top of page

"سؤال الفن...سؤال التاريخ"



"ما هو الفن؟!"

قبل الخوض في مسألة أهمية الفن في تشكيل الوعي الفردي والجمعي على حد سواء حول التاريخ، عليّ أن أعرّج قليلا إلى مسألة تعريف الفن ولنسأل هذا السؤال البسيط والعميق في آن (ما هو الفن؟!) وهو ذات السؤال الذي اتخذه الكاتب والأديب الروسي الكبير "ليو تولستوي" عنوانا لكتابه الصادرة ترجمته العربية الأولى عن دار الحصاد السورية عام 1991م و الذي سوف أتخذه لي مرجعا هنا لمحاولة تعريف الفن من وجهة نظر تولستوي وذلك لأن (الفن) لانهائي التعريفات حيث أشبع "فلاسفة الجمال" مسألة التعريف تنظيرا وذلك للارتباط المفاهيمي الوثيق بين الفن والجمال حيث (أن قانون أي فن وهدفه هو الجمال فقط) كما ينقل تولستوي في كتابه عن الكاتب الألماني "فينكل مان"، ويتطرق بإسهاب إلى العديد من المفكرين ونظرياتهم كـ(البروفيسور كراليك في نظريته "الجمال العالمي، تجربة جمالية عامة) و( الكاتب الفرنسي غويو في نظريته "مهام علم الجمال").

يقول ليو تولستوي، بعد عرضه لعدد هائل من الآراء “المتآلفة والمتناقضة“حسب رأيه عن تعريف الفن في حقول علم الجمال بالخصوص وحقول معرفية أخرى:) من أجلِ تعريف الفن تعريفاً دقيقاً، لابدّ قبل كلّ شيء، أن نتوقف عن النظر إليه كوسيلةٍ للمُتعة، وأن ننظر إلى الفن كشرط من شروط الحياة البشرية، وإننا إذا نظرنا إلى الفن هذه النظرة، فلن يكون بوسعنا إلا أن نرى بانّ الفن احدى وسائل اختلاط الناس مع بعضهم البعض. إنّ أي نتاج فني، يعمل على دخول المتلقي في نوع من الاختلاط بمنتجي الفن في الماضي والحاضر وبكل أولئكَ الذين تلقّوا معه أو بعده أو سيتلقّون فيما بعد تلك الانطباعات الفنّية ذاتها. ومثلما تكون الكلمة التي تنقل أفكار الناس وتجاربهم، بمثابة وسيلةٍ توحّد الناس، كذلك بالضبط هو دور الفن. أما سمة وسيلة الاختلاط هذه، والتي تميّزها عن وسيلة الاختلاط بوساطة الكلمة، فتكمن في أنّ الإنسان ينقل أفكارهُ إلى الآخر بواسطة الكلمة، وأما بوساطة الفن فيتبادلُ الناسُ "أحاسيسهم". إن نشاط الفن مبني على أنّ الإنسان، الذي يتلقّى بوساطة السمع والبصر، أحاسيسَ إنسانٍ آخر، بوسعهِ أن يُعاني من تلك الأحاسيس نفسها التي عاناها الإنسان الذي عبّر عنها.!)

أي بتعبير آخر يرى تولستوي بأن الفن هو جسرٌ أثيري يربط بين الفنان والمتلقي لإيصال الأحاسيس المختلفة بهدف مشاركة التجارب العاطفية مع الآخرين. ولا أعتقد بأن هناك أحاسيس وعواطف أعظم تأثيرا في النفس البشرية من العاطفة النابعة من الذاكرة التاريخية التي تربط إنسان الحاضر بالماضي المتمثل في مختلف أحداثه وشخوصه بكل الأبعاد الأيديلوجية المختلفة والأنساق المتعددة.



التأثير والتأثر بين السينما والمسرح:

السينما -وربما نستطيع أن ندمج معها وإن كان بمستوى أقل الأعمال التليفزيونية الدرامية- هي على حد تعبير الكاتب الأمريكي آموس فوغل في كتابه البديع (السينما التدميرية) الذي ترجمه الكاتب السينمائي ولأديب أمين صالح: (أكثر الفنون قوة وفعالية في هذا القرن). وذلك لقيامها على مستوى الوعي واللاوعي في المتلقي بعملية هدم وبناء للأفكار والشكوك والمسلّمات واليقينيات بحيث يكون المُشاهد مأخوذا بقوة الصورة المتحركة على الشاشة مركّزا كل التركيز عليها بما تتضمن من حشد هائل من ممثلين وصور بصرية وموسيقى تصويرية وألوان وإضاءات بحيث تباغته كل هذه الحشود في لحظة واحدة فيعيش كل تلك المشاعر المتمثلة على الشاشة بمختلف أنواعها الحزينة والمبهجة، الخائفة والمطمئنة وهو في حالة خدرٍ لا إرادي نابعٍ من سطوة الصورة وتغيراتها السريعة والمفاجئة على الشاشة بفعل المونتاج وهيمنته الكبيرة على تركيز المتلقي بسبب تداخل الصور السريع من جهة وتضخم الصورة القريبة في عين المشاهد أكثر مما هي في الواقع من جهة أخرى.

أما في المسرح- بشكل عام- فيختلف مستوى التأثير والتأثر عند المتلقي إذ يكون أقل مما هو ناتجٌ من الصورة السينمائية حيث الفرق بين المسرح والسينما هو فرق جوهري لأنه باستطاعة المتفرج أن يظل واعيا لما حوله مقاوما ومحايدا فى المسرح أكثر من قدرته على مقاومة شاشة السينما وهجومها الشرس على وعيه لأنه -كما يقول فوغل- "يعلم بأن الحدث المسرحي لا يستطيع الوصول إليه ومهاجمته، لذلك هو لا يجفل ولا يتوتر مثلما يفعل أمام عنف الشاشة".

ولكن باعتبار أن الفن والفن السينمائي بشكل خاص سلاح ذو حدّين، ألا يكون هذا الانغماس الشعوري واللاشعوري الكامل في الصورة من جهة أخرى سلبيا بحيث يكون استسلام المتفرج الطوعي الخاضع لسطوة الشاشة فرصة لعملية الهدم والبناء وغرس أفكار وأحداث وشخصيات غير حقيقية تاريخيا فيأخذها المتفرج المعمّى على وعيه بمشاعره الجياشة مأخذ اليقين والمسلمات؟! ألا يكون هذا هجوما على الذاكرة الجمعية من جهة الهدم والبناء على حد سواء؟!



السيناريو والتاريخ:

الأعمال الفنية التاريخية والأدبية (الروائية بشكل خاص) هي ليست وثيقة تاريخية صرفه، بل هي مزيج من مخيلة الكاتب والحدث التاريخي. لذلك الإشكالية هنا التي يُشكلها الكثيرون على العديد من الأعمال السينمائية والدرامية التاريخية بشكل عام هي أنها تحتوي على الكثير من الأخطاء التاريخية، غير واعين لمسألة أنه لا يمكن إنتاج عمل فني تاريخي في الحقيقة من غير هذا المزيج الساحر بين المخيلة والحدث التاريخي. حتى يستطيع كاتب السيناريو أن يمشي على الخط الزمني للفيلم بشكل يُقنع المتفرج تكون وظيفة مخيلة الكاتب هنا سد الثغرات التاريخية تارة واستبعاد أحداث لا تخدم القصة المنشودة تارة أخرى. عملية الإقناع هذه للمتفرج هي من جهة نجاح للعمل الفني لأن هناك اتفاق ضمني بين المتفرج والفنان على مسألة الإقناع بما يراه على الشاشة بأنه حقيقي لأنه إذا اختل هذا الشرط بسبب أي ضعف في أحد أبعاد العمل الفني ولنقل التمثيل على سبيل المثال، سيفقد المخرج ثقة المتفرج، وبالتالي سيبوء العمل الفني بالفشل على مستوى التلقي. وتكمن خطورة هذا الاتفاق الضمني أعني (الإقناع) في الأعمال المبنية على الأحداث التاريخية هو إقناع المتفرج بأن بعض الأحداث والأفكار التي ضمّنها كاتب السيناريو أو المخرج لعمل ما هي حقيقة واقعة وليست أحداث من المخيلة، ولنقل بتعبير آخر هي (كذبة صادقة).!

لذلك هناك هوّة خطيرة بين المتلقين وكتّاب السيناريو في الأعمال التاريخية بشكل عام والتي تتمثل في ضعف الوعي المجتمعي العام بصيرورة العمل الفني وطبيعته وبالتالي سهولة انقياد المتلقين من خلال كتّاب السيناريو والمخرجين إلى المناطق التي قد تكون موبوءة بالكثير من الأفكار والأحداث والشخوص التي سيتقبلها غالبية المتلقين على أنها وثيقة تاريخية لا يعلوها غبار من الشك.

ولكن هناك سؤال جوهري يلوح في الأفق أختم به هذه المقالة، وهو ذات السؤال الفلسفي والمعرفي العميق الذي اتخذه الكاتب والمؤرخ البريطاني "إداورد كار" عنوانا لكتابه حول بحثه عن ماهية التاريخ، ألا وهو "ما هو التاريخ؟!"



154 views0 comments
bottom of page