top of page

خليل الهاشمي والنحت التجريدي


ربما يشكل النحت انحلالا للصراع المتجسد بين الكتلة والفراغ، بين المادة والشكل إن شئنا استخدام لغة أفلاطون، فالنحت إذا تخلى عن البعد الثالث وتمسك بالطول والعرض في الوجود تحول إلى نقش، ومنذ فجر التاريخ استطاع الإنسان أن يكون المفاهيم والأفكار المجردة التي انبثقت من تفاعل ذاته مع موضوعات الوجود المختلفة المادية والمعنوية، فعبر عنها إما بالكلمات (المفاهيم) أو بشتى أشكال الفن، ولعل ذلك ما أفصح عن قدرته الفائقة على التجريد، فمن تجاربه يصيغ مفهوما مجردا عن شجرة ما، تلك الشجرة يمكن أن تحمل في داخلها كل الأشجار الموجودة والمتخيلة أيضا. والنحت فعل إنساني مجسم، يظهر تأثيره في المادة ضمن أبعاد الوجود الثلاثة التي تحكم الكتلة (الطول والعرض والارتفاع)، ويمر عبر البعد الرابع بحكم مادة وجوده (الزمن) وقوة حضور الإبداع فيه، لذلك انقرضت معظم الأعمال التي نحتها الإنسان القديم من مواد سهلة الاندثار، وبقت لنا تلك التي قاومت الزمن. وقد يلمس هذا الفن معطى أولي مثل الحجر أو الطين حتى يصل إلى مواد مصنعة إنسانيا تحتاج إلى فنون أخرى مثل صهر وصب وطرق وسحب المعادن. وطالما افتتن الشعراء العرب بالنورس، ذلك الطائر العنيد الذي لا تستطيع أقسى العواصف أن تغرقه ولا يقبل التدجين كما يمثل بحركة طيرانه الرشاقة وبعد التحليق والهجرة الدائمة بين عوالم يبعد عنها وعوالم يعود إليها، دائما يظل عند البحارة علامة على قرب البر ونهاية الرحلة أو بدايتها، وبياضه ونظافته تشيران إلى الطهارة.



وقد التقط خليل الهاشمي كثيرا من الأشياء حولنا وقام بنحتها بحيث تنقل للمتلقي المتأمل صورة تحاكي ذلك المفهوم الذي يتوفر عليه معظم الناس، وذلك ضمن حساسية فنية مغايرة للمألوف، فلو سئلنا شخصا عاديا أن يصف لنا طائر ما ولنفترض (النورس)، فربما يقول لنا أنه طائر، وعندما تطلب منه التفاصيل سيقول لك له جناحان يغطيهما ريش وساقان ورديتان ومنقار وربما يذكر لك لون عينية وريشه ومنقاره، ثم تبدأ بالتساؤل كم من تلك الصفات يمكن للطائر أن يتخلص منها دون أن يفقد صفته كطائر من جهة وكنورس من الجهة الأخرى، وعندما كنا صغارا في دروس التربية الفنية كنا نرسم الطائر في الأفق مجرد خطين منحنيين قليلا وفي وسطهما ربما ضربة قلم رصاص بنفس اللون للتعبير عن الطائر، ولا نفكر كثيرا إي طائر هو. وهل هذا ما فعل خليل الهاشمي في نحته، يبدو لي الأمر مغايرا ولنتأمل معا في الصورة التالية.


هنا يستغني الطائر عن الريش والمنقار والعينين وحتى القدمين وبقية التفاصيل حيث يبتعد الفنان عن الصورة الواقعية المنعكسة إلى فعل التجريد، ومن خلال ذلك الفعل تظهر لنا ثلاث علامات مختلفة جدا، أولها الموضوع الذي يبرز على ما توحيه المنحوتة عن قيام الرحلة بالتحليق، والتي يقوم بها هذا الطائر المهاجر، ولكنها ليست هجرة فردية وإنما جماعية نحو أفق جديد ما منفلت من قيد المكان وجاذبيته التي تلصقه بالأرض، وبالتالي استثمار ما يمكن أن تحويه تجربتنا التأملية نحو كون الطائر حر أبدا، بينما تشكل مادة المنحوتة لون الطائر المغاير عما في أفق توقع المتلقي من البياض وبالتالي يظهر لنا لون البرونز على أنه اللون المهيمن على المنحوتة ويكسر أفق توقع المتلقي ثانيا، وفي تغاير شديد مع الواقع نرى كيف تلتصق أجنحة الطيور مع بعضها البعض لتشكل كتلة تدل على اتجاه الحركة المنفلتة في تقوسها نحو الرحلة كأنما تعبر من بوابة ما ثالثا، وربما هو ما جعل النحات والفنان خليل الهاشمي يستثمر هذا الطائر في النصب المقام قبل المطار بما يوحي بالرحلة.

ولنا أن نتأمل في الصورة القادمة التي تمثل منحوتة أخرى، ولكنها تلعب على ذات ثيمة الطائر والتي تتكرر عند خليل الهاشمي.



هنا يشكل الطائر قبة ما وربما يحلو لي أن اطلق عليها قبة السماء، إن تأملنا لطائر يرتقي الهواء ويستغل دواماته التي يدركها هو ولا ندركها نحن بحواسنا الخمس نعرف أن مكانه هي هذه القبة السماوية التي نتصورها، وهو حر في حركته وفي ازدحامه أو في تباعده، إن انعكاس الحالة الانسانية التي تحشر ملايين البشر في المدن الهائلة ضمن ترابطات اجتماعية لا فكاك منها، إنما تشير في الجهة الاخرى إلى تمتع ذلك الفرد المحشور مع الاخرين بحريته في أن يكون وأن يعبر عن قبة سماوية ما ترفل في الاحلام. كيف لنا أن نتخيل مع خليل الهاشمي هذا الطائر وهو يكتض ليتكاتف رافعا قبة سماوية إنسانية إلى حدود المستحيل.

ولنا أن نتأمل مرة أخرى في طائر آخر شغل خليل الهاشمي ليجرده من تلك القصص التي سمعناها عن الحمامة التي عادت بغصن زيتون بعد أن اطلقها نوح النبي ليتعرف على بروز البر وانحسار الماء بعد الطوفان العظيم، وذلك بعد أن هرب الغراب ولم يعد، فصار نذير شؤم منذ ذلك الحين، بينما حازت الحمامة وغصن الزيتون على كونهما يرمزان للسلام، وكذلك فعل محمود درويش عندما كتب تلك الكلمة التي القاها ياسر عرفات في الأمم المتحدة واستثمر فيها غصن الزيتون حيث قال :لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي، لا تصقطوا الغصن الاخضر من يدي، وظلت الحمامة البيضاء رمزا للسلام، ولكن ما الذي يمكن أن نستغني عنه من صفات الحمامة التي دجنها الانسان بأشكال مختلفة بل ووظفها في الحرب كما فعل بالحمام الزاجل، نرى كيف قام خليل الهاشمي بتجريد الحمامة البيضاء من كل صفاتها المحسوسة ليبقي ما هو جوهري فيها، ولنتأمل معا هذه اللوحة.



ولنرى كيف استغل خليل الهاشمي لموضوعه ذلك التناقض بين الحرب والسلام، فالحمامة فوق الجدار ذلك ما يقترحه النحت في أبعادة الثلاثة دون أن يترك إي تفاصيل زائدة تشير إلى الحمامة ذاتها، غير أن المادة المستخدمة والتي يشيع فيها البياض تحيلنا إلى لون الحمامة وليست إي حمامة إنها حمامة السلام، بينما الجدار الذي تقف عليها مخرم بشكل يوحي بالتوازي بين خطوط تلك الخروم، إلا أنها تقود عين الناظر نحو الرصاصة التي جمدت في الجدار، إذا هي إشارة قوية للحرب والسلام في موضوعة جسدها الحجر المجرد حمامة بيضاء وجدارا اسود كسواد أيام الحرب، والخروم حملت دلالة خرابها، بينما حمل البرونز المناقض في لونه الدلالة على الحرب والموت، هكذا هو الفن يستخضر نفسه في أيام نتذكر فيها ويلات الحروب في كل مكان.