top of page

دارا الزرادشتي .. تخييل المرجعي ومرجعية المتخيل



ترى ما الذي راهن عليه عقيل الموسوي في هذا النص، الفنية، أو التاريخية؟ بمعنى هل كان الطموح في مستوى الإنجاز أم أن الإنجاز كان فوق مستوى الطموح. بمعنى هل تفوق المتخيل على المرجعي، أم أن المرجعي تفوق على المتخيل في نسقه الفني؟ ثم كيف تعامل الكاتب مع حركة هذا المرجعي التاريخي لإدماجه في مجموع التقنيات السردية وإقناعنا به. وهل كان التاريخ يشكل خلفية لمتخيل جامح، أم كان المتخيل مجرد خلفية لكل المرجعي الذي شكل مادة النص وحركته؟ أم أن الاثنين تآزرا في صناعة لحظة الإبداع التي أنتجت هذا النص؟

للروائي في اشتغاله بالمرجعي / التاريخي خاصة خياره الخاص بين أن يستدعي الماضي لتبصيرنا بالحاضر أو بالتجاور معه لكشف مزيد من المسكوت عنه، وللوصول إلى فهم أعمق لطبيعتنا الإنسانية وبحثنا عن حقيقتنا. وهو ما يسميه ميلان كونديرا بحكمة اللايقين في تعريفه للرواية عموما. " فقطب الرحى في الرواية هو دفع الظروف التاريخية إلى خلق وضع وجودي جديد لشخوصها يمكن من فهم التاريخ وتحليله بوصفه وضعا إنسانيا ذا مدلول وجودي".

السؤال الفاصل الذي يحدد منسوب اللذة، ومنسوب التبصر والانعكاس في هذا النص هو هذا:

هل استطاع الكاتب أن يجعلنا نفضل متخيله على كل المرجعي، أم أن المرجعي ظل منبتا عن المتخيل وتحول إلى مجرد خبر أو وثيقة تاريخية لا مزية لها، بمعنى هل تماهى الكاتب في هذا المرجعي وانصهر فيه، أم تعامل معه كخلفية مؤقتة غرضها تزمين السردية التي اجترحها في نصه؟. وإذا كان ذلك كذلك أي في حالة نجاحه في جعلنا نفضل هذا المتخيل رغم اتكائه على مرجعي تاريخي، وهو ما أجزم به وأعتقده - فكيف تسنى له ذلك ؟ وهذا ما سيكون محور هذه الورقة.


عقيل الموسوي


أولاً : نهوض النص من داخله وليس من خبرية الوقائع التاريخية، فالمتخيل هو المتسيّد بينما يشكّل التاريخ خلفية يتحرك من خلالها البطل والشخوص الفاعلون لإحداث التمفصلات أو ما يعرف بالصفائح التكتونية في السرد. وهي مجموع التحولات الكبرى التي تحكمت فيها نصوص ومرجعيات ومعتقدات ومذاهب واتجاهات كان من ضمنها الأفستا وأشعار الفردوسي، الشاهنامة، القرآن، كتاب منطق الطير، نهج البلاغة، السهروردي، الحلاج، المعتزلة، المتصوفة، الإسماعيلية، الاثناعشرية. كل ذلك كان سببا في مجموع التشكلات التي ابتدعها الكاتب لشخصية دارا فجعلنا مشدودين نحو حركته هو لا نحو حركة المرجعي الذي نعرفه من بطون الكتب.

ثانياً: التخييل التوسيعي أو ما يعرف بالتغوير، وهو نظام يقوم على القصص الإطارية، فكل حكاية تقود إلى حكاية أخرى وتجعل القارئ مشدودا لما سيأتي، وهنا نكتشف حيلة الكاتب ومخاتلته في إعادة بناء المرجعي والوثائقي بالشكل الذي يجعلنا نقع في فتنة متخيله وإبداعه فنظل نعيش معه حالة التخدير التي تجعلنا لا نرغب في الانفصال عنه والوقوع في خبرية المسرود. حدث ذلك في مشهد موت كردير والد دارا، ومع لقاء المانوي في صحراء يزد، ومع عربدة الآشوري في شيراز، ومع مغامرات الليل والغندورة، ومع مهناز، وقصة دخول المريد حسن لعقيدة التصوف، ومع فضة في بيت الطوسي في مراغة، ومع الحارس ميمون، ومع مشهد الأسر في ألموت، ومع رستم في الصحراء، وغير ذلك مما يشكل مساحة واسعة من المسرود الذي استلّه الكاتب من خياله وأعطاه مشروعية الوجود والموثوقية ضمن مجموع التاريخي الثابت واليقيني. وهذا يؤكد لنا وجوب أن يكون للرواية بصفتها أدباً أن تتخذ لها موقعا ضمن نسق جمالي خاص يخرجها من صرامة المرجع الذي يترسب تحت سطحها أو خلفها.

ثالثاً: المراوحة بين التاريخي والمتخيل، فالكاتب يسند أعمالا لا تاريخية إلى شخصيات تاريخية، كما يسند أعمالا تاريخية لشخصيات متخيلة. الأول: سلوك سيد الخانقاه مع دارا ورفضه كمريد / الثاني: ما حكاه الحارس ميمون عن سبب هزيمة الإسماعيليين لدارا .

رابعاً : من نسق الإخبار إلى نسق الشعرية، وهذا ما حقق للرواية كفاءة في مستوى الفنية حيث كان السرد موزعا بين تبئير داخلي بنسبة 90% وحواري بيني ظاهر بنسبة 10% وهذا له مدلوله الخاص في سحب المتخيل نحو المقدمة وإبقاء الخبري متأخرا، فباستعماله لضمير المتكلم السيَرذاتي - المرتد من خلف إلى أمام ومن أمام إلى خلف - أصبح أمامنا أن ننسى ذلك الفاصل الزمني الذي قد يصطنعه ضمير الغائب / العليم بين النص وقارئه. إنها حيلة أخرى لإيهامنا بحقيقة المتخيل وهو يوجّه ويحرّك ويتحكّم في المرجعي.

خامساً: نظام التصفيح وتعدد الأصوات:

يشكل هذا السبب الرافعة الأكبر للبناء السردي في الرواية ناهيك عن دوره في تنعيم صلابة التاريخي وجعل المتلقي مسحورا بفتنة المتخيل، أي بتقديم الجمالية على الإنشائية في الرواية. وبالحديث عن المكونين السابقين أي التصفيح وتعدد الأصوات، نصل إلى أن الكاتب اصطنع لنفسه نظاماً خاصاً مكّنه من إدارة سلطة المرجع وفق نظام الصفيحة التكتونية تماما كما هو واقع في المصطلح الجيولوجي، وهنا يكون قد وضعنا أمام جدلية عنيفة في مستوى التلقي بين أن نهتم لأمانة الكاتب في نقل التاريخ أو نهتم لشكل حضور هذا التاريخ في الرواية، في رأيي أن ذلك لا يستحق الاهتمام لأننا في حالة اهتمامنا بموثوقية المسرود من عدمها سنجعل الرواية تقع في هامش الإبداع لا في قلبه، وسنقدم مقياس الموثوقية التاريخية على مقياس الجمالية والفنية.

لهذا ابتكر الكاتب حيلته في تجاوز هذا المطب عبر إدخال الرواية في حركة تصفيحية خلخل من خلالها صرامة التاريخي عبر تهجينه ليكون تحت إمرة فنّه وإبداعه، وهو ما سبب تعدد الأصوات في الرواية بين سارد ذاتي وآخر غير ذاتي، بين مستويات وعي الشخصية ومستويات لاوعيها ( الحلم والمونولوجات والمناجاة ) وهو ما وجدناه في كل الملفوظ السردي الممتد على مسافة زمنية الرواية المرجعي منها والمتخيل.

أما فيما يخص نظام التصفيح فقد تم حصر مجموعتين من الصفائح التكتونية السردية:

  • الصفائح الكبرى وهي تلك التي حددت المفاصل الأساسية لحركة البطل في بحثه عن الحقيقة، والذات، والوطن، والتغيير، وشملت:

  1. تعليم دارا في يزد على يد أبيه كردير، ومحنة الزرادشتيين وغربتهم في وطنهم.

  2. خلافة دارا لأبيه كموبذ للجماعة ورحيله إلى شيراز.

  3. اتصال دارا بالشيخ سعدي واستعادة الوعي، وعي الذات، ووعي الوطن، ووعي الدين.

  4. ظهور البلخي ودخول دارا في عقيدة المعتزلة ومذهب الشافعية.

  5. دخول دارا في عالم التصوف على يد سيد الخانقاه.

  6. لقاء الشيخ العطار في نيسابور وبداية البحث عن قطب الأقطاب.

  7. وصول دارا للعطار لتعويض خساراته الروحية مع سيد الخانقاه.

  8. اتصال دارا بالإسماعيليين في ألموت.

  9. دارا في قزوين أسيرا في يد المغول.

  10. 10.توجّه دارا إلى همدان بأمر من الشيخ الطوسي.

  11. 11.دارا في مراغة ومعايشته لتحولات السلطة.

  12. 12.تشيّع دارا على يد الشيخ الطوسي.

  13. 13.ظهور السلطان محمود الغزنوي، واعتناقه للإسلام.

  14. 14.دارا في خدمة السلطان أوليجايتو بصفته متشيع.

  15. 15.موت السلطان أوليجايتو وتولي ابنه الوزير أبي سعيد السلطة وتصفية أتباع السلطان ومنهم دارا.

أما النوع الثاني من التصفيح التكتوني السردي في الرواية فقد شمل جميع القصص الإطارية التي شكّلت محمولات متخيلة عملت على إذابة المرجعي في المتخيل وترجيح كفّة المتخيل أي الجمالي على الخبري، فهي بدرجة أخف عنفاً في مستوى إحداث النقلات الكبرى التي جعلت من السرد روائيا تاريخيا لا مجرد تاريخ روائي. وتضمن على سبيل المثال: