top of page

حين يتحول المبدع إلى تمثال




الفيلم الأرجنتيني المواطن المتميز  Distinguished Citizenإنتاج 2016 من إخراج أندريه دوبارت وماريا نوكون، حائز على جائزة (فولبي كَب) كأفضل ممثل.

يتحدث الفيلم عن أديب أرجنتيني حائز على جائزة نوبل للآداب، حيث يبدأ المشهد الأول وهو يستلم الجائزة من ملكة السويد. (في مشاهد لاحقة يكشف هذا الأديب عن رفضه لتنفيذ برتوكولات حفل تسليم الجائزة مثل ضرورة اللباس الرسمي والانحناء أمام الملكة) وفي كلمته أمام مؤسسة نوبل هاجم بشراسة إعجابهم برواياته منتقداً الجهات الأكاديمية المسؤولة عن هذه الجائزة، واصفاً حصوله على جائزة نوبل بمثابة نهاية لمسيرته الإبداعية، وإن حصول الكاتب على الاعتراف المؤسساتي فيه نهايته وموته كمبدع. الفيلم ينتهي وهو يقدم في مؤتمر صحفي بإسبانيا مقر إقامته، روايته الأخيرة الصادرة بعد عودته من قريته الصغيرة في الأرجنتين حيث فارقها قبل أربعين عاماً وهو في العشرين من عمره مهاجراً لأوروبا، إلى أن استقر في إسبانيا بعد نيله نوبل. ورغم ابتعاده عن مسقط رأسه إلا أن كل رواياته مستوحاة من حياة أبناء قريته.

الفيلم كأنه حكاية داخل حكاية، فما روايته الأخيرة سوى مسيرة الأحداث التي عاشها وواجهها أثناء زيارته القصيرة لقريته التي لم تتجاوز أربعة أيام. وفي سياق هذه الأحداث يكشف عن رؤيته الفكرية، خاصة أثناء تكريمه من قبل عمدة القرية وحصوله على أعلى ميدالية كمواطن متميز، أو المواطن البارز. يعلق على هذه الحفلات التكريمية باعتبارها مراسيم ثقافية هدفها المظاهر التي من خلالها يحاول المسؤولون الظهور أمام وسائل الإعلام باعتبارهم من المهتمين والداعمين للثقافة والمثقف والفن، وهم في حقيقة جوهرهم ضحل ثقافياً وفكرياً!. وأثناء قص الشريط لتمثال منحوت لوجه هذا الأديب، مُثبت في الساحة الرئيسية للقرية يعلّق في كلمته أمام الجمهور والحاكم المحلي للقرية بالقول (بأن صديقًا له حاز على نوبل أيضاً، وأحس لحظة حصوله على هذه الجائزة بأنه تحول إلى تمثال!).



مشاهد الفيلم تكشف عن شخصيته المتمردة التي لا يساوم على حريته الإبداعية وقناعاته تجاه الحياة والدين والإنسان، صريحاً في طرح ما يؤمن به (بعد مجاملات حاول فيها التغاضي عن ممارسات غير مقتنع بها من قبل المسؤولين في القرية وأبنائها واصدقاء مرحلة شبابه، وذلك احتراما لهم على حسن الاستقبال والاستضافة كابن القرية الحائز على جائزة نوبل وافتخارهم بذلك، لكنه لم يتحمل مواصلة التمثيل والمجاملة مع مجتمعه). وأمام نقده لهذه الممارسات الخاطئة ورفضه للرضوخ إليها، يبدأ الانقلاب ضده من أهالي القرية وذلك بالتشهير به بإيعاز من المسؤولين، والهجوم عليه واحتقاره لدرجة استعداد البعض لاغتياله. ويتمكن المخرج بشكل جميل إظهار هذه اللحظات والتحول الجذري لأهالي قريته من الإعجاب والترحيب به إلى الكراهية والانتقام منه.

ينتهي الفيلم وهو في المؤتمر الصحفي حين يسأله صحفي بأن روايته الأخيرة هذه تدور أحداثها كلها على شخصيته كمحور وحيد للرواية، ويعتبر ذلك نرجسية من الأديب، فرد على الصحفي بأن المبدع لا يملك سوى القلم والكتابة والغرور!.

الخيال الجميل في السيناريو الذي أقنع المشاهد بأن الروائي دانيال ماثتوفاين هو حقاً نال جائزة نوبل للآداب كأول أديب أرجنتيني، وأن روايته الأخيرة الذي دشنها في المؤتمر  الصحفي ما هي إلا نسخة كربونية لأحداث الفيلم، أو أن الفيلم صورة كربونية للرواية، كأنهما أمام المرآة لا تستطيع التمييز بين الحقيقة وصورتها.

7 views0 comments

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
bottom of page