top of page

سيمفونية (أعماق الليل) ... أي أفق للتجريب والمغايرة؟



مازال الكاتب جابر خمدن يثابر من أجل تقديم نص مختلف يتلمس فيه طريقا للتجريب، والمغايرة، خصوصا على مستوى نتاجنا المحلي.

نص (أعماق الليل) يوصف بالسلاسة والعذوبة لجمالية اللغة الشعرية المستخدمة فيه، نص كتب بذكاء، إذ ارتكز فيه الكاتب على مهارته في الوصف وقدرته اللغوية ليأخذ قراءه طواعية، وبشوق في رحلة العوم في رواية لا تخلو حبكتها من التعقيد، ويمكن لك أن تتجه فيها لعدة مسارات، وهو تقدير بالغ من الكاتب لقارئه، واحترام لذكائه، (أعماق الليل) نص كتب للمتعة، وهو بانتظار قارئ يقرؤه أيضا بذات القدر من حب الاستمتاع.

خمدن في هذا النص أقرب لموسيقار شغوف بتقديم مقطوعة موسيقية، سيمفونية - إن صح التعبير - يطرب لها المستمعون، فالموسيقى لغة كونية، يستعذب سماعها المختلفون، يصغون إليها هائمين بعيدا عن/عميقا في أفكارهم وأحاسيسهم، وخواطرهم.... شيء من ذلك سينتابك وأنت تمر بهذا النص، ذي اللغة الأخاذة والجميلة .. التي سيأتلف عليها أكثر من قارئ، رغم ما أراه من رتابة الجمل الافتتاحية للفصول، وهو ما أضر بوهج تلك اللغة "ص يطل من نافذته"، ص يرقد فوق فراش ناعم"، "ص يحدق في القطار القادم ..."، "ص كان يمشي في حر الظهيرة"، ...... وغيرها من الجمل الواردة بذات السبك اللغوي ولكن بأسماء شخصيات العمل الأخرى في مفتتح معظم فصول الرواية .

في هذه الرواية كما في أي سيمفونية عدد من الحركات المختلفة قصرا وطولا، والتي ستشكل في مجملها عذوبة هذه المقطوعة "حقيقة سرده هنا كلها رموز وإشارات متشظية، تحتاج إلى من يجمعها ويحاول ترتيبها، كي يفهم القصة وتسلسلها، زمن الأحداث، زمن الذكريات، زمن تأملاته الداخلية، زمن هذيانه" (أعماق الليل ص ٥٧) إنها لعبة (الزمن) إذا، زمن لا يتقدم بك فقط، إنما كان الكاتب فيه يجرب كتابة حبكة تسير بك في اتجاهات عديدة، وكلما شعرت بالتيه، فإن خطاف اللغة الآسرة سيدفعك للقراءة باستماع وإدهاش، ستجد مخطط الزمن في قول الراوي عن شخصيته (ص): "تتداخل أزمنة ص، يكبر تارة، يصغر تارة أخرى. يتنقل في الزمان، من عمر إلى عمر، حاملا بذرة وجوده التي تنمو وتتفتح، كما النبات. ملاحقة تفاصيل حياة ص، مرهقة، كثيرة التشظي. رموز وإشارات يتعمد بثها أو نثرها وراء كل خطوة" (أعماق الليل ص ٤٣).


ستجد في هذه الرواية أديانا شتى (الإسلام، المسيحية، الهندوسية، البوذية)، كما ستدخل مع الراوي الكنائس، والمعابد، والجوامع، وبيت الله الحرام، وسوف تمر بك رسائل من عدة مدن وأقطار تمثل جهات العالم أو حضاراته (دمشق، بطرسبيرغ، جاكرتا، عدن، دبي، طرابلس، جفنه، نوراليا، كولمبو، طوكيو، الصعيد)، ستزور المطارات والمرافئ، فخارطة النص تشير إلى الجهات الأربع، وبذلك كرس الكاتب هذه التجربة كتجربة إنسانية مشتركة، لكنها لا تفقد رؤيتها بوضوح "كل كلمة، كل خط، كل صورة، كل لوحة، تملك رؤيتها واستقلاليتها، فهي مدانة من طرف ما ومؤيدة من طرف مقابل" (أعماق الليل ص ١٥٧).

إنه عالَم يحتاج لمن يصغي في هدأة الليل إلى شيء يختلف عن الاستغراق في كل هذا السواد الحالك، طاقة روحية متجردة تتأمل الحركات، الكائنات الصغيرة، وتسمع الهمس، ونقيق الضفادع، وأزيز الزيزان، غناء الجداجد، وميض اليراعات، صفير الجنادب، صوت الحقيقية المخنوق في أنفسنا ينتظر من يطلقه، لعلنا بذلك نطفئ أوار نار الأحقاد والغلو، ونخمد صوت الصليل المرعب. "أصابح الليل مصلوبا على أمل ** ألا أموت غريبا موتة الشبح" هكذا وطأ الكاتب لروايته، كما وظف عددا من النصوص الأخرى.

كعادته فإن جابر خمدن المتسلح بطاقة الخيال الباهرة، يضعك في (أعماق الليل) مع نص لا يغادر العجائبية، عجائبية يخفف بها قسوة مصائر أبطاله وليلهم المدلهم، كما يقدم نبوءته في عالم سوف تتجاوز الفظاعة فيه هذا الأديم الذي ندبت حتى الضادع والسلاحف حظها فيه، لتصل إلى اقتسام السماء، واحتراب الطيور، سماء ضاع فيها (هدهد) سلمى، وضلت فيه (حمامة) ص طريقها، فانقطع حبل التواصل بين مكونات المجتمع، ولم تفلح شبكات الاتصال الحديثة في إعادة وصل ما انبت بين مكونات المجتمع.

الرواية تعبر عن قلقها من ذلك المصير الذي نتجه له، فكل شخصيات هذه الرواية في مرمى القتل، والتصفية، والذبح، أما (ص) الشخصية الغامضة التي تبحث عن (سلمى) المبهمة أيضا في بداية الرواية، فإنه يختفي أيضا لتبحث عنه (سلمى)، في تأكيد للمصير المشترك: "ص وسلمى لغزان لا يعرفهما إلا الله والراسخون في أزقة المدينة القديمة، المطلعون على كتاب العمران والحياة وسيرة المجتمعات" (أعماق الليل ص ٨٦)

(سلمى) لم يسلم منها شيء، سلمى الإنسان، وسلمى الزمان، وسلمى المكان، كل ذلك تهاوى تحت النيران، فمنذ أن رأى (ص) ذلك الحريق في منزلها، والنار لا تزال مضرمة في كل شيء من قلبه حتى بلده، مرة غدت دمية بلا إحساس، تماما كما فقد (ص) نفسه معنى الروح، تسربت سلمى الروح، اندغمت في عدة بلدان، "رأى سلمى تتأرجح بين بيتين، بيت في الحي القديم وبيت في مكان حديث لا يعلمه، تتأرجح بين مدينتين، تفصلهما بحار ومحيطات شاسعة. وهو مثلها يتأرجح بين زمنين وبين ثقافتين" (أعماق الليل ص ٨٢)، هكذا خاض خمدن تجربة التجديد في (أعماق الليل) خلق مزيجا محكما، عناصره سيالة، يصعب القبض عليها، خصوصا بين (الشخصية) و (المكان)، والتماهي بينهما، إن ذلك ليس عنصرا مهما في تجربة الكتابة فقط لدى جابر خمدن (وهو ما ذهب له الكاتب علي خميس الفردان ليلة تدشين العمل)، بل هو فلسفة ينظر من خلالها خمدن لعمليات التغيير التي تطرأ في الإنسان والمجتمع، والتي لا تنفك عن حجم التغيرات الهائلة التي مست المكان، وهو ما يجتهد في تأكيده في روايته هذه * "سلمى لغز، سلمى تحمل كل وجوهها معها. وجه الطفولة، وجه الشباب، ووجه المرأة. تحمل وجه مدينتها ووجوه المدن البعيدة" (أعماق الليل ص ١٤٣)، ويمكن رصد هذه الفلسفة في نصوص أخرى للكاتب.

يتعقب هذا النص في مساراته المتعددة، وزمنه المتشظي، خطوط التغيير الذي طال المجتمع، فالليل الصامت الساكن الذي لا يستبيح هدوءه شيء، غدا في صورة المستقبل ليلا راقصا نابضا مرهقا، ليل خلق إنسانا مختلفا، وشكله بصورة جديدة، طبعا وروحا وإحساسا.

اندغام الليل مع كل مكونات القصة كان عبقريا بامتياز، فالليل كان مع وفي: الشخصيات، والزمان، والمكان، وكان بدونهم أيضا، هو صفة الأشياء، ولكن له وصفه الخاص كذلك، "ص ليل وعمق ليل"، "سلمى .. شعرها أمواج ليل"، "يجلسان في الحديقة في عمق الليل"، "يلعن الليل وعمل الليل"، "الليل هنا حسرات"، "تسرب الليل العميق برغباته المتوحشة في خلاياه" ... قدم خمدن أروع لوحة موسيقية يمكن لك أن تسمعها حول الليل وأسراره.

في أعماق هذا الليل، فإننا لم نعش الحياة في أنقى صورها بعد، سنعرفها فقط كما قالت (بيلين) لـ(ص) ذات ليلة "حين نغدو عاريين من أمجادنا وزخرفنا. لحظات التأمل العميق، لحظات الإدراك، حين نلتفت حولنا فلا نجد إلا البياض وكل شيء يغرق في البياض. تتكسر أمواج الغرور الصاخبة وتتفتت الكبرياء الجوفاء. ترق القلوب لحظة الرؤيا العميقة، حين تغدو الحياة رحلة شقاء، لا فرق بين ألوانها، مركوبها، قصورها، أكواخها، نسائها، رجالها، لياليها، أيامها، نهاراتها، فقرها وغناها، قوتها وضعفها. ما دمنا لا نمتلك مفتاح الخلود، سيظل سيف الفناء يطل علينا بحده البارق في الظلام، يتحدى صلفنا وغرورنا" (أعماق الليل ص ٤٦)

"نحن في عين الخطر" ليست إشارة أرسلها قلب (ص) إلى (سلمى) فقط... بل هي إشارة لهذا العالم، الجميع في خطر، كل الأجناس في خطر، كل الأديان في خطر، كل الأوطان في خطر، كل الأمم في خطر، البشرية حقا في خطر ...

65 views0 comments

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
bottom of page