرج، لكي يهرب، لكن دون جدوى. صار أسيراً، سجيناً. المحيطون به لا يبدون أي تعاطف أو مبالاة تجاهه.

فجأة يتحوّل المشهد إلى حالة سوريالية حيث نرى جويدو يخرج أخيراً من السيارة، يرتفع سابحاً في الهواء كما لو صار في خفة الريشة. يستمر في الارتفاع محلّقاً في الفضاء، طافياً، لكنه يجد نفسه مقيّداً بحبل، مشدوداً إلى الأرض، إلى الواقع الذي لا يستطيع التحرر منه. في الأسفل، ثمة من يمسك بعنان الحبل المربوط بقدميّ جويدو الطائر. يشدّ الحبل فيهوي.. عندئذ يصحو جويدو من حلمه/ كابوسه.


الملاحظ أن جويدو، من بداية الفيلم وحتى نهايته، يحاول الهروب من العلاقات المقيّدة، من روابط المجتمع، الكنيسة، الدولة، ومن قيود الأرض نفسها.

بعد ذلك نجده في غرفته بالمنتجع الصحي، حيث يأمل أن يتعافى من الإعاقة الذهنية التي يعاني منها، ومن تعطّل طاقة الإبداع لديه، مؤجلاً تصوير فيلمه الجديد عن نهاية العالم بعد الحرب العالمية الثالثة، ومحاولة الناجين السفر إلى كوكب آخر.

أثناء ذلك هو يتظاهر بأن كل شيء على ما يرام، وأن الفيلم سوف يُنجز، خادعاً بذلك منتجه ومساعديه والممثلين، إضافة إلى الصحفيين. كما يخدع زوجته وعشيقته.

جويدو مخرج سينمائي ناجح ومشهور، يلتزم – وفق عقد موقّع مع المنتج - بتنفيذ فيلم جديد طموح لكنه عاجز عن تصوّره.



كل شيء جاهز ومهيأ: الممثلون، الديكورات، الفنيون، لكنه الوحيد غير المستعد. إنه يعاني من جدب أو عقم في الأفكار، ويعجز عن استلهام أي فكرة. بينما كل المحيطين به ينتظرون منه أن يبادر باتخاذ قرار حاسم، بالبدء في مشروعه، لكنه غير متأكد تماماً مما ينبغي فعله. إنه يشعر بالخواء والانطفاء. لذلك هو يماطل ويسوّف ويكذب ويخدع، في محاولة يائسة لكسب الوقت، والتخلص من المأزق الذي يواجهه، معتقداً أنه إذا استطاع أن يؤجل الأشياء لفترة كافية فإن الوحي سوف يعود إليه ويلهمه، وسوف يجد الأجوبة والحلول. لكنه فقدَ قدراته على التحكم في واقعه، وجُرّد من سلطاته المفترضة، لذلك هو يقف أحياناً متفرجاً على ما يحدث، لا خالقاً لما يحدث. هو الآن يفتقر إلى الأجوبة، ليس لديه ما يقوله للصحفي الذي يلاحقه، ولا للعاملين والفنيين. في الواقع هو نادراً ما يقول شيئاً ذا قيمة أو أهمية لأي شخص. وعندما يتكلم فإنه يلفّق، يختلق، ويكذب على الجميع.

العالم الخارجي يستنزفه، علاقاته المتعددة، المشوشة، المتوترة بزوجته لويزا (أنوك إيميه) المخلصة، المحبطة، المخدوعة، وعشيقته كارلا (ساندرا ميلو) التي تصل وتقيم في الفندق القريب من المنتجع.. هذه العلاقات القائمة على الخداع تنهكه. أيضاً تعدّد وتشظي هوياته تربكه وتفضي إلى فقدانه للذاتية المميزة.

إنه يحاول في يأس التخلص من هواجسه ووساوسه وشكوكه لكن يجد صعوبة في التوصل إلى يقين، إلى حلول تريحه. وفلليني يجعلنا نشعر بإحساس جويدو بالعجز والخيبة والإحباط، ولا يتجنب عرض الجانب السلبي، الأناني، عند هذا المنغمس في ذاته، مطلقاً العنان لأهوائه ورغباته، والذي يعبّر عن شكوكه وحيرته إزاء مسائل دينية، متخذاً موقفاً متناقضاً أو مزدوجاً من الكنيسة، ويطلب النصيحة من الكاردينال، في الحمّام البخاري، فلا يسمع منه غير إجابة مبهمة عن السعادة التي لا يمكن العثور عليها في هذا العالم، والذي يعلن في ما بعد أن أحداً سوف لن ينجو، مردّداً أن لا خلاص خارج الكنيسة. إن موقف جويدو من الكنيسة نجده في التقائه الكاردينال - للمرة الأولى – في مصعد الفندق حيث تتعاقب الظلمة والضوء مع كل صعود للمصعد عبر كل طابق، والذي يعبّر، هذا التعاقب، عن حيرة وتردد جويدو في مسألة الإيمان. كذلك نجده في تحفّظ الكنيسة على نص جويدو الذي "يمزج الحب المقدّس والحب المدنّس بحريّة تامة".



كذلك نلاحظ تشوّشه وعدم فهمه للمرأة، التي يريدها أن تكون زوجةً وعشيقةً وأماً وقدّيسةً ومومساً في كيان واحد، في آن واحد، لكنه بالطبع لا يجدها.

جويدو لم يتعلّم كيف يحب. علاقته بالمرأة معقّدة. لقد تعرّض للتدليل منذ صغره من قِبل نساء العائلة. ورجال الدين أرغموه على رؤية المرأة كإغواء شيطاني. وعندما أضحى مخرجاً مشهوراً، تهافتت النساء للحصول على أدوار.

في مخلوقته كلوديا (كلوديا كاردينالي)، التي يستحضرها في أحلام يقظته، يرى صورة للكمال، للجمال الصافي، للبراءة النقية، للجاذبية المطلقة. المرأة المثالية التي تمثّل العالم المتخيّل الكائن وراء فوضى الحياة وابتذال الواقع، أو تمثّل النقاوة والطهارة والنظام. هي من تجمّل وتكمل عالمه المعقّد والناقص. في حضورها يشعر بالراحة والطمأنينة، ولديها يجد كل الحلول لمعضلاته. لكنها تظل محض صورة خلقها من عجين الحلم والمخيلة. وقرب النهاية، عندما يرى كلوديا الحقيقية، الممثلة، فإنها لا تعود مثالاً للكمال كما كان يتخيّلها. إنها حقيقية أكثر مما ينبغي، ناقصة، فارغة، تافهة. ليست المرأة المثالية.

إن جويدو يتوق إلى فن يكون قادراً فعلاً على "مساعدتنا في دفن كل الأشياء الميتة الموجودة في دواخلنا". غير أنه يتعرّض للمقاطعة والإزعاج، طوال الوقت، من قِبل أشخاص يعترضون طريقه ليطرحوا عليه العديد من الأسئلة التي لا نهاية لها. ولا يدعون له مجالاً للراحة، للاسترخاء، للتأمل. والكاميرا تلاحقه أو تركز بؤرتها على من يلفت انتباهه.

المنتجون لا يخفون ضيقهم وانزعاجهم، وخشيتهم على أموالهم. يحتاجون إلى المزيد من المعلومات عن الفيلم. وهم يريدون فيلماً ناجحاً، لكن صبرهم يكاد ينفد. الفنيون والمصممون يحتاجون إلى مخططات واضحة ودقيقة وليست مجرّدة. الممثلون يريدون معرفة الشخصيات التي من المفترض أن يؤدوها.

جويدو على نحو متكرر يجد نفسه عرضةً لهجمات يشنّها نقاد وصحفيون. النقاد يوبخونه لطيشه وعبثه الثقافي، والصحفيون يوجهون إليه أسئلة بلهاء عن الطلاق والقنبلة الذرية وتجنبه صنع أفلام عن العلاقات الغرامية.



كذلك يأتيه النقد من شريكه في كتابة السيناريو الذي يدرك أن القصة تتحوّل أكثر فأكثر لتكون عن حياة جويدو الشخصية. إنه يلومه على افتقار فيلمه للخاصيات الطليعية، وعلى سلبيته، وذكرياته المغمورة بالحنين إلى الماضي. بينما يدافع جويدو بالاختباء خلف تصريحات ماكرة ومخادعة.

في مرحلة متأخرة، يكتشف جويدو أنه أهمل زوجته، وتجاهل وجودها وحبها الحقيقي، هذا الاكتشاف يأتي بعد فوات الأوان، إذ تتركه زوجته بعد أن طفح بها الكيل، ولم تعد تحتمل خياناته.

لكي يتملّص جويدو من ضغوطات اللحظة، ويتحرّر من القلق والحيرة والوجع، ويفلت من الإحساس بأنه محاصر، وواقع في الشرك، وأنه سجين حياته ومهنته، فإنه يهرب إلى ذكريات الطفولة، وإلى التخيلات التي توفّر له شيئاً من الأمان المؤقت.

إنه يتّخذ من ذكريات الطفولة والأحلام مادةً له، جاعلاً ممثليه والطاقم الفني يستوطنون تخيّلاته. ويدع الشخصيات، من إناث وذكور، تنسل من لاوعيه لتحتل الشاشة. وفلليني بذلك يدمج عناصر ومستويات الواقع والحلم إلى حد يستعصي علينا تمييزهما والفصل بينهما، كما يصعب التمييز بين ماضي جويدو وحاضره. إنه يتأرجح بين الزمنين، بين الواقع والفنتازيا، إلى حد أن الحدود الفاصلة تصبح مضببة، غير واضحة.

يعود بذاكرته إلى أقاليم الماضي، إلى المنزل الريفي المغمور بالحب والدفء والأمان والطمأنينة، حيث اعتنت به ذات مرة امرأة عجوز عطوف ورحيمة.

يتذكر التحرّر من الأجواء الخانقة في فصول المدرسة الكاثوليكية، والهرب مع زملائه إلى الشاطئ، لمشاهدة المومس ذات الحضور الرهيب، بجسمها الضخم، التي يعتبرونها شيطانة، والتي تخرج من كوخها وترقص للأولاد المستمتعين بالأداء. لكن بسبب هذا الفعل، يتعرّض جويدو لعقاب قاسٍ وإذلال، يتبعه إحساس بالذنب، إذ حسب القساوسه، ما فعله يُعد خطيئة، وفعلاً فاحشاً. هكذا، كلما وجد جويدو نفسه في حضور رجل دين، تذكّر شيئاً مذلاً ومهيناً ومؤلماً في طفولته.

في هذه العودة إلى الطفولة، نلمس مدى صرامة التنشئة الكاثوليكية وتزمّتها، وكبت الرغبات، وقمع الفضول الطبيعي، وتكريس مشاعر الإثم والعار عندما يتعلّق الأمر بالجنس. المدرسة تفرض العقاب الجسدي والمعنوي، وتصعّد حالة الشعور بالذنب.



في مشهد الحريم الفنتازي، يسخر فلليني من شوفينية الرجل، من تخيلات الذكور الجنسية، والرغبة المتأصلة في امتلاك الحريم (الجواري). هنا يتخيّل جويدو نفسه محاطاً بالنساء اللواتي يعشن فقط لخدمته، إذ يتخيّل نفسه حاكماً في بيت تقطنه كل النساء اللواتي عرفهن في حياته، ومن بينهن زوجته وعشيقته. ما إن يدخل البيت أو القصر حتى تبادر كل النساء في استقباله، والترحيب به كملك، بل يتسابقن على إرضائه، وتوفير كل ما يحتاجه من استحمام وطعام وترفيه بالموسيقى والرقص.

أخيراً، في لحظة مكاشفة للذات، يتوصل جويدو إلى استنتاج موجع: أنه هو المسؤول عن تدمير ذاته. سلوكه المشين مع النساء، خيانته المستمرة لزوجته، غطرسته وأنانيته، افتقاره إلى الرؤية كفنان.. كل هذا ينبغي أن يتغيّر إن أراد إصلاح حاله. عليه أن يجد الأجوبة في داخله وليس عند الآخرين. عليه أن ينظر إلى انعكاسه الخاص، وأن يبحث عميقاً داخل ذاته.

يدرك أن رغبته في التحكم في الواقع هي المصدر الأساسي لقصوره، وأن مستقبله الفني كامن في تجربته الحياتية، وأن حياته الخاصة هي ينبوع طاقته الفنية، وهو يأمل في أن يجد الخلاص عبر الفيلم الذي ينوي أن ينجزه.

يعقد مؤتمراً صحفياُ، في الموقع الكبير الذي بناه في الأستوديو، قبل أن يجهز السيناريو، يعلن عن عجزه عن فعل أي شيء، ويقرر إلغاء صنع الفيلم.

فجأة، متحرراً من ضغط أن يخلق للجمهور، هو يرتجل مشهداً ختامياً آسراً: من الظلام يخرج ساحر. بعده يظهر مهرجون في مسيرة استعراضية. وجويدو المخرج يبدأ في تصوير ذلك داخل حلبة سيرك. من الموقع، من أحلام جويدو، وتخيلاته، وجولاته المهنية، تأتي الشخصيات لتتجسد وتتشكل وتتفاعل في غبطة ومرح.

إنه يستحضر جميع الذين كان يعرفهم في حياته، كل شخصيات الفيلم أيضاً، ليحتشدوا في الحلبة، ويبدأوا في رقص جماعي.. في شكل دائري، متشابكي الأيدي. ها هنا يتحد الماضي والحاضر في واقع واحد.

خارج الشاشة نسمع صوت جويدو يتحدث عن وهج السعادة الذي مسّه وجعله يرتعش، ويهبه القوة والحيوية. كما يتحدث عن رغبته في أن يحب ويكون محبوباً عند كل من يعرفه.

قد يكون هذا المشهد حلمَ يقظة، تخيّلاً، رؤيةً، حالةً ذهنية، فكرةً ملتمعة في الذهن.. المؤكد أنه يعيد توكيد اتصاله بالناس، وبزوجته على نحو خاص.

****

"ثمانية ونصف" فيلم ينهل من السيرة الذاتية لخالقه. وهو يتحرى بعمق الصراعات المتضمنة في العملية الإبداعية عند إخراج فيلم كبير على المستوى التقني والشخصي، والمعضلات التي يواجهها الفنانون عندما يُتوقع منهم توصيل شيء شخصي وعميق، في موعد ضيق ومحدود، بينما يتعيّن عليهم، في الوقت نفسه، التعامل مع علاقاتهم الخاصة.

الفيلم يتقصى تمدّد هوية جويدو، وعيه، إدراكه، تحكّمه في مخلوقاته، حسّه الابتكاري وقدرته على الإبداع. وفلليني يستخدم هذه الشخصية لسبر لغز الإبداع الفني، ومعضلات العلاقات الإنسانية.

الفيلم عبارة عن مزيج من الأشكال: الأحلام (الليلية وأحلام اليقظة)، تابلوهات (لوحات فنية)، ذكريات، وأنواع أخرى.

هنا وللمرة الأولى، في مسيرته، وفي أسلوب مختلف تماماً عن أفلامه السابقة، يهيمن عالم الحلم والتخيّل والوهم على العالم الواقعي، الحقيقي. كما تتداخل الذكريات والتخيلات والأحلام والرغبات غير المتحقّقة، المحتشدة في تيار الوعي الخاص بالمخرج مع وقائع الحياة اليومية للشخصية، مع الحاجة اليومية لإنجاز الفيلم.



إن أزمة الشخصية الرئيسية (جويدو) تتكشف من خلال التفاعل المركّب بين وسائل مختلفة: توظيف الزمن، عبر التداخل بين الماضي والحاضر. تشظي السرد الذي تستلزمه محاولة الكشف عن حالات اللاوعي المكبوحة. لا ملموسية الحدث، حيث في أحوال كثيرة لا يمكن التمييز بين الواقع والحلم أو الوهم أو الذاكرة.

إن أجزاءً محورية وحيوية من الفيلم تدور في عالم فنتازي. والفن يمتزج بالحياة إلى درجة يستحيل أو يصعب فصمهما وتحديد هوية كل منهما. البطل ينعتق عن الواقع، يتنقّل من الأحلام (التي لا يقدر التحكم فيها لكونها لا واعية) إلى الذكريات إلى الهذيان إلى الرؤى، والتي لا تحدّها تخوم فاصلة وواضحة. وفلليني لا يقوم بتمييز ما هو حقيقي وما هو متخيّل، بل يترك الأمر للمتفرج. وهو يتناول القضايا الجادة برؤية ساخرة، مفعمة بالدعابة.

بناء الفيلم ذو طبيعة شبيهة بطبيعة الحلم. إذ يغوص فلليني عميقاً في عالم الحلم. "لا شيء أكثر صدقاً وأمانةً من الحلم".. يقول هذا الرائي المتأثر بعمق بنظريات كارل يونغ في علم النفس. في أكثر من موضع، أعلن فلليني عن تأثره بأفكار يونغ. وقال في إحدى مقابلاته أن قراءة يونغ شجعته وساندت اتصاله بالمناطق الأعمق والأكثر تحفيزاً في ذاته.

فنياً، جمالياً، نحن أمام فيض من الصور التي تتدفق لتبهر البصر. كل مشهد، في هذا الفيلم الرائع، جذاب وآسر، وعرضة لتغيّرات فجائية، غير متوقعة، حيث الانتقالات الفجائية بين اللقطات، والانتقالات الرشيقة عبر الأزمنة، مع حركات كاميرا غير اعتيادية، متواصلة، راقصة، تحت إدارة المصور المبدع جياني دي فينانزو.

براعة فلليني تشمل البناء المركّب لمشاهد نابعة من رؤية أصيلة ومخيلة خصبة.

نقدياً وانطباعياً، من بين ردود الفعل تجاه الفيلم، نذكر:

ما قاله فرانسوا تروفو: "فيلم فلليني كامل، بسيط، جميل، صادق.. مثل الفيلم الذي أراد جويدو أن يحقّقه في ثمانية ونصف".

مارتن سكورسيزي صرّح بأنه يعيد مشاهدة "ثمانية ونصف" كل عام، وقال: "هذا الفيلم كان دائماً بمثابة المحك بالنسبة لي، ومن نواحٍ عديدة. الحرية، حس الابتكار والتجديد، الدقة والصرامة الضمنية، اللبّ العميق للتوق، الفتنة الساحرة لحركات الكاميرا والتكوينات". كما أشار إلى أن هذا الفيلم وفيلم مايكل باول "المتلصص توم"، يحتويان على كل ما يمكن أن يُقال عن إخراج فيلم.

المخرج المكسيكي غيليرمو ديل تورو صرّح بأنه شعر أن الفيلم يتحدث عن الحياة قدر تحدثه عن الفن. واعتبر الفيلم "قصيدة شهوانية، شرهة، مبللة بالعرق، موجّهة إلى السينما".

المخرج ديفيد لينش بيّن تأثره بأجواء الفيلم الفنتازية، وتوظيف الحلم السوريالي. كوينتن تارانتينو وكيفن سميث قالا أنهما مدينان بالكثير إلى فلليني وإلى الواقعية الجديدة ككل.

كما مارس تأثيره على تيرنس ماليك، أليخاندرو إيناريتو، وسبايك لي الذي قال عن أفلام فلليني "ليس فيها أي تخوم. ليس ثمة أي حدود".

بعض النقاد هاجموا الفيلم على أساس أنه سيرة ذاتية لا تعني أحداً غير مؤلف العمل، والبعض الآخر وجد الفيلم متألقاً على مستوى الشكل، لكن محتواه فارغ وبلا قيمة، ويخلو من أي معنى. وهناك من النقاد من عاب عليه هجره لجذوره الممتدة إلى تقاليد الواقعية الجديدة، وقطع صلته بما هو واقعي.

عند عرض الفيلم، شكا بعض الجمهور من صعوبة الفيلم وغموضه. ويقال أنه، في إحدى البلدات الإيطالية، هاجم الجمهور مشغّلي جهاز العرض (البروجكتر). أما فلليني فينفي صعوبته، ويؤكد أن فيلمه "صادق إلى حد البذاءة". ويأخذ المتفرج إلى عوالم لم يرها من قبل، إلى محطات غريبة لكن ساحرة.

الفيلم غني في أبعاده ودلالاته، وقابل للعديد من التأويلات. وقد حقّق نجاحاً ساحقاً، رغم موقف أولئك النقاد، بل احتل مكانة سامية كعلامة بارزة، وكواحد من أعظم الأفلام في تاريخ السينما. وحاز الفيلم على الجائزة الكبرى في مهرجان موسكو. وأوسكار أفضل فيلم أجنبي، وأوسكار أفضل تصميم ملابس.




هنا ترجمة لحديث فدريكو فلليني – من مصادر متعدّدة - عن فيلمه "ثمانية ونصف":


*في حالة هذا الفيلم، شيء ما حدث لي، وكنت أخشى حدوثه. لكن عندما وقع الشيء، كان رهيباً بدرجة لم أكن أتخيّلها. لقد عانيت ما يعانيه الكاتب حين يشعر بشلل ذهني تام، بعجزه عن الخلق، وعدم قدرته على التعبير عن أي شيء. كانوا ينتظرون مني أن أصنع فيلماً. ما لم يعرفوه، هو أن الفيلم الذي كنت أنوي إنجازه هرب مني.

مع أن الاتفاق قد تم مع الممثلين الأساسيين، وشُيدت الديكورات، حتى أنني من المكتب الذي أجلس فيه وأكتب، تصلني أصوات مطارق النجارين وهم يعملون في تركيب الديكورات، إلا أنني أردت التخلي عنه وتركه يتبدد في الهواء، أن أبتعد عنه.. ذلك لأنني لم أعد أتذكر ما كنت أرغب في فعله، في تحقيقه.

*الإحساس، الروح، النكهة، الجوهر، الصورة الظلية، الوميض.. كل ما أغواني وسحرني كان قد اختفى، تلاشى، ولم أعد استطيع العثور عليه. خلال الأسابيع الأخيرة حاولت، بتوق شديد، أن استعيد مجرى نشوء ذلك الفيلم الذي لم استطع حتى أن أحسم عنوانه. كنت قد اخترت له عنواناً مؤقتاً: ثمانية ونصف.. إشارة إلى عدد الأفلام التي حققتها. لكن كيف ولدت الفكرة؟ ماذا كان الاتصال الأول، الاحتكاك الأول، الشعور السبقي الأول، بذلك الفيلم؟



رغبة غامضة، مشوّشة، لخلق بورتريه (صورة شخصية بمختلف طبقاتها) لرجل في يوم معيّن من حياته، بكل ما يشتمل عليه من وقائع مختلفة، متناقضة، مراوغة.. بكل احتمالات وجوده ومستوياتها. ذلك أشبه بمبنى تتقوّض واجهته كاشفة عن الباطن كله: سلالم، أروقة، حجرات، أدوار علوية، أقبية، أثاث، أبواب، أسطح، أنابيب مياه، زوايا حميمية وسريّة.

أردت أن اتحدث عن شخص ليس لديه بعد أي هوية شخصية أو مهنية (في البداية لم يكن مخرجاً). أردت أن أسرد الأبعاد المتعددة ليوم واحد، حياة واعية ولاواعية تتفتح وتبدو للعيان مثل حلزون، بلا تعيين للتخوم، متخلياً عن أي فكرة لحبكة ما، لصالح سرد حر، محادثة. الفكرة هي استعادة الإحساس بالزمن، حيث الماضي والحاضر والمستقبل والأحلام والذكريات والرغبات تكون متمازجة معاً.

الحياة مركّبة من متاهات متعرّجة، متغيّرة، مائعة، تتصل بالذاكرة، بالأحلام، بالمشاعر، بالتعقيد اليومي المرتبط على نحو لا ينفصم بالذكريات والتخيلات والأحاسيس والحوادث التي وقعت منذ زمن طويل والتي تتحد مع تلك التي تحدث الآن. مزيج من النوستالجيا والشعور السبقي في وقت رائق لكنه مختلط، حيث لا يعود بطلنا يعرف هويته أو ماضيه أو إلى أين ستمضي حياته.. حياته التي تبدو الآن مجرد نوم يقظ طويل، يخلو من المشاعر.

*كنت أتحدث عن هذا، ذات مساء، مع إنيو فلايانو فيما كان يقود سيارته نحو البحر في أوستيا. بالتحدث عنه حاولت أن أوضح لنفسي غرض ومغزى الفيلم. فلايانو كان يصغي في هدوء، لم ينطق بكلمة، لم يطرح أي تعليق. كان مفعماً بالارتياب، الاستخفاف، الحذر. وتكوّن لدي انطباع بأنه يعتقد أن الثيمة لا تنتمي إلى الفيلم، وأن ما سردته عبارة عن تدفق مفرط في الادعاء والغطرسة، ولا يمكن تحقيق أبعاده إلا من خلال الأدب وحده.

توليو بنيللي، الذي إليه حاولت أن أنقل الإحساس بهذا الخيال العابر بعد بضعة أيام، كان أيضاً صامتاً في حيرة وربما في شك من إمكانية بناء قصة على باعث غريب وصعب جدا ترجمته إلى حالات وأحداث.

أما برونيلو روندي، بحماسته الفائضة المعهودة، فقد عبّر على الفور عن موافقته بالمشاركة. إنه يمثّل الجمهور النفيس: يحب كل شيء، كل مشروع يثيره، وهو مستعد لأن يسلك أي سبيل ويتعاون في كل اتجاه وفي أي شيء.

هكذا بدأنا، نحن الأربعة، في الكتابة على نحو مستقل. قد اقترح ثيمة، صراعاً، حالة معينة، ويشرع كلّ من بنيللي وفلايانو وبرونيلو في كتابة نسخته أو ترجمته الخاصة للمشهد.

كان مشروعاً طموحاً جداً إلى حد أنني لم استطع التعبير عنه. بعدئذ ذهبت إلى منتجع صحي لتلقي العلاج. هذا المحيط – الاصطفاف الشعائري في طابور حاملاً كأساً في انتظار أن تشفى، فخامة المنتجع، الإحساس المطهّر الذي هو حاضر دوماً عندما تتحد مجموعة من البشر في ممارسة الطقس ذاته.. مثل باليه – جلب لي (هذا المحيط) الخلفية لهذه التأملات: رجل واقع في شرك لحظة من التعطل في إيقاعاته اليومية، لأن ثمة تهديداً، ربما مرضاً.

لكنني لم أكن أعرف شخصيتي، لم أقرر بعد أي نوع من الرجال نسعى إلى تصويره، وأية مهنة يمارس: كاتب، محامي، مهندس، صحفي؟ لم استطع أن أحسم أمري، وتلك الذكريات، تلك التأملات، هي بلا وجه، وتتلاشى في اللاشيء.

يوماً قررت أن أضع بطل فيلمي في منتجع صحي، عندئذ بدأ غرض الفيلم يتسع لاحتمالات أكثر صلابة. كتبنا مشهد الحريم. الليل في الحمامات مع الصديق المنوّم المغناطيسي. البطل الآن لديه زوجة وعشيقة. لكن عندئذ بدأت الحبكة في الانحلال. لم يكن هناك لبّ مركزي منه تنمو القصة، لا بداية ولا نهاية، ولا أقدر أن أتخيّل كيف ينتهي العمل. كل صباح كان بنيللي يسألني عن مهنة بطلنا، وأنا لا أعرف بعد، ولا يبدو لي أن ذلك مهم، رغم شعوري بشيء من التوتر إزاء ذلك.

ربما هذا كان الدرس العظيم للفيلم: في موضع ما، قلت لنفسي: "اجعل المحرّك يبدأ، ليصعد كل شخص على متن السفينة. شخص ما سوف يوفّر الإمدادات. ارغم الآخرين على دفعك لفعل شيء ما".

وهذا ما فعلته. فكرت أن من العبث الاستمرار في السيناريو. شعرت أنه، لكي انسجم مع الفيلم، يتعيّن عليّ أن اباشر في النظر إلى الشخصيات عن قرب، أن اختار الممثلين وأحدّد المواقع وأحسم أموراً كثيرة، ثم أمضي باحثاً عن فيلمي بين الناس وفي كل مكان.. في محلات الملابس، في المسارح. كان عليّ أن اتظاهر بأن الفيلم جاهز ويمكننا الشروع في تصويره خلال شهر.

قررت أن اختار مارسيلو ماستروياني، ساندرا ميلو، وجعلت أنوك إيميه تأتي من باريس. وفي غابة بالقرب من روما بدأنا في تشييد المبنى الضخم، وفي استوديوهات سكاليرا بنينا مزرعة الجدّة وغرف الفندق. آلية الإنتاج الضخمة كُرّست للفيلم وتمت المباشرة بالعمل: مواعيد، عقود عمل، خطط إنتاجية، تقديرات وتخمينات، ديون.

لكني، أنا المعتكف في مكتبي، الجالس قبالة الآلة الكاتبة، بعد شهرين من العمل المجهد والمضني، أدركت أنني لم أكن أعرف بعد ما أريده. لم استطع بعد العثور على فيلمي. لم يعد هناك، كان قد مضى بعيداً، وربما لم يوجد أبداً.

*كنت أذهب كل يوم إلى الأستوديو وأقضي النهار كله في مكتبي: أرسم، أجري الاتصالات، وانتظر.

لم استطع إيجاد شعوري الوجداني. جلست في الأستوديو، وشرعت في كتابة رسالة، نابعة مباشرة من القلب، إلى منتجي أنجلو ريزولي، شارحاً له الحالة التي كنت فيها. رجوته أن يتفهم حالة التشوّش التي أمرّ بها، وأنني غير قادر على إنجاز شيء.

كنت في منتصف الرسالة عندما سمعت صوت مينيكوشيو المدوّي، رئيس العمال، يناديني من الأسفل، من الفناء، طالباً حضوري إلى الموقع للحظةٍ لأن غاسبارينو، وهو ميكانيكي آخر، كان يحتفل بعيد ميلاده ويقدّم كؤوساً من الشمبانيا. تركت رسالتي وذهبت إلى حيث يحتشد الجميع في انتظاري، النجارون والميكانيكيون والرسامون، وكل واحد منهم يحمل كأساً في يده. كنا في المطبخ الهائل، قيد الإنشاء، الذي سيكون نسخة طبق الأصل من المطبخ في منزل جدتي الريفي لكن المضخم بفعل الذاكرة. غاسبارينو، بخوذة البناء على رأسه والمطرقة مشدودة بطوق إلى فخذه، فتح الزجاجة وهو يقول: "سيكون فيلماً عظيماً يا دكتور. في صحتك.. عاش فيلمنا ثمانية ونصف".

ظننت أنهم سوف يشربون نخب من يحتفلون بعيد ميلاده، لكنهم شربوا نخبي وتحفتي الفنية. بالطبع، لم تكن لديهم أية فكرة بشأن ما أنوي فعله، لكن ثقتهم بي كانت تامة.

فرغت الكؤوس وكل شخص صفق في استحسان، أما أنا فقد انتابني إحساس غامر بالخجل، وشعرت أنني أكثر البشر ضآلة.. شعرت أني خائن.. الربان الذي هجر سفينته وتخلى عن بحارته. كانوا يسموني الساحر، أين هو سحري؟

لم أعد إلى المكتب حيث الرسالة التي لم تكتمل تنتظرني، وعوضاً عن ذلك جلست، شارداً وخاوياً، على مقعد صغير في الحديقة وسط الحركة النشطة والدؤوبة للعمال والتقنيين والممثلين العاملين في فيلم آخر.

*عدت إلى مكتبي، مذهولاً. لقد أوشكت أن أؤذي هؤلاء الأشخاص بجعلهم يفقدون أعمالهم. سألت نفسي: والآن ماذا عليّ أن أفعل؟ لكن لم أعثر على إجابة. ثم سمعت صوتاً واهناً، صوت الخلق بداخلي. لقد عرفت. القصة التي أريد أن أرويها هي قصة كاتب لا يعرف ماذا يريد أن يكتب. إنه يناضل من أجل التعامل مع معضلاته ومشاكله، وتجاوز عادية حياته وابتذالها. والتغلب على الحواجز والعوائق العديدة التي تفرضها طبيعة مهنته. عندئذٍ مزّقت رسالتي الموجهة إلى ريزولي.

*في ما بعد، حوّلت مهنة جويدو من كاتب إلى مخرج سينمائي لا يعرف ما يريد أن يقوله ويفعله. من الصعب تصوير كاتب على الشاشة، يمارس أفعاله بطريقة مشوقة، بينما عالم المخرج السينمائي مفتوح على احتمالات لا حدّ لها.

قلت في نفسي، أنا في موضع مغلق لا منفذ له، وضع من لا يجد لنفسه مَخرجاً. كنت المُخرج الذي أراد أن يحقّق فيلماً لم يعد يتذكره. في تلك اللحظة، سطعت أمامي الفكرة، وذهبت مباشرة إلى لبّ الفيلم. قررت أن أسرد كل ما حدث لي. قررت أن أحقّق فيلماً يروي قصة مخرج لا يعود يعرف أي فيلم يريد أن ينجز.

*كنت أعلم أن الآخرين سوف يعتقدون، بجعلي جويدو مخرجاً، أنني سأتحدث عن نفسي، وأن العمل سيكون سيرة ذاتية. صحيح أن أجزاء الفيلم تشير إلى حياتي، وهذا أمر حتمي، لكن بعض الأجزاء تصبح تدريجياً محرّفة، بينما الأجزاء الأخرى تتشكّل أثناء التصوير. النتيجة هي قصة مخرج يتوجب عليه أن يبدأ الفيلم، لكنه لا يستطيع أن يتذكر الحبكة، ويستمر في التأرجح بين مستويين: الواقع والخيال.

*بعد أيام قليلة، أعلن عمال المعامل السينمائية الإضراب. في هذه الحالة، يستحيل علينا فحص نسخ التصوير اليومية واكتشاف العيوب، لذلك اقترح الجميع التوقف عن التصوير، لكنني رفضت، مصراً على المواصلة. صورت لمدة أربعة شهور من غير أن أشاهد ما صورته، بل طلبت هدم الديكورات المكلفة الصنع لتوفير حيّز لتشييد ديكورات جديدة، من دون التأكد من جودة اللقطات التي صورناها. المصور أصيب بانهيار عصبي. عندما انتهينا من تصوير الفيلم، قضيت ثلاثة أيام في صالة العرض لأشاهد ما عملناه في أربعة شهور. كان ذلك سابقة تاريخية: أن يصوّر شخص فيلمه من دون أن يعرف ما الذي يفعله.

*لقد وُلد الفيلم من رحم الهجر، التلقائية، الثقة والتحدي. الفيلم المحظوظ الذي نجح في ما بعد إلى حد أنه صار نوعاً سينمائياً مستقلاً. إلى جانب الويسترن وأفلام التحري، هناك نوعية ثمانية ونصف.

*إذا كان هناك درس تعلمته من هذه التجربة، فهو أن كل شيء يحدث خلال إنتاج الفيلم، سواء أكان هناك تناقض أو معاداة أو عوائق أو إضرابات.. كل هذه الأشياء يمكن أن تصبح غذاءً للفيلم.

الخوف من الكارثة هو أمر محفّز جداً بالنسبة لي. أنا أعبد الخراب، تهديد النهاية، النهاية المرئية كعلامة لبداية جديدة. أنا لا أسعى وراء الكوارث، لكنني احتاج إلى هذا الجو المهدّد.

*يتعيّن على الفيلم أن يساعد في التخلص من العُقد العصابية التي تستبد بأولئك الذين يرغبون في تغيير الآخرين. في اعتقادي، ينبغي قبول الآخرين كما هم وليس بالصورة التي نريدها لهم. إذا استطاع الفيلم أن يحيي أو يجدّد هذا الاحساس بالحرية، فإنني اعتبره ناجحاً.

*"ثمانية ونصف" فيلم شخصي.. حققته لإرضاء نفسي ثم الجمهور.

16 views0 comments
bottom of page