top of page

سيرة الأمة: من الأمة الخالدة إلى الجماعات المتخيّلة


رابندرانات طاغور (1861-1941)

لرابندرانات طاغور (1861-1941)، الشاعر والكاتب الهندي المعروف، رواية بعنوان "غورا". كتب طاغور هذه الرواية باللغة البنغالية، ونشرها متسلسلة في مجلة شهرية منذ العام 1907 حتى العام 1910. وهي واحدة من أطول روايات طاغور الاثنتي عشرة، وتقع، في الترجمة الإنجليزية (طبعة بنغوين 2009)، في (544 صفحة)، فيما تقع، في الترجمة العربية، في (630 صفحة). تدور أحداث الرواية في كلكتا في ثمانينيات القرن التاسع عشر إبان الحكم البريطاني للهند. و"غورا" هو اسم بطل الرواية (وهو اختصار لاسم البطل الأصلي، غورمهان، ويعني باللغة البنغالية الأشقر). كان غورا أشقر بالفعل، لكنه كان هندوسيًا شديد التديّن، ويؤمن بنظام الطبقات الاجتماعية والأوامر والنواهي الهندوسية التقليدية بصورة صارمة. لم يكن غورا يأكل من الطعام التي تعدّه خادمة منزلهم لأنها مسيحيّة وهو هندوسيّ من عائلة برهمانية. وبلغ تشدّد غورا الدينيّ إلى حدّ أنه لم يكن متردّدًا في قطع علاقته بصديق طفولته القريب، بينوي، لا لشيء سوى أن هذا الأخير، وهو هندوسي برهماني أيضًا، قرّر الزواج من فتاة من طائفة أخرى مخالفًا بذلك التقاليد الهندوسية. كان غورا، كذلك، هنديًّا قوميًّا متعصبًا ومعاديًا لـكل ما هو إنجليزيّ، وكان ينتهز الفرص ليتشاجر مع أيّ إنجليزيّ يراه في الشارع، كما أنه أسّس "جمعية الوطنيين الهندوس" في تعبير واضح عن قوميته الهندوسيّة التي كان يؤمن بها.

رواية بعنوان "غورا"

يمثّل غورا مثال الهندوسي القومي المتشدّد الذي يؤمن بأن الهند هندوسية، وأن "الهندوس يشكّلون أمة، بل أمة ممتدّة". ومثل أيّ قوميّ شديد التديّن، كان غورا مقتنعًا أشدّ الاقتناع بأن انتماء المرء إلى أمة ما هو أمر مقرّر سلفًا قبل الولادة بزمن طويل. إلا أن كل هذه التصوّرات انقلبت رأسًا على عقب في نهاية الرواية؛ إذ تبيّن أن غورا لم يكن هندوسيًّا بالولادة، بل كان ابن عائلة بريطانية (إيرلندية الأصل)، وأن والده الإيرلندي قُتل في تمرّد العام 1857، ولجأت والدته الى بيت كريشنادايال وآنانداموا لتموت بعد ولادته بوقت قصير. كان غورا ينوي الذهاب بعيدًا في تطبيق الطقوس الهندوسية البرهمانية، لكنّ أباه بالتبنيّ، كريشنادايال، شعر بخطورة الأمر، فاضطر إلى مصارحته بالحقيقة؛ لأن هذا الأب الذي كان متحرّرًا يوم تبنّى غورا الرضيع، صار هندوسيًّا متشدّدًا في آخر أيامه. ويعرف الأب أن بعض الطقوس الهندوسية محرّمة على غير الهندوس البرهمانيين بالولادة. وبناءً على هذا التحريم، ليس لغورا الحق في الدخول إلى قلب الديانة الهندوسية؛ لأن "كل قطرة دم في عروقك"، كما قال له كريشنادايال، "وكل جسدك من رأسك إلى أخمص قدميك يقاومها. لا تستطيع فجأة أن تصبح هندوسيًّا ولو كانت عندك الرغبة في ذلك، فالموضوع غير قابل للتحقّق، ينبغي أن تستحقّ ذلك خلال حيوات عديدة سابقة لولادتك". وفجأة بدا لغورا أن كل ماضيه لم يكن سوى "حلم خارق وخرافي، فجأة تحوّلت الأسس التي كان يشعر أن حياته تستند إليها منذ الطفولة إلى غبار، فلم يعد يعرف أين هو ولا ما هي حقيقته". هل من المعقول أن يكون البريطانيون الاستعماريون الذين كان يكرههم من صميم قلبه هم أمته وأقرب الناس إليه بحكم الأصل وقرابة الدم البادية بجلاء في شقرته؟! شعر غورا، في البداية، بأن الأرض التي يقف عليها قد انهارت، وأن الأسس التي بنى كامل حياته عليها قد تهاوت، وأصبح فجأة في المهبّ، ومعلّقًا في الهواء، أو ساقطًا في هاوية سحيقة. لكن غورا شعر، في الوقت ذاته، بشيء من الارتياح كما لو أنه ألقى عن كاهله عبئًا ثقيلًا، فصار حرًّا بعد اكتشاف الحقيقة المُرّة. أصبح غورا يرى نفسه ابن الهند كلها، ابن "الهندوسيّ والمسلم والمسيحيّ"، وكأن حياته بدأت من جديد. في خاتمة الرواية يخاطب غورا آنانداموا، أمه التي تبنّته وربّته بعد وفاة والدته الإيرلندية: "أنتِ أمي، أيتها الأم، الأم المتخيّلة التي كنت أبحث عنها في رحلاتي وتطوافي". يقدّم طاغور، في هذه الرواية، خلاصة الجدل الذي دار ولا يزال يدور حول الأمة والإشكاليات الكثيرة المتصلّة بها. ما الأمة؟ هل يُولد الناس أمة بحيث ينتمون إلى الجماعة العرقية والدينية واللغوية واللونية الأصليّة بحكم الولادة أم إنهم يصيرون أمة بحكم التنشئة والتكوين؟ وهل الأمة مسألة اختيار أم إنها مسألة مقرّرة سلفًا؟ يذكّر ما يقوله غورا عن الأم المتخيّلة بما سيقوله بندكت أندرسون في العام 1983 عن الجماعة أو الأمة المتخيلة، كما يذكّر بما قاله إرنست رينان في العام 1882 عن الأمة التي لا ننتمي إليها بحكم الولادة بالضرورة، والأمة التي لا توجد في دم عروقنا ولون بشرتنا بالضرورة، بل الأمة بما هي فكرة في الرأس، ورغبة في العيش المشترك، وإرادة تقاسم الذاكرة والنسيان معًا. إن غورا إيرلندي (بريطاني) من حيث الدم لكنه كان يكره البريطانيين الاستعماريين، وكان يعتقد أنه هندوسي برهماني، وينتمي إلى الأمة الهندوسية منذ الولادة، بل قبل الولادة؛ لأن المرء لا يكون برهمانيًا إلا نتيجة استحقاق في حيوات سابقة، لكن هذا الاعتقاد برمته لم يكن سوى وهم. ما الأمة إذن في نظر غورا بعد أن تحرّر من هذا الوهم؟ وماذا عساه يكون بعد اكتشاف الحقيقة؟ هل يكون إيرلنديًّا بما أن الدم الإيرلنديّ يجري في عروقه؟ هل يستمرّ هندوسيًّا شديد التديّن بحكم التنشئة الهندوسيّة التقليدية؟ هل الأمة مسألة اختيار، وأن على غورا، بعد أن أصبح متحرّرًا من الانتماء لأية أمة أصليّة، أن يختار ماذا يريد أن يكون؟ حسم طاغور هذه المسألة عندما جعل غورا يختار، في نهاية الرواية، أن يكون إنسانًا فقط، ووطنيًّا ينتمي إلى كل الهند بهندوسها ومسلميها ومسيحيّيها ومختلف دياناتها، هكذا ضاربًا عرض الحائط بالدم الإيرلنديّ الذي يجري في عروقه، وبالأصل الهندوسيّ المتوهّم الذي تنشّأ عليه. يقدّم طاغور، في هذه الرواية، خلاصة الجدل الذي دار ولا يزال يدور حول الأمة والإشكاليات الكثيرة المتصلّة بها. ما الأمة؟ هل يُولد الناس أمة بحيث ينتمون إلى الجماعة العرقية والدينية واللغوية واللونية الأصليّة بحكم الولادة أم إنهم يصيرون أمة بحكم التنشئة والتكوين؟ وهل الأمة مسألة اختيار أم إنها مسألة مقرّرة سلفًا؟ لهذه الأسئلة التي تناولها طاغور روائيًّا إجابتان أساسيتان في التفكير النظريّ الذي دار حول مسألة الأمّة منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم. وتنتمي الإجابتان إلى نموذجين أوروبيين متعارضين بتعارض تاريخ الأمتين الألمانيّة والفرنسيّة على وجه الخصوص. ولنبدأ أولًا بالنموذج الألمانيّ الذي يعتبر يوهان فيخته أبرز ممثّل له.

يوهان فيخته

يوهان فيخته: تأليه الأمّة الخالدة

لم يكن يوهان فيخته، بالتأكيد، هو من اخترع هذا التصوّر الذي يؤلّه الأمة. وترجع أبرز صياغة أولية لهذا التصوّر عبر تحديد الأمة كظاهرة طبيعية "عضوية" إلى يوهان هيردر (1744-1803)، أحد أبرز آباء القوميّة الألمانيّة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. دافع هيردر عن تصوّر يرى أنّ الرابطة بين الشعب رابطة طبيعية، وأن "الطبيعة تنشئ روابط بين مجموعة من البشر، ولذلك فإن الحالة الأكثر طبيعية هي أن يكون هناك شعب واحد له شخصية قوميّة واحدة. ويتم الحفاظ على هذه الشخصية القوميّة داخل الشعب على مدى آلاف السنين، ويمكن تطويرها بشكل طبيعي أكثر إذا رغب أميرها المحليّ في ذلك، فالشعب هو نبت طبيعي بقدر ما هو رابطة بمزيد من الفروع. ولذلك لا شيء يبدو أكثر تناقضًا مع الغاية الحقيقيّة للحكومات من التوسّع اللاطبيعي للدول، والاختلاط الجامح للأجناس والأمم تحت صولجان واحد". لا يمكن فهم نظريّة هيردر في السياسة وفي الأمّة والدولة من دون هذه المماثلة التي يقيمها بين الأمّة و"الكائن العضوي". إن "المفهوم الأساسي في نظريّة هيردر السياسيّة يكمن في مفهوم الكائن العضوي". إن الدولة، بالنسبة إليه، مجرد جهاز مصطنع (أي غير عضوي)، بُني ليخدم غايات محدودة للغاية، أما الأمّة فهي ظاهرة طبيعية وعضوية بالدرجة الأساس. ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أن الأمّة تنمو بصورة طبيعية مثلها مثل أي كائن حيّ، حيث لم يصنعها صانع على نحو مصطنع كما هو الحال مع الدولة بما هي كيان يصنعه البشر. ثم إن ما يصنعه البشر يمكن أن يدمّره البشر، أما "الكائن العضوي" الحيّ فهو أكبر من خيارات البشر وقراراتهم؛ لأنه يمتلك مساره الطبيعي الخاص ذاتي النمو والتطور. ويعتبر يوهان فيخته أبرز مفكر ألمانيّ قدّم صياغة مكتملة لهذا التصوّر الألمانيّ عن الأمّة كظاهرة أو حقيقة طبيعية، وذلك في خطاباته الشهيرة إلى الأمّة الألمانيّة في العامين 1807 و1808. ألقى فيخته هذه الخطابات في أكاديمية العلوم في برلين تحت وقع الهزيمة الألمانيّة المُرّة، وإبان خضوع العديد من الولايات الألمانيّة تحت الاحتلال الفرنسيّ المباشر وغير المباشر. كان ثمة إحساس عام بالهزيمة القاسية والخسارة الفادحة للوطن وللاستقلال. وكان على فيخته، الفيلسوف القوميّ الألمانيّ المتحمّس، أن يستنهض، في نفوس الألمان، روح الحماسة والشجاعة والفخر بالعظمة الألمانيّة للارتقاء فوق الإحساس المشلّ بسبب الهزيمة والاحتلال. وبالنسبة لفيخته، فإن انتظار الإنقاذ من الخارج يعني فقدان الثقة بالذات، وأن الشعب لا يفعل شيئًا بذلك سوى أنه يستبدل احتلالًا مكان آخر. وعلى هذا، ينبغي على فيخته أن يبتكر طريقة إنقاذ ذاتية، نابعة من "الذات الألمانيّة". وحتى يصل فيخته إلى هذه الطريقة، كان عليه أن يقدّم تفسيرًا للهزيمة، لماذا سقطت الولايات والمقاطعات الألمانيّة واحدة تلو الأخرى تحت نير الاحتلال الفرنسيّ؟ ترجع الهزيمة، بحسب فيخته، إلى أسباب أولها الأنانية، أي تغليب مصالح الأفراد على حساب "الكل"، وليس هذا "الكل" سوى الأمّة الألمانيّة التي تفكّكت. وبناء على هذا التفسير، فإن الخلاص يكمن، بحسب فيخته، في نوع من "التربية الروحية الأخلاقية" التي ترتقي بالفرد ليكون جزءًا من "الكل"، بحيث يكون الفرد على استعداد كامل لتقديم أثمن ما لديه حتى حياته من أجل هذا "الكل" العظيم. وهنا يبدو فيخته خصمًا لليبراليين، فهو يرى أن الخطأ القاتل في التربية القديمة يكمن في اعترافها بحرية إرادة الفرد (الطالب)؛ لأنه يرى أن الاعتراف بهذا النوع من حرية الإرادة يجعل الفرد حائرًا بين "الخير والشر"، في حين كان ينبغي على التربية أن "تهدم الفعل الحر" من خلال وضع "الإرادة" الفردية تحت السيطرة المطلقة لـ"الكل"، بحيث لا يعود أمام الأفراد من خيار بين الخير والشر. يعرّف فيخته الشعب بأنه "مجموع الناس الذين يواصلون العيش معًا في المجتمع، ويخلقون أنفسهم بأنفسهم بصورة طبيعية وروحية لا ينبغي أن يُفهم من هذا أن فيخته يسعى على اختراع أمّة من العدم عبر هذا النوع من التربية الأخلاقية الروحية، بل هو يرى أن هذا النوع من التربية يمكنه أن يوقظ ذلك الإحساس بأمّة واحدة ومتجذّرة في نفوس الأفراد. ما هي هذه الأمّة تحديدًا؟ وعلام ترتكز من عناصر ومقوّمات؟ يرى فيخته أن الأمّة الألمانيّة ترتكز على حدّين أساسيين: الوطن الأم، واللغة الأم. إن ما يميّز الألمان عن الأوروبيين الذي يلتقون مع الألمان في "العرق الجرماني"، بحسب فيخته، يكمن في حقيقتين: الأولى أن هؤلاء الأوروبيين انتقلوا إلى بلاد أجنبية، والثانية أنهم تحدّثوا بلغات أجنبية، فيما بقي الألمان في وطنهم الأم، واحتفظوا بلغتهم الأم. والذي يدفع فيخته إلى التشديد على اللغة هو اعتقاده بأن اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل ونظام من العلامات الاعتباطية حتى يكون استبدالها مسألة هيّنة، بل إن اللغة، عنده، "نظام ضروري وطبيعي" بالغ الأهمية، ويذهب فيخته إلى القول بأن "اللغة تكوّن البشر أكثر مما يكوّن البشر اللغة". وهو تصوّر عن اللغة سيأخذه القوميّون العرب عن فيخته بحذافيره من أجل تأسيس رابطة ضرورية بين أقطار الأمّة العربيّة. يعنينا، هنا، الخطاب الثامن من بين خطابات فيخته؛ لأن فيخته يقدّم، في هذا الخطاب، مفهومه الخاص عن الأمّة والشعب والوطنيّة. وهو المفهوم الذي ترتكز عليه معظم التنظيرات والأفكار القوميّة اللاحقة بما فيها الفكر القوميّ العربي الحديث كما سنرى. ينتقد فيخته، في هذا الخطاب، التصوّر الدينيّ المسيحيّ الذي يرفض الدولة والأمّة والوطن الأرضيّ، ويرى أن مملكة المسيح ليست من هذا العالم. إلا أنه ينطلق، في الوقت ذاته، من هذا التصوّر الدينيّ في محاولة منه لإضفاء طابع "إلهي" و"مقدّس" ومتعالٍ على الأمّة. إن ما تتمتع به "الحقيقة الإلهية" من سمو وخلود ينبغي أن ينتقل إلى "الأمّة". إن الحافز الطبيعي للبشر ليس البحث عن الفردوس في السماء كما في التصوّر الدينيّ، بل إيجاد هذا الفردوس على الأرض، وذلك عبر وضع حيوات الأفراد القصيرة والفانية في خدمة ذلك الوجود السامي والخالد للأمّة والشعب. يعرّف فيخته الشعب بأنه "مجموع الناس الذين يواصلون العيش معًا في المجتمع، ويخلقون أنفسهم بأنفسهم بصورة طبيعية وروحية. إنه المجموع الكلي الذي نشأ معًا تحت قانون خاص ومعيّن للتطور الإلهي". ويتمثّل هذا القانون ذو الطابع الإلهي الذي يوحّد الأمّة أحياءً وأمواتًا في الإيمان بخلود الأمّة كما لو كان "الإلهي قد تجلّى في هذا الشعب" بكامل سموه وخلوده. لا يميّز فيخته بين الأمّة والشعب، فهو يستخدمهما كمترادفين، لكنه يميّز بين الأمّة/الشعب والدولة. إن الدولة، عنده، مجرد تنظيم سياسيّ اجتماعي لتسيير شؤون البشر، في حين أن الأمّة هي التجسيد الفعلي للخلود الإلهي. وبدل أن تسيطر الدولة على الأمّة، يطالب فيخته بقلب هذه المعادلة، بحيث تسيطر الأمّة على الدولة سيطرة مطلقة ونهائية، بحيث تجعل الوطنيّةُ (حب الوطن) الدولةَ في خدمة الأمّة، حتى لو تسبّب ذلك في التضحية بالحقوق والملكيات والسلام الداخلي، بل حتى لو تسبّب ذلك في ضياع الدولة برمتها؛ والسبب هو أن هناك غاية أسمى من الدولة، وأسمى من الحفاظ على السلام الداخلي، والممتلكات، والحريات الشخصية، وحياة الجميع، ورفاهيتهم، ما هي هذه الغاية السامية؟ إنها البقاء السامي والخالد للأمّة والوطن الأم. إن الدولة، عند فيخته، لا تستحقّ أن تكون غاية بحد ذاتها، بل هي مجرد وسيلة لغاية أسمى وهي خلود الأمّة. إن الدولة بناء بشري، فيما الأمّة تجلٍ إلهي أسمى. فكما كان لـ"الإله" سلطة مطلقة على عباده، فكذلك ينبغي أن تكون للأمّة سلطة مطلقة على أفرادها، حتى لو خاطرت بحياتهم وحقوقهم وكياناتهم السياسيّة. إن رفع الأمّة إلى مرتبة "الإله" الطبيعي يعني جعلها فوق الجميع، فوق الأفراد والدولة سواء بسواء. وهنا يتضح مدى تأثير السياق التاريخي في هذا التصوّر الذي يقدّمه فيخته للألمان. إن فيخته يعرف أن الألمان موزّعون على أكثر من كيان سياسيّ (ولايات ومقاطعات)، وهو يشاهد، بألم وحسرة، هذه الكيانات السياسيّة تخضع للاحتلال الفرنسيّ واحدة تلو الأخرى. وعلى هذا، فقد كانت المهمة التي وضعها نصب عينيه هي أن يقدّم صياغة متحمّسة لفكرة تكون قادرة على إنقاذ الأمّة من هذين المأزقين معًا: الاحتلال، وتفتّت الأمّة بتوزّعها على أكثر من كيان سياسيّ. يريد فيخته أن يقول بأن الأمّة، بما هي جامعة الوطن الأم واللغة الأم والتجسيد الأرضي للإلهي الخالد، هي أكبر من الدول والكيانات السياسيّة البشرية. وعلى هذا، فإن كل إنسان يتحدّث الألمانيّة هو جزء من "الوطن الأم" للألمان، حتى لو عاش على كيانات سياسيّة مختلفة، كما أن احتلال الدول والكيانات السياسيّة لا يعني ضياع الوطن واحتلال الأمّة وخلودها السامي. إن الدولة شيء، والأمّة (والوطن الأم) شيء آخر، فيمكن للدول أن تنهار أو تخضع للاحتلال، إلا أن هذا لا يعني انهيار الأمّة واحتلال "الوطن الأم".

أرنست رينو (بالفرنسية: Ernest Renan)‏ (28 فبراير 1823 - 1892)، مؤرخ وكاتب فرنسي

إرنست رينان: النسيان، وإرادة العيش المشترك، وبناء الأمّة

يقع مفهوم الأمّة، كما يقدّمه المستشرق الفرنسيّ المعروف إرنست رينان (1823 - 1892)، على الضدّ من الفهم التأليهي المتعالي للأمّة الذي قدّمه يوهان فيخته إبان الاحتلال الفرنسيّ لألمانيّا. يقطع رينان الرابط الذي أقامه الألمان بين الأمّة والكائن العضوي، فالأمّة، عنده، ليست كائنًا عضويًا، بل هي بناء يُبنى ويُصنع بإرادة البشر وقرارهم، وينهار، كذلك، بإرادة البشر وقرارهم. وهذا قلب جذري للنموذج الألمانيّ عن الأمّة. وعلى غرار فيخته، قدّم رينان تصوّره عن الأمّة في محاضرة ألقاها في جامعة السوربون في 11 مارس 1882، أي بعد سبعة عقود من خطابات فيخته إلى الأمّة الألمانيّة في أكاديمية العلوم في برلين، وبعد سنوات قليلة من هزيمة فرنسا المذلّة أمام الألمان في حرب العام 1870. إلا أن التشابه بين الاثنين، خطابات فيخته ومحاضرة رينان لا يتعدّى هذه الظروف والمعطيات الخارجية. فقد قدّم رينان، في محاضرته، مفهومًا للأمّة يقع على الضدّ من مفهوم فيخته، وعلى كل المستويات ومن جميع النواحي. يبدأ رينان محاضرته بفكّ الارتباط المفترض بين الأمّة والكائن العضوي، فالأمّة بناء بشري كما الدولة. يترتّب على هذا نتيجة أخرى، وهي قطع الصلة المفترضة أيضًا بين الأمّة والعرق، فالأمّة لا تتطابق مع العرق على الضد من النموذج الألمانيّ. وعلى هذا لا ينبغي سحب تصوّراتنا عن العرق على الأمّة، فالأمّة شيء، والعرق شيء آخر، وهي مسألة سيعود رينان إلى التفصيل فيها. وعلى الضد من مفهوم فيخته عن الأمّة كجوهر ضارب في عمق التاريخ، فإن رينان يعمد إلى قلب هذا التصوّر رأسًا على عقب، حيث الأمّة، عنده، مفهوم حديث إلى حدّ كبير، وأن العصور القديمة لم تعرف هذا النوع من الأمم، فلم تكن مصر والصين والكلدانيون والآشوريون القدماء وفارس وأثينا وإسبرطة وصيدا وصور والغاليين والرومان وغيرهم، لم تكن كل هذه التكوينات أممًا بأي حال من الأحوال. نعم كانت تتبنّى نوعًا من التنظيم الإداري الذي يصغر ليكون بحجم الدول-المدن أو يكبر ليكون بحكم الإمبراطوريات الضخمة، إلا أن كل هذه التنظيمات الإدارية لم تكوّن ما يسميه رينان بـ"الأمّة". وسيعمد رينان إلى عملية يشبّهها بعملية التشريح، إلا أنها ليست تشريحًا لجسم الكائن الحي، بل لحزمة المفاهيم المتداخلة (الأمّة، الشعب، العرق، الجماعة الدينيّة، الجماعة اللغوية...) حتى يستخلص، من بين أنسجة هذه المفاهيم المتداخلة، المفهوم الصحيح الذي يتبنّاه للأمّة. ويمضي رينان قُدمًا في خطوة أكثر جرأة في قلب النموذج الألمانيّ. إن الأمّة ليست مفهومًا حديثًا وحسب، بل أكثر من ذلك، إنها لا تتأسّس على التاريخ بالضرورة، بل هي تتأسّس، على العكس من ذلك، على النسيان والخطأ التاريخي. إن التاريخ والدراسات التاريخية، بحسب رينان، خصم لدود لتكوين الأمّة، ولهذا فهو يرى أن تقدّم الدراسات التاريخية يمثّل تهديدًا لوحدة الأمّة. والسبب أن الدراسات التاريخية ستذكّر الناس الذين أصبحوا جزءًا من أمّة واحدة بالكثير من الخلافات والصراعات وحتى المذابح التي كانت بين أسلافهم قبل الوحدة القوميّة، الأمر الذي يهدّد بتفكّك الأمّة إلى أجزائها القديمة. إن جوهر الأمّة، كما يقول رينان، يكمن في أن "جميع أفرادها لديهم الكثير من القواسم المشتركة، وأن يكونوا، أيضًا، قد نسوا أشياء كثيرة. لا يعرف أي مواطن فرنسي اليوم ما إذا كان بورغونديًا أو آلانيًا أو تيفاليا أو قوطًيا غربيًا. لقد نسي كل مواطن فرنسي مذبحة سان بارتيليمي ومذابح القرن الثالث عشر في ميدي". كان فيخته يرى في جوهر الأمّة تجسيدًا للحقيقة الإلهية السامية والخالدة، فيما يذهب رينان إلى أنها بناء تصنعه إرادة البشر وقرارهم بعد أن ينسوا الكثير من تواريخهم. لا شيء إلهي في الأمّة، لا من حيث السمو والتعالي، ولا من حيث الخلود والأبدية، بل هي بناء بشري وتكوين تاريخي، أي إنه كيان كوّنه بشر ما، وفي لحظة تاريخية ما، وفي سياقات وظروف وملابسات معينة. وهذا يعني أن الأمّة كيان ينسحب عليها ما ينسحب على كل الكيانات البشرية التاريخية من قصور، وتغيّر، وتدهور، وفناء.

لوحة لفرنسوا دبوا،مذبحة سان بارتيليمي

ولكن هل يمكن أن تتغيّر حدود الأمم أو حتى أن تفنى من الوجود؟ بالنسبة إلى رينان، فإن هذا المصير ممكن من حيث المبدأ؛ لأن "الأمم ليست أبدية، فلكل الأمم بداية، وسيكون لها نهاية"، وهو يتنبّأ بأن اتحادًا أوروبيًا قد يحلّ محلّ الأمم الأوروبية القائمة آنذاك. إلا أن رينان يرى أن هذا المصير المحتمل لن يتحقّق قريبًا؛ لأن قيام النظام الدولي، في العصر الحديث، على مبدأ سيادة الدول الوطنيّة جعل تغيير حدود الدول الوطنيّة مهمة صعبة جدًا. وعلى هذا، فإن "فرنسا وإنجلترا وألمانيّا وروسيا ستبقى لمئات السنين، وعلى الرغم من كل ما ستختبره خلال ذلك، ستبقى هذه الدول هي الكيانات التاريخية، والقطع الأساسيّة من رقعة الشطرنج التي ستختلف مربعاتها بلا توقّف من حيث الأهمية والعظمة، لكن أحدها لن يذوب تمامًا في الآخر". وهنا يقيم رينان رباطًا لا فكاك له بين الأمّة والدولة. إن الدولة تصنع الأمّة، ويُفهم من كلام رينان أن المجاميع البشرية التي تعيش خارج إطار دولة وطنية يمكنها أن تكون أي شيء (قبائل، أعراق، جماعات دينيّة ولغوية...إلخ)، لكنها ليست أممًا مهما بلغت درجة التجانس فيما بينها. ويترتّب على هذا أنه لا يمكن أن توجد مجموعة أمم داخل دولة واحدة. ماذا يحصل إذا تكوّنت أكثر من أمّة في الدولة؟ بحسب رينان، فإن هذا لا يمكن إلا في الدول الإمبراطورية التي لم تعرف الأمّة أصلًا كما هو الحال مع الإمبراطورية العثمانية التي فشلت في صهر جميع الجماعات والإثنيات في أمّة واحدة. إن سكان الإمبراطورية العثمانية، بحسب رينان، لا يشكّلون أمّة؛ لأن "الأتراك، والسلافيون، واليونانيون، والأرمن، والعرب، والسوريون، والأكراد، يتميّزون اليوم تمامًا كما كانوا يوم الفتح العثماني"، أي إن هذه الدولة الإمبراطورية فشلت في دمج هؤلاء في أمّة واحدة. ولهذا ينبغي احترام قرار هذه الجماعات بالانفصال عن هذه الدولة وتكوين دولها الخاصة. ويترتّب على هذا أمر آخر، وهو أن رضى الجماعات داخل الدولة وعدم تمرّدها، وعدم مطالبتها بالانفصال، يعني، بحسب رينان، أنها تريد أن تكون جزءًا من أمّة الدولة. يهوّن النموذج الألمانيّ لدى فيخته من أهمية الدولة ودورها في تكوين الأمّة باعتبار أن الدولة مجرد كيان بشري مصطنع لتحقيق أهداف محدّدة ومحدودة من حيث سموها وعظمتها، على أساس أن السمو والعظمة للأمّة لا للدولة، وأن على الأمّة أن تسيطر على الدولة سيطرة كاملة ومطلقة؛ من أجل تسخير الدولة لخدمة غايات الأمّة العظيمة، حتى لو أدّى ذلك إلى التضحية لا بالحقوق والحريات والملكيات والسلام والأمن العام (أي أغراض الدولة المحدودة)، بل بالدولة برمتها. وعلى الضدّ من هذا التصوّر، يرفع النموذج الفرنسيّ، لدى رينان، الدولة إلى المرتبة العليا، ويوكل إليها أعظم مهمة تاريخية وهي تكوين الأمّة أو تحقيق الانسجام والتجانس والاندماج بين إثنيات وقبائل وجماعات مختلفة. ويذهب رينان إلى القول بأن تكوين الأمّة الفرنسيّة – أي الوحدة الوطنيّة بين الفرنسيّين - سبق قيام الثورة الفرنسيّة في العام 1789، وأن النظام الملكي الفرنسيّ يمثّل "النموذج المثالي للصانع الدنيوي الذي كوّن أفضل وحدة وطنية على الإطلاق". إن اختلاف مسارات تكوين الأمّة والدولة بين الألمان والفرنسيّين فرض هذا النوع من الاختلاف بين النموذج الألمانيّ (فيخته) والنموذج الفرنسيّ (رينان). كان الألمان أشبه بأمّة تبحث عن دولة واحدة بمقاس الأمّة، فيما كانت فرنسا مثالًا نموذجيًّا للدولة التي صنعت أمّة على مقاسها تمامًا. كوّنت الأمّة، في ألمانيّا، دولتها في العام 1871 بعد قرون طويلة من ظهور القبائل الجرمانية على مسرح الأحداث عندما أطاحت هذه القبائل بالإمبراطورية الرومانيّة في العام 476 الميلادي، فيما بدأت الكيانات السياسيّة والسلالات الحاكمة الفرنسيّة، منذ القرن العاشر الميلادي مع الفرانكيين، في تكوين الأمّة الفرنسيّة. أما السؤال الذي استأثر باهتمام رينان فهو التالي: على أي أساس تتأسّس الأمم؟ هل على العرق أم اللغة أم الدين أم المصلحة أم الجغرافيا؟ يخلص رينان إلى أن الأمّة لا تتأسّس على أيّ من هذه الأسس التي نتوهّم أنها تكوّن أساس أي أمّة. إن العرق لا يؤسّس الأمّة على خلاف النموذج الألمانيّ، لا لأنه لا توجد أعراق نقيّة فحسب، بل لأن كل الأمم القوميّة اليوم تتألّف من مزيج من الأعراق المختلفة، ففرنسا أمّة سلتية وإيبيرية وجرمانية، وألمانيّا أمّة جرمانية وسلتية وسلافية، وإيطاليا تكوّنت من هجرات غالية وإتروسكانية وبيلاسجية ويونانية، وبريطانيا تكوّنت من مزيج يصعب فصله من الدم السلتي والألمانيّ. ورينان يذهب إلى أبعد من ذلك ليقول بأن "العرق هو شيء يمكن صنعه وتفكيكه". وما فعله رينان مع العرق سيطبّقه على اللغة والدين والمصلحة والجغرافيا، حيث سيعمد إلى التأكيد على أن حدود الأمم لا تتطابق بالضرورة مع هذه الأسس. إن اللغة عامل مهم في أية أمّة، ولكن ليس على طريقة فيخته؛ لأن اللغة لا تكوّن الأمّة، بدليل أن الولايات المتحدة الأمريكية تتحدّث اللغة الإنجليزيّة كما بريطانيا وكندا وأستراليا وغيرها من الأمم الناطقة بالإنجليزيّة، إلا أن ذلك لا يجعل من هذه الأمم أمّة واحدة. وعلى الضدّ من هذا، فإن سويسرا كوّنت أمّة واحدة مع أنها تشتمل على ثلاث أو أربع لغات. إن الدين، كذلك، ليس أساسًا للأمّة؛ لا لأن العديد من الأمم تضمّ في داخلها العديد من الأديان وأكثر من جماعة دينيّة فحسب، بل لأن العلمنة أزاحت الدين من المجال العام، فـ"لم يعد هناك أي دين للدولة، ويمكن للمرء أن يكون فرنسيًا أو إنجليزيًا أو ألمانيّا بينما يكون كاثوليكيًا، أو بروتستانتيًا، أو يهوديًا، أو شخصًا لا يمارس أي دين. لقد أصبح الدين شأنًا فرديًا، ويتعلق بضمير كل فرد". أما المصلحة المشتركة فهي مسألة مهمة لعقد الاتفاقيات التجارية، لكن الأمر مع تكوين الأمم مختلف. والجغرافيا، كذلك، لا تكوّن حدود الأمم بالرغم من أهميتها؛ لأن السلاسل الجبلية التي فصلت بين أمتين في حالة ما، يمكنها أن توجد على أراضي أمّة واحدة في حالة أخرى، والنهر الذي يربط بين الأراضي يمكنه أن يفصل بين الأمم. إن حدود الأمم، بمعنى آخر، لا تتطابق مع تضاريس الجغرافيا بالضرورة. ماذا بقي إذن من أساس يمكن أن تبنى عليه الأمم؟ يخلص رينان إلى أن الأمّة مبدأ روحي بالدرجة الأساس، أي إن تكوين الأمّة يعتمد على إرادة البشر وقرارهم بصرف النظر عن تجسّد ذلك في قواسم مشتركة على أساس العرق، أو اللغة، أو الدين، أو المصالح، أو الجغرافيا. إن الأمّة تبنى بناءً، وأن هذا البناء يرتكز على أساسين، أساس في الماضي، وأساس في الحاضر، "الأول هو امتلاك قواسم مشتركة لإرث ثري من الذكريات؛ فيما الآخر هو القبول الراهن، والرغبة في العيش معًا، والرغبة في مواصلة الاستثمار في التراث الذي تلقيناه معًا". في موضع آخر، يعبّر رينان عن ذلك بأنه الضمير الأخلاقي الذي يتكوّن بين مجموعة من البشر، أي إنه خيار وقرار ترى هذه المجموعة أنه خير لها. ولأنه خيار لهؤلاء الذين يريدون أن يكوّنوا أمّة، فإن هذا الخيار ينبغي أن يكون له الاعتبار الأول، حتى لو طالبت هذه المجموعة بالانفصال عن الدولة وتكوين دولتها الخاصة. وهو ما يعبّر عنه رينان حين يقول بأن "وجود الأمّة هو استفتاء يوميّ"، فموافقة الناس والتزامهم بالعيش معًا في دولة واحدة هو الذي يكوّن هذه الأمّة.

إرنست غيلنر

3. إرنست غلنر: القوميّة واختراع الأمّة ينتمي فيخته ورينان إلى عصر علماني حلّت فيه أفعال البشر ومبادراتهم محلّ تدخّلات الآلهة المعجزة والخارقة. إلا أن هذا العصر العلماني لم يكن يخلو من التقديس، لكنه تقديس انزاح من مجال الدين إلى مجال آخر، وهو مجال الأمم والقوميّات والدول التي أصبحت مصادر الشرعية المعتبرة في العصر الحديث. إن تقديس الأمّة (العرق) الموزّعة على أكثر من دولة لدى فيخته يقابله تقديس الدولة صانعة الأمّة الموحّدة، أو الأمّة صاحبة إرادة العيش المشترك لدى رينان. إلا أن الدراسة العلميّة للأمّة والقوميّة والدولة تتطلب نزع هالة القداسة التي ميّزت خطابات فيخته ومحاضرة رينان. وإذا تجاوزنا طابع التقديس، تقديس الأمّة وتقديس الدولة، في هذين الخطابين، سيتبيّن لنا أن المسألة تكمن، لدى الاثنين، في الحدود: حدود الأمّة وحدود الدولة. هل حدود الأمّة هي الأولى بالاعتبار، حتى لو امتدّت على أكثر من دولة من الدول كما لدى فيخته، أم حدود الدولة الواحدة التي تصنع أمتها الخاصة بإرادتها المستقلة كما لدى رينان؟ اكتسبت هذه المسألة اهتمامًا أكبر بعد محاضرة رينان بقرن كامل، وتحديدًا في العام 1983 مع كتابين أساسيين مثّلا تحولًا جذريًا في دراسات القوميّة على ما بينهما من اختلافات طفيفة: الكتاب الأول هو كتاب "الأمم والقوميّة" لإرنست غلنر (1925 - 1995)، الأنثروبولوجي البريطاني/التشيكي الذي قدّم أشهر نظريّة حداثية في تفسير القوميّة، والكتاب الثاني هو كتاب "جماعات متخيّلة" لبندكت أندرسون (1936-2015)، المؤرّخ وعالم السياسة الإيرلندي الذي قدّم أشهر صياغة في تعريف الأمّة أي الأمّة بما هي "جماعة متخيّلة"، وهي الصياغة التي ستكتب لهذا الكتاب انتشارًا واسعًا، وستجعله مرجعًا أساسيًّا في مجال دراسات القوميّة حول العالم. يعرّف غلنر القوميّة بأنها "المبدأ السياسيّ الذي ينصّ على أن الوحدة السياسيّة والوحدة القوميّة يجب أن تكونا متطابقتين". يتأسّس هذا التعريف على مسألة الحدود، فالقوميّة، كمشاعر أو كحركات أيديولوجية، هي موقف من هذا المبدأ السياسيّ القائم على تطابق الحدود بين الأمّة والدولة، سواء كان موقفًا غاضبًا من هذا التطابق أم موقفًا راضيًا عنه. إلا أن هذا المبدأ يواجه مشكلة لا حلّ لها، وهي تلك الحقيقة التي تقول بأن "هناك عددًا كبيرًا جدًا من الأمم المحتملة على وجه الأرض، في حين أن هذا الكوكب لا يشتمل سوى على عدد معيّن من الوحدات السياسيّة المستقلة". الأمر الذي يعني أن أممًا كثيرة ستجد نفسها خارج حدود دولها المستقلة الخاصة. إن الدولة الواحدة ستضم، شاء القوميّون أم أبوا، أكثر من أمّة، كما ستجد أكثر من أمّة نفسها موزّعة على أكثر من دولة، شاءت ذلك أم أبته. وبالنسبة إلى غلنر، فإن القوميّة ظاهرة (كمشاعر أو كحركات) لا يمكن فهمها إلا في عصر الدولة، أي الدولة كجهاز مركزي يحتكر العنف المشروع وينفصل عن الحياة الاجتماعية. إن الجماعات التي لا تعرف هذا النوع من الدولة لن تعرف مشكلة القوميّة بالتبعية. فوجود الدولة، بهذا المعنى، هو "الشرط الضروري للقوميّة"؛ لأن القوميّات لا تظهر إلا كموقف (بالرضا أو الغضب) من الحدود القائمة لهذه الدولة أو تلك. على صعيد آخر، أصبح وجود الدولة مسألة لا مناص منها. ربما لم يشعر البشر في مرحلة الصيد والالتقاط بالحاجة إلى وجود مثل هذه الدولة، وربما وجدت بدايات هذه الدولة بشكل أو بآخر في المرحلة الزراعية، إلا أن وجود الدولة أصبح في العصر الصناعي الحديث مسألة ضرورية ومفروغًا منها. ويصوغ غلنر تعبيرًا لمسار الدولة يشتقّه من مسار الحرية عند هيغل على هذا النحو: "في البداية لم يكن لدى أحد دولة، ثم لاحقًا أصبح لدى البعض دولة، وفي النهاية صار لدى الجميع دولة". لماذا فرض العصر الصناعي وجود الدولة؟ يجيب غلنر بأن حجم المجتمعات الصناعية فرض حاجة متزايدة لتقسيم اجتماعي معقّد للعمل، وهذا فرض، بدوره، الحاجة إلى وجود جهة مركزية تتخصّص في حفظ الأمن، وحماية الحقوق، وتسوية المنازعات، أي فرض الحاجة إلى وجود جهاز مراقبة ومعاقبة مركزي. هذا تفسير معقول لأصل الدولة في العصر الحديث، فبدل افتراض وجود "حالة الطبيعة" حيث الجميع ضد الجميع، يفترض غلنر أن تعقّد الحياة الصناعية هو الذي عمّم مبدأ الدولة في العالم في العصر الحديث. لكن هذه، في الحقيقة، مسألة أخرى، وهي لا تفسّر أصل وجود القوميّات في العصر الصناعي. بمعنى إن مجاميع كبيرة من البشر يمكن أن ترتضي العيش تحت ظل دولة واحدة إذا كانت هذه الدولة مجرد جهاز إداري تنظيمي فقط. ومن الصعب، في مثل هذه الحالة، أن تتولّد لدى هذه المجاميع حاجة ملحة إلى وجود دولتهم الخاصة كأمّة متميزة إثنيًّا. إن ما يخلق لدى هؤلاء مثل هذه الحاجة هو إحساسهم بأن هذه الدولة التي تحكمهم ليست مجرد جهاز إداري تنظيم وحسب، بل هي شيء أكبر من ذلك. نعم، هي جهاز إداري وتنظيمي، هذا صحيح، لكنه جهاز بمحتوى إثنيّ معيّن، وهو ما يولّد لدى هذه المجاميع شعورًا بالرضا إذا كان هذا المحتوى الإثنيّ خاصًا بأمتهم، أو بالاستياء والغضب إذا كان المحتوى الإثنيّ خاصًا بالأمم الأخرى على حساب أمتهم. وهنا يوسّع غلنر تصوّره لدور التصنيع في ظهور القوميّة، فالعمل على الآلات في المصانع، أو داخل بيروقراطية مكاتب الدولة الحديثة، يتطلب تعلّم مهارات ومعارف متخصّصة، الأمر الذي فرض الحاجة إلى التعليم العام والموحّد الذي اضطلعت به الدولة. وبحسب غلنر فإن القوميّة توسّعت من خلال توسّع التعليم العام والتجانس الثقافي واللغوي الذي كان مصمّمًا لتلبية متطلبات سياق صناعي وبيروقراطي سائر نحو التوحّد على حساب الجماعات التقليدية والمحليّة الصغيرة التي كانت تتحدّث بلهجاتها الخاصة، وتسيّر شؤونها داخليًّا فيما بين أعضائها. اهتم غلنر، كذلك، بالدور الذي لعبته الأسواق الوطنيّة، وتحسّن الاتصالات والمواصلات في بناء التجانس بين أبناء الدولة الواحدة. إن القوميّة، كما جاء في سياق ردّ غلنر على إيلي كيدوري، لا تفرض التجانس، بل "إن التجانس الذي فرضته ضرورة موضوعية لا مفرّ منها هو الذي يظهر، في النهاية، على السطح في شكل قوميّة". لم ينتبه إرنست رينان إلى هذه الأدوار التي اضطلعت بها الدولة وقوى التجانس في سياق العصر الصناعي، أو على الأقل لم يولها عنايته الكبيرة في محاضرته الشهيرة. الأمر الذي دفع إرنست غلنر إلى القول بأن التعريف الذي صاغه رينان للأمّة كمبدأ روحي أو كإرادة عيش مشترك بمعزل عن أسس العرق، واللغة، والدين، والجغرافيا، إن هذا التعريف يبقى تعريفًا قاصرًا على ما به من إغراء؛ لا لأن إرادة العيش المشترك قد توجد لدى مجموعات غير الأمّة مثل النوادي والأحزاب وجماعات ما قبل العصر الصناعي فحسب، بل لأنه تعريف لا يجيب عن هذا السؤال الأساسي: ما الذي صنع التجانس بين الأمم؟ أو بتعبير آخر، كيف ظهرت القوميّات إلى الوجود في العصر الحديث؟ بالتأكيد لم يكن رينان غافلًا عن ذلك، فالأصح أن نقول إنه كان أقرب إلى الإجمال حين تحدّث بعمومية بلا تحديد دقيق، فافترض أن الكيانات السياسيّة (الملوك والدول) عملت على صنع هذا التجانس الذي نسميه اليوم أمّة. يقدّم غلنر مفهومًا للأمّة لا يخلو من مفارقة كبيرة، لكنه يرى أن هذه المفارقة صحيحة مع ذلك. إن الأمّة هي نتاج القوميّة أو قوى التجانس التي توسّعت مع العصر الصناعي، بحيث لا يمكن فهم الأولى بمعزل عن الأخرى، فلا يمكن فهم الأمّة إلا في "عصر القوميّات" أي في العصر الذي تكوّنت فيه شروط موضوعية (وليس الإرادة فقط) فرضت قدرًا عاليًا من التجانس والثقافة العامة المشتركة، ثم يأتي، فيما بعد، دور "الحكومات التي ستعمل على توسيع حدودها السياسيّة لتطابق حدود ثقافتها". إن القوميّة، كما يقول غلنر، هي التي تلد الأمم، وليس العكس. إلا أنها لا تلدها من لا شيء بالضرورة، فقد تعمد القوميّة إلى استخدام الموروثات والتقاليد الثقافية المندثرة، واللغات الميتة بصورة انتقائية، وذلك من أجل إضفاء هالة من الأصالة والنقاء المفترضين على هذه الأمّة. إن هذا الاستخدام يحوّل تلك الموروثات والتقاليد على نحو جذري، الأمر الذي يجعل من عملية بناء الأمّة أقرب ما تكون إلى عملية الاختراع. ويشدّد غلنر على أنه لا ينبغي أن يستنتج أحد، خطأ، أن "القوميّة مجرد اختراع عَرَضي، ومصطنع، وأيديولوجي"، إلا أن بناء الأمّة يبقى، في الأصل، عبارة عن "اختراعات تاريخية اعتباطية"، وربما لم تكن تخلو من التزييف. والحقيقة أن هذه فكرة تنبّه إليها غلنر في العام 1964، وذلك في الفصل السابع الخاص بالقوميّة في كتابه "الفكر والتغيير". فقد لاحظ غلنر، آنذاك، أن دعاة القوميّة وخصومها يخطئون حين يتصوّرن أن القوميّة ظاهرة طبيعية، أما الحقيقة، كما يعرضها غلنر مستفيدًا من أفكار إيلي كيدوري في كتابه عن "القوميّة" 1960، فهي على الضد من هذا، حيث "لا يوجد شيء طبيعي أو كونيّ في القوميّة"، وأن القوميّة ظاهرة عَرَضية واحتمالية (وكان يمكن ألا تقع)، وأنها لا تمتلك بالضرورة "أي جذور اجتماعية ضرورية"، بل هي "عقيدة اخترعت في أوروبا في بداية القرن التاسع عشر".

بينيديكت ريتشارد أندرسون

4. بندكت أندرسون : الجماعات المتخيّلة وأدوات تخيّل الأمّة في العام الذي نشر فيه إرنست غلنر كتابه "الأمم والقوميّة" 1983، كان بندكت أندرسون يستعدّ لإصدار كتابه "جماعات متخيّلة" 1983. وبدا واضحًا أن أندرسون يواصل، في هذا الكتاب، الفكرة التي طوّرها غلنر وإيلي كيدوري من قبله، وهي الفكرة القائلة بأن "الأمّة اختراع حديث"، وخاصة أن أندرسون لا يغفل عن مناقشة فكرة غلنر في سياق تقديم تعريفه الخاص للأمّة. إلا أن أندرسون يأخذ على غلنر أنه أخطأ في الصياغة. فحين يكتب غلنر بأن القوميّة ليست إيقاظ الأمم لتعي ذاتها: إنها تخترع أممًا لا وجود لها"، فإن هذه الصياغة توحي بأن "اختراع الأمم" عبارة عن "تلفيق" و"تزييف"، وليست عملية "تخيّل" و"خلق". وبهذه الطريقة، يستنتج أندرسون أن غلنر يشير، ضمنيًا، إلى وجود جماعات "حقيقيّة" تمتاز عن أمم أخرى "غير حقيقيّة". والحاصل أن كل الجماعات الكبيرة، كما يقول أندرسون، جماعات متخيّلة، وأن التمييز بينها لا ينبغي أن يكون على أساس زيفها أو صدقها، بل على أساس الأسلوب الذي تتخيّل به نفسها. والحقيقة أن غلنر لا يقول هذا الكلام على خلاف ما يخلص إليه استنتاج أندرسون، فليس هناك أمم حقيقيّة وأخرى زائفة بحسب غلنر، بل كل الأمم قد تعمد إلى اختراع موادّ تاريخية (تقاليد، وأحداث، وأبطال، ولغات...) لإضفاء نوعٍ من العمق المطلوب لوجودها الحديث. وهو المعنى الذي تبنّاه المؤرخ البريطاني الشهير إريك هوبسباوم، وبنى على أساسه تصوّره عن "اختراع التقاليد"، و"الأمّة بما هي بدعة جديدة" أو "اختراع حديث". واللافت أن كتاب هوبسباوم عن "اختراع التقاليد" ظهر أيضًا، أول ما ظهر، في العام 1983، العام الذي ظهر فيه كتابا غلنر وأندرسون. يتبنّى هوبسباوم، في هذا الكتاب، مفهوم الأمّة الذي صاغه غلنر، أي الأمّة بما هي "اختراع تاريخي حديث نسبيًا، وأن الظواهر المرتبطة بهذا المفهوم: القوميّة، والدولة-الأمّة، والرموز والتواريخ الوطنيّة، وما إلى ذلك، كل هذا يستند إلى ممارسات الهندسة الاجتماعية التي غالبًا ما تكون متعمّدة ومبتكرة دائمًا"، وأن ما نسميه بالتاريخ الوطنيّ الذي أصبح جزءًا من عقيدة الأمّة والدولة ليس هو التاريخ كما وقع فعلًا أو كما جرى حفظه في الذاكرة الشعبية، بل "هو ما تمّ اختياره، وكتابته، وتصويره، وتعميمه، وإضفاء الطابع المؤسّسي عليه". وينقل هوبسباوم عبارة لماسيمو دي أزيجليو، رجل الدولة الإيطالي (1798-1866)، تلخّص معنى اختراع الأمّة لديه، يقول دي أزيجليو: "لقد صنعنا إيطاليا، والآن علينا أن نصنع الإيطاليين".

غير أن بندكت أندرسون فهم صياغة غلنر عن "اختراع الأمم" على نحو آخر، فقد فهم أن غلنر يريد أن يقول بأن اختراع الأمم عبارة عن عملية تلفيق وتزييف ترتكز أو لا ترتكز على موادّ تاريخية وثقافية قديمة، أي إن الأمم تتأسّس على الكذب والتزييف. ومن هنا يعمد أندرسون إلى استخدام تعبيرات مثل "التخيّل" imagining، و"المتخيّلة" imagined بدل تعبيرات الاختراع invention، والتلفيق fabrication، والتزييف falsity. ماذا يقصد أندرسون بـ"التخيّل" هنا؟ ولماذا يفضّله على "الاختراع" و"التلفيق"؟ إن التخيّل، لدى أندرسون، لا يعني التلفيق والتزييف، بل يعني إقامة علاقة غير مباشرة بالموضوع. وضد التخيّل، هنا، ليس الصدق والحقيقة، بل المباشَرة أي إقامة علاقة مباشرة بالواقع والموضوع. وإذا نقلنا المفهوم من التجريد إلى عالم العلاقات الاجتماعية، سيكون من اليسير توضيح المعنى بهذا المثال: حين تعيش مع أقاربك ومعارفك في حيّ أو حارة أو قرية صغيرة حيث يعرف الكل فيها الكل، فنحن هنا نتحدّث عن علاقة أو قرابة واقعية ومباشرة، فالكل، هنا، يعرف الكل، والكل يلتقي بالكل وجهًا لوجه. أما حين تعيش في مدينة كبيرة أو في دولة أو في إقليم يضم مجموعة بلدان، فأنت لا تستطيع، في هذه الحالة، أن تعرف الجميع معرفة مباشرة، بل لن تتاح لك الفرصة لأن تلتقي بالجميع وجهًا لوجه طوال حياتك. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أنك لا تستطيع أن تقيم مع هؤلاء أي نوع من أنواع العلاقات الممكنة. إن انعدام فرص المعرفة المباشرة لا يعني انعدام المعرفة بتاتًا، بل قد يعني معرفة غير مباشرة. فأنت تستطيع، في هذه الحالة، أن تكوّن أو تتخيّل زمالة أو أخوة أو قرابة من نوع ما تربط بينك وبين كل هؤلاء الذين لا تعرفهم معرفة مباشرة ووجهًا لوجه، لكنها ستكون زمالة أو أخوة أو قرابة غير مباشرة. إن هذا النوع من القرابة غير المباشرة هو ما يسميه أندرسون بـ"الجماعة المتخيّلة". ومن هنا يقدّم أندرسون تعريفه الخاص للأمّة، وهو التعريف الذي صار عنوانًا لافتًا للكتاب، والذي يقترحه، كما يقول، بروح أنثروبولوجية، وهو التعريف القائل بأن الأمّة عبارة عن "جماعة سياسيّة متخيّلة، ومتخيّلة على أنها محدّدة وذات سيادة على نحو متأصّل". ويشرح أندرسون هذا التعريف كلمةً كلمةً. فالأمّة جماعة لأنها تضم مجموعة أفراد، فلا يمكن لفرد أن يكوّن أمّة لوحده، كما لا يمكن لبشر متفرقين لا يربط بينهم رابط أن يكوّنوا أمّة. وهي جماعة متخيّلة "لأن أفراد أية أمّة، بما فيها أصغر أمّة، لن يعرفوا أبدًا معظم نظرائهم، ولن يلتقوهم، أو حتى يسمعوا بهم، ولكن في أذهان كل واحد منهم تعيش صورة ما عن تشاركهم". وبالنسبة إلى أندرسون فإن كل الأمم عبارة عن جماعات متخيّلة، إلا أن العكس ليس صحيحًا بالضرورة؛ لأنه ليس كل الجماعات المتخيّلة تكوّن أممًا. ومن هنا يضيف أندرسون حدّين إضافيين لتعريفه، وهما أن تكون الجماعة المتخيّلة ذات حدود، وأن تكون ذات سيادة. إن تخيّل الأمّة لا يمكن أن يكون إلا داخل حدود معيّنة، فلا أحد يتخيّل أمّة تمتدّ حدودها على كامل حدود البشرية؛ لأنه عندئذ لا معنى لوجود الأمّة من الأصل، إلا إذا افترضنا أن الكائنات الأخرى (الحيوانات والمخلوقات الفضائية إن وجدت) تمثّل أممًا مثلنا، وهو افتراض لا يعبأ به أندرسون هنا. وأخيرًا، فإن الأمّة لا تتخيّل نفسها إلا في سياق حريتها أو سعيها من أجل تحرّرها من أية سيادة غير سيادتها الحرّة على إقليم ما. وعلى هذا الأساس، يمكن إخراج الجماعات الدينيّة من تعريف الأمّة القوميّة؛ لأن الجماعات الدينيّة لا تطالب بالسيادة على إقليم ما بحدود معيّنة. وإذا حصل أن طالبت جماعة دينيّة ما بسيادتها على إقليم محدّد، فإننا نكون، في الحقيقة وهذه حالة لم يتطرّق إليها أندرسون، أمام جماعة قوميّة كوّنت وحدتها القوميّة على أساس الدين واللغة معًا؛ لأنه لا يمكن استبعاد وحدة اللغة التي وفّرتها رأسمالية الطباعة، والتي أتاحت الفرصة لهؤلاء ليتخيّلوا أنفسهم كجزء من أمّة واحدة. وأخيرًا، فإن اشتراط "السيادة" في تعريف الأمّة يعني حصر مفهوم الأمّة في الأمم الوطنيّة أي في الأمم التي تمتلك دولتها الوطنيّة الخاصة، أو تلك التي تسعى لتكوين دولتها الوطنيّة الخاصة. ومن هنا جاءت إضافة وصف "سياسيّة" كحدّ أساسي في تعريف "الجماعة المتخيّلة". يأخذ عزمي بشارة، في تقديمه للترجمة العربيّة من كتاب "الجماعات المتخيّلة"، على بندكت أندرسون أنه يُغفل الفرق بين "القوميّة" كظاهرة ثقافية أو انتماء اجتماعي وعاطفيّ لأمّة ما، وبين "الأيديولوجيا القوميّة" كحركة سياسيّة واعية. إلا أن أندرسون كان واضحًا في هذا الموضوع. إنه يدرس، في هذا الكتاب، القوميّة بوصفها "منظومة ثقافية كبرى" لا ينبغي "أن تُفهم من خلال ربطها بالأيديولوجيات السياسيّة التي يجري تبنيها بوعي"؛ والسبب أن الأيديولوجيا السياسيّة المتبنّاة بوعي لا تقدّم للناس معنى لحياتهم أو موتهم، فالناس مستعدّة لأن تضحّي بنفسها من أجل دينها أو أمتها، ولكنها لن تفعل ذلك من أجل نظريّة أو حزب أو حتى أيديولوجيا. وعلى خلاف غلنر الذي افترض أن القوميّات تخترع أممًا لا وجود لها، فإن أندرسون يرى أن للأمم جذورًا ثقافية هي التي جعلت "من الممكن لملايين كثيرة من البشر، على مدى القرنين الماضيين، لا أن يَقتلوا فحسب، بل أن يموتوا طواعيةً أيضًا من أجل مثل هذه التخيّلات المحدّدة". ومع هذا، فإن علينا أن ننتبه إلى أن حديث أندرسون عن "جذور الأمم الثقافية" قد يوهم بأنه يقصد أن لهذه الأمم جذورًا ثقافية سابقة على وجودها، والحقيقة أنه لا يقصد هذا المعنى، بل هو يطوّر فكرة يوهان فيخته، والذي لا يرد ذكره إطلاقًا في كتاب أندرسون، عن الأمّة "كإله دنيوي" أو كدين علماني حلّ محل "الإله المسيحيّ" أو الدين التقليدي في منح المعنى للحياة والموت، ومنح فرصة الخلود لأفعال البشر وأفكارهم ووجودهم. إن القوميّات "سرديات كبرى" إذا استخدمنا المصطلح ما بعد الحداثي الذي ابتكره فرانسوا ليوتار، أو "منظومات ثقافية كبرى" بتعبير أندرسون الخاص، حلّت محلّ الأديان من حيث قدرتها على تقديم معنى لحياة الناس وموتهم في عصر علماني انحسرت فيه قوة الأديان، وتفكّكت فيه الكثير من اليقينيات الدينيّة. يبدو بندكت أندرسون، بهذه الطريقة، وكأنه يدمج مفهوم فيخته عن خلود الأمّة بمفهوم رينان عن بناء الأمّة ليقدم صياغته المركّبة عن الأمّة كجماعة قوميّة يجري بناؤها وتخيّل حدودها في سياقات تاريخية معينة، أي إنها جماعة تُبنى بناء، وبالاستعانة بأدوات بناء الأمّة أو أدوات تخيّل الأمّة الحديثة، إلا أن هذا التخيّل أو البناء ليس عملية عَرضية وعابرة؛ بدليل أن الأفراد يكونون على استعداد تام لخوض الحروب من أجل أمتهم، أي إنهم مستعدون للموت في سبيل هذه الأمّة تمامًا كما كان المؤمنون البروتستانتيون الألمان الأوائل لدى فيخته. كان فيخته يبحث عن معنى يحمل الفرد على التضحية بنفسه بعد تلاشي قوة الأديان وصلابة إيمان المؤمنين الحقيقيّين، فأراد أن ينصّب الأمّة مكان الدين على أساس أن الأمّة، عنده، هي "التجسيد الفعلي للخلود الإلهي"؛ لأن الفرد حين يضحّي بنفسه من أجل خلود أمته فإنه يفعل ذلك لإيمانه بأن وجوده سيتواصل في أبنائه وأبناء أبنائه أي أمته (لا بد من افتراض أن الأمّة هي امتداد للأسرة والأهل حتى يستقيم هذا التصوّر). ومن هنا كان فيخته يرى أن الخطر الأكبر على خلود الأمّة ليس تهديد الأمم الأخرى، بل هي الأنانية وتفضيل المصلحة الخاصة على مصلحة الأمّة. إن الموت من أجل الأمّة يعني أن الفرد يسترخص وجوده الفاني والصغير من أجل الخلود الأبدي والكبير لأمته. وبتعبير آخر، أصبحت الأمّة هي وريثة الدين من حيث كونه منظومة كبرى تمنح المعنى لحياة الأفراد وموتهم. ومن هنا يأتي "التقديس" أو "التبجيل المهيب" إلى الأمّة والوطن، سواء كان ذلك في صورة تقديس تراب الوطن، أو الرموز الوطنيّة (الأعلام، والأناشيد الوطنيّة، واللغة أو اللهجة الوطنيّة...)، أو الأبطال والزعماء الوطنيّين، أو أضرحة الجندي المجهول تخليدًا للجنود الذين سقطوا في سبيل الأمّة والوطن. إن الموضوع أشبه بعملية نقل للمعنى والوظيفة من مجال الدين والجماعة الدينيّة إلى مجال الأمّة والجماعة القوميّة/الوطنيّة. وأتصوّر أن هذا الفهم الفيختي (نسبة إلى فيخته) للأمّة الذي يتبنّاه أندرسون دون أن يشير إليه هو واحد من نقاط الضعف في مفهومه عن الأمّة. لقد افترض أندرسون أن القوميّات (الأمم القوميّة) هي وريثة الأديان والجماعات الدينيّة من حيث قدرتها على منح المعنى لحياة الناس وموتهم، وأن الأيديولوجيات الأخرى (لنقل الماركسية والليبرالية ...) عاجزة عن القيام بذلك؛ بدليل أن أحدًا لن يموت في سبيل الماركسية والليبرالية. وهذا افتراض غير سليم؛ لأن التاريخ يثبت أن البشر مستعدون للموت في سبيل أي فكرة يتبنونها بعمق، وأن هذه الفكرة التي يكونون على استعداد للتضحية بحياتهم من أجلها هي التي تعطي لحياتهم معنى. وعلى هذا الأساس، يمكن أن نفهم مشاركة المقاتلين الأجانب في الحروب التي تندلع في بلدان غير بلدانهم، فهؤلاء يقاتلون (يَقتلون ويُقتلون) لا من أجل الإيمان الدينيّ ولا حتى بدافع من الحماس القوميّ، بل من أجل قناعتهم الأيديولوجية، وجنبًا إلى جنب مع الفصيل الأيديولوجي الذي يساندونه. خذ على سبيل المثال "منظمة الكتائب الدولية" والمقاتلين الأجانب من اليساريّين والأناركيين في الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939). هل كان جورج أورويل، على سبيل المثال، مستعدًّا للموت من أجل الدين الأنجليكاني أو القوميّة البريطانية حين انخرط في المنظمة التروتسكية إلى جانب الجمهوريين ضد قوات فرانكو الفاشية في ديسمبر 1936؟ بالتأكيد لا، لكنه انخرط في حرب كان يراها، من منطلق أيديولوجي اشتراكي، حربًا عادلة، وتمثّل خطوة مهمة في سبيل الاشتراكية والأممية الثورية. والأمر كذلك مع فرانك رايان (1902-1944)، الجمهوري الأيرلندي، الذي انخرط في الحرب الأهلية الإسبانية من أجل الدفاع عن الجمهورية. وأمثلة راشيل كوري (1979-2003) وتوم هرندل (1981-2004)، وفيتوريو أريغوني (1975-2011) ، أعضاء "حركة التضامن العالمية" المناصرة للفلسطينيين، كثيرة. وعلى صعيد آخر، صار ينظر اليوم إلى الليبرالية كأيديولوجيا مسالمة وناعمة، وأنها مجرد نظريّة سياسيّة لن يموت أحد في سبيلها، وهذا غير صحيح كذلك؛ لأن النضالات التي تندلع من أجل الحريات ونيل حقوق الإنسان الأساسيّة، هي، بمعنى من المعاني، نضالات ليبرالية في جذرها. ثم إذا أردنا التدقيق أكثر في هذه المسألة، سنجد أن الدين ينفرد عن الأيديولوجيات السياسيّة العلمانية الأخرى لا بمنح معنى للحياة؛ لأن أغلب هذه الأيديولوجيات قادرة على منح هذا النوع من المعنى لمن يعتنقها، لكن الدين يمتاز عنها بكونه المنظومة الثقافية الكبرى الوحيدة التي تمنح معنى للموت. وعند هذه النقطة تحديدًا تتساوى القوميّة مع الليبرالية والماركسية؛ لأن الجوهر العلماني لهذه المنظومات (والأيديولوجيات) جعلها عاجزة عن تقديم معنى للموت وما بعد الموت. ومعنى الموت، في الحقيقة، لا يكمن في جواب هذا السؤال: من أجل ماذا أموت؟ لأن جواب هذا السؤال يقدّم لنا معنى الحياة بدرجة أكبر من الموت، لكن معنى الموت يكمن، فعلًا، في جواب هذا السؤال: هل هناك حياة بعد الموت؟ ما مصيري بعد الموت؟. وعند هذا النوع من الأسئلة تحديدًا تصاب القوميّة بالخرس تمامًا كما الماركسية والليبرالية. وينبغي أن نضيف هنا أن أندرسون يذهب إلى أن الأمّة (الجماعة القوميّة/الوطنيّة) ورثت منظومتين كبريين وليست واحدة، الأولى هي الجماعة الدينيّة التي أشرنا إليها أعلاه، والثانية هي الملكية السلالية التي كانت الشكل الأوحد تقريبًا لشرعية الأنظمة السياسيّة قبل العصر الحديث أو على الأقل حتى الحرب العالمية الأولى (1914-1918). لقد خرجت الأمّة كجماعة قوميّة متخيّلة من أحشاء هاتين المنظومتين الثقافيتين الكبريين: الجماعة الدينيّة والملكية السلالية، إلا أن ما جعل تخيّل الأمّة ممكنًا خارج هاتين المنظومتين الكبريين إنما يرجع، بحسب أندرسون، إلى تغيّر جذري طرأ على "طرائق إدراك العالم" في العصر الحديث. ويركّز أندرسون على التغيّر الجذري الذي طرأ على إدراكنا الحديث للزمن والمكان: إدراك الزمن أفسح المجال لتخيّل الأمّة في أوروبا منذ القرن الثامن عشر، وإدراك المكان هو الذي أفسح المجال لتخيّل الأمّة في المناطق المستعمرة في آسيا وأفريقيا. في "إدراك الزمن" يركّز أندرسون اهتمامه على نوعين كتابيين ازدهرا في أوروبا القرن الثامن عشر، وقدّما الشكل التقني الذي سمح بـ"تخيّل الأمّة في زمن "علماني متزامن ومتسلسل" يسميه أندرسون بـ"الزمن المتجانس الفارغ"، وهما الرواية والصحيفة؛ لأن كلا الشكلين الكتابيين يقدّمان بشرًا يتفاعلون في فضائهما أو يقرأونهما في "زمن متجانس فراغ"، أي إنهم يقرأون، في وقت واحد، عن شخصيات وأحداث وهي تنتظم في زمن دنيوي عادي. كما أن هؤلاء القرّاء لا يلتقون وجهًا لوجه، ولا يعرف أحدهما الآخر، ومع هذا تخلق قراءة الرواية والصحيفة لديهم إحساسًا مشتركًا بأخوة أو زمالة ما تجمع بينهم تمامًا كجماعة متخيّلة. أما فيما يتصل بـ"إدراك المكان"، فقد ركّز أندرسون اهتمامه على ثلاث مؤسّسات "شكّلت، وعلى نحو عميق، الطريقة التي تخيّلت بها الدولة الاستعمارية مجال نفوذها" منذ القرن التاسع عشر، وهي التعداد السكاني، والخريطة، والمتحف. هل يمكن أن نفهم تكوّن "الأمّة"، في السياق العربي، من خلال هذه الأدوات الثلاث لتخيّل الأمّة عند أندرسون: التعداد السكاني، الخريطة، المتحف؟ في الحقيقة لا؛ لأن هذه المؤسّسات الثلاث كانت مهمّة لتشكيل مجال نفوذ الدول الاستعمارية أكثر من كونها أدوات لتخيّل أبناء الأمّة لأنفسهم كأمّة أو كجماعة متخيّلة؛ لأن الخريطة، على سبيل المثال، سمحت بتخيّل حدود جغرافية صارمة للأمم، هذا صحيح، لكن الخريطة كانت مسألة سريّة، ولم تكن الفرصة متاحة لجماهير الأمم لتطّلع عليها حتى تتخيّل حدودها الجغرافية كأمم متميزة. كما أن التعداد السكاني لعب دورّا تقسيميًا لا توحيديًّا في بناء الأمّة؛ لأن توزيع الناس في حزم وفئات على أساس إثني أو دينيّ أو طائفيّ أو مناطقي أو قبلي، هو عامل تقسيم لا عامل بناء للأمّة. إنه يقوم بمهمة تذكير الناس بما ينبغي أن ينسوه ليكونوا أمّة أي يذكّرهم بأنهم إثنيات وجماعات دينيّة وطائفيّة وقبيلة...إلخ قبل أن يكونوا أمّة واحدة. أما المتحف فإنه حين تأسّس في البلدان العربيّة فإنه تأسّس لإحياء هويات آثارية ما قبل قوميّة: فرعونية، وآشورية وبابلية، ودلمونية، وفينيقية، وقرطاجية، وسبئية ومعينية وحميرية، وحتى بيزنطية، ورومانيّة، ومملوكية، وعثمانية. عرف السياق العربي مفارقة تنبّه إليها بندكت أندرسون حين حصر تصوّره في القوميّة بوصفها "منظومة ثقافية كبرى" لا ينبغي "أن تُفهم من خلال ربطها بالأيديولوجيات السياسيّة التي يجري تبنيها بوعي". إلا أن هذه الأيديولوجيات السياسيّة التي يجري تبنيها بوعي سبقت تبلور أدوات بناء الأمّة وتخيّلها في العالم العربي. لقد سعت حركات القوميّة العربيّة والنخب السياسيّة والثقافية العروبية إلى إيقاظ "الوعي القوميّ"، وبعث الشعور بوحدة الأمّة عند الشعوب العربيّة، كما طالبت بدولة الوحدة العربيّة، وتحرّر العرب من هيمنة الدولة العثمانية والاستعمار الأوروبي، جرى كل هذا في ظل توافر أشكال بدائية – إن لم يكن في ظل غياب شبه تام لهذه الأشكال – من أدوات تكوين الأمّة وتخيّلها مثل رأسمالية الطباعة، والصحافة، والرواية، والتعليم الحديث، والسوق الموحّدة، ومؤسسات الدولة البيروقراطية "القطرية"، وشبكات اتصالات ومواصلات. وحتى عندما توافرت مثل هذه الأدوات كما في الصحف والمجلات النهضوية العربيّة التي أسّسها الشّتات المسيحيّ الشّاميّ في بيروت، والقاهرة، والإسكندرية، ومالطا، ولندن، ونيويورك، وباريس، وروما، وساو باولو، وريو دي جانيرو، وبوينس آيرس، ومكسيكو (من قبيل: «الجنان»، و«الجنة»، و«الجنينة» (وكلها أصدرها بطرس البستاني)، و«الزهرة»، و«المشكاة»، و«النحلة»، و«النشرة الأسبوعية»، و«البشير»، و«الفنون»، و«السمير»، و«التّقدّم»، و«النجاح»، و«المقتطف»، و«لسان الحال»، و«المصباح»، و«الأهرام»، و«مرآة الأحوال»، و«الهلال»، و«الجامعة»، و«سركيس»، و«البشير»، و«المقطّم»، و«الأحوال»، و«كوكب أمريكا»، و«العصر»، و«الأيّام»، و«المستقبل»، و«الهدى»، و«السائح»، و«العصبة»، و«الغربال»، و«الكون» وغيرها)، أقول بأنه حتى عندما تأسّست هذه الصحف والمجلات، فإنها كوّنت نخبة عربيّة ذات تطلّعات كونية إنسانية أكثر من كونها عروبية التوجه. وحتى حين تكوّنت هذه النخبة العربيّة عروبية التوجّه، فقد بقيت القوميّة، في العالم العربي، قوميّة نخبوية وسط أميّة معمّمة في طول البلدان العربيّة وعرضها.


71 views0 comments

Commenti

Valutazione 0 stelle su 5.
Non ci sono ancora valutazioni

Aggiungi una valutazione
bottom of page