top of page

غودار والجمهور



المخرج السينمائي لا يحتاج فقط إلى قصة وممثلين ومال، لكن – شأنه شأن أي فنان آخر – يحتاج إلى جمهور يستقبل ما ينتجه، يشاهد عمله، يصغي إليه، ويتفاعل معه.

يقول جان لوك غودار: "السينما كانت دوماً فناً جماهيرياً. إنها تملك تلك القوة الثقافية غير العادية، وفورية التسويق على نطاق واسع. الرسم لم يعرف هذا. موسيقى موزارت كانت تُعزف للأمراء فقط، بينما في يومنا نجد الملايين يستمعون إلى موزارت كل صباح. والقلة فقط استمعوا إلى بيتهوفن في زمنه. لكن السينما تشاهَد في كل مكان، وبشكل جماعي". (Film Quarterly, spring 1984)

غودار هو أحد الأسماء المشهورة في تاريخ السينما، رغم أن دائرة جمهوره، كما يحدس هو، صغيرة ومحدودة. اسمه مترادف مع الفيلم الفرنسي الأكثر جرأة، الأكثر صعوبة. إنه يحقّق الأفلام التي لا يستطيع الآخرون تحقيقها. والنقاد لا يزالون يستمتعون بتحليل أفلامه وتشريحها. لكن ذلك ليس سهلاً. ورغم أنه أيقونة فرنسية ثمينة، إلا أنه مرئي، حتى في فرنسا، كشخص يعمل خارج نطاق صناعة الأفلام التقليدية. أفلامه غالباً ما تكون مبهمة، ويصعب سبر غورها.



يقول غودار (Cigar Aficionado Magazine, Sep/Oct 1997 ): "دائماً أنجز ما لم يُنجز. وما امتنع عن فعله، هو ما يفعله الآخرون. دوماً أبدأ بالأفكار، وهذا ما لا يحبذه الجمهور. لكنني أفضّل الجمهور الجيد. أفضّل أن أغذّي مئة في المئة من جمهور يتألف من عشرة أشخاص. في حين تفضّل هوليوود أن تغذّي واحداً في المئة من مليون شخص. تجارياً، طريقتي ليست هي الأفضل".

كمخرج وناقد، أعلن غودار أن مهمته هي أن يرجّ، قدر المستطاع، الصيغ المتكرسة على نحو جذري. "علينا أن نحارب الجمهور"، قالها في إحدى مقابلاته في العام 1968، وهو لم يقصد النزوع العدائي تجاه المتفرجين، بل على العكس تمامًا. هو آمن بضرورة التعامل مع الجمهور باحترام.

يقول غودار (Sight and Sound, Spring 1983): "في صنع الفيلم، الأمر الأهم هو أن تحترم الجمهور الذي سوف يشاهده. اليوم، الجمهور موجود في كل مكان، خصوصاً مع اقتناء كل فرد لجهاز تلفزيون في منزله. بطريقة ما، نحن جميعاً الجمهور نفسه.. أعني، نحن جميعًا متشابهون لأننا كلنا نملك جهاز تلفزيون، تماماً مثلما كلنا مواطنون لأن لدينا طاولات وكراس في بيوتنا. الطريقة الأولى لاحترام الجمهور، حسب اعتقادي، أن نتحمل مسؤولية الفيلم إلى الحد الأقصى. الطريقة الثانية أن نظل مدركين لحقيقة أن الجمهور تعوّد على طمأنينة معينة بها يمكن أن يفهم الأفلام. في الواقع، ما يحدث هو أن الجمهور، نتيجة تعوّده على فهم العمل بسهولة، بفضل التلفزيون، صار لا يحترم نفسه كثيراً. جمهور كرة القدم يحترم نفسه أكثر: عندما لا تعجبهم المباراة، أو عند ارتكاب مخالفة يقوم بها لاعب، فإنهم يعبّرون عن أنفسهم، يأخذون أنفسهم بجدية أكثر من جمهور السينما. الطريقة الثالثة لاحترام الجمهور، بالنسبة لي، تكمن في استخدام الممثلين الذين اختارهم الجمهور. أحاول أن أختارهم حسب مواصفاتي الخاصة، لكنني أتعاقد مع ممثلين معروفين. لست أنا الذي جعلتهم معروفين بل الجمهور. هذا جزء من العلاقة الواقعية مع الجمهور. وأنا أحترم نفسي في تقاسم هذه المسؤولية الحقيقية".

وكان يرى أن من مهمة صانع الفيلم اليقظ أخلاقيًا، أن يتحدّى الجمهور، أن يستفزهم ويحرضهم ضد عادات المشاهدة السلبية التي كرّستها تقنيات الأستوديوهات المسيّرة تجارياً والتي تتلاعب بالمتفرج. إن غودار يتهم السينما البورجوازية بالمغالاة في التلاعب بعواطف الجمهور على حساب إدراكهم النقدي. وهذه السينما تحتال على المتفرج بدلاً من مخاطبته في حوار فكري واضح وناضج.

غودار في أفلامه يتعامل مع القضايا الأساسية والجوهرية: أزمة اللغة، الإمبريالية المعرفية، استغراق الأفراد في الصور الزائفة والواقع الوهمي، خطورة الثقافة الاستهلاكية المنحرفة في المجتمع الغربي، القلق بشأن وظيفة السينما ودورها.



وهو يتناول هذه القضايا وغيرها من منظور راديكالي. وفي معالجته لتلك الثيمات، هو قادر على إثارة الجمهور، واستفزازه ورجّه، بطرق مختلفة عديدة، وعلى مستويات متنوعة.

يقول لويس جيانيتي في كتابه Godard and Others, Essays on Film Form, 1975 إن "غودار مثل هيتشكوك، يشرع مباشرة في رجّ إحساسنا بالرضا عن الذات. إنه يهاجم كليشيهات السلوك الإنساني والأفكار المتصورة سلفاً. وهو لا يتيح لنا أن نسترخي، بل يجبرنا على القيام بتقييمات، ثم بتعديلها وتصحيحها، بل وحتى أن نبدأ من جديد إذا اقتضت الضرورة. باختصار، يجب على جمهوره أن يبحث عن الحقيقة تماماً مثلما يفعل هو وتفعل شخصياته".

في أفلامه يطرح أسئلة بشأن ما يعنيه أن تكون مخرجاً سينمائياً، وما يعنيه أن تكون متفرجاً سينمائياً. أفلام غودار تطرح، كما قال الفيلسوف الفرنسي جيل ديلوز، "أسئلة يجيب عليها الصمت"، أسئلة تكمن أهميتها في حقيقة أنها تقاطع أو تزيح أو تستبدل طرائقنا الروتينية، المكرورة، في التحدث عن السينما.. أسئلة تكشف الطابع الأيديولوجي للتكنولوجيا السينمائية والخطاب معاً.

يقول غودار (كاييه دو سينما، ديسمبر 1962): "الجمهور ليس غبياً ولا ذكياً. لا أحد يعرف ما يكونه الجمهور. أحياناً يفاجئنا، وعادةً يخيّب أملنا. ليس بإمكان المرء أن يعتمد عليه. بطريقة ما، هذا أمر جيد. على أية حال، هو متحوّل، متغيّر. جمهور السينما العادية القديمة صار من جمهور التلفزيون. جمهور السينما انقسم إلى قسمين: أولئك الذين يرتادون الصالات في أيام العطل، وأولئك الذين يبحثون عن الأفلام ويسعون وراءها. عندما يتحدث إليّ المنتجون عن الجمهور، أقول لهم: أنا أعرف كيف يبدون لأنني أذهب إلى كل أنواع السينمات وأدفع مقابل مقعدي، أما أنتم فلا تذهبون إلى أي مكان، ولا تعرفون ما يحدث".



يؤكد غودار أن ما هو حي ليس ما يظهر على الشاشة، بل ما هو كائن بين المتفرج والشاشة. يقول (The Rolling Stone، يونيه 1969): "الفيلم لا يوجد على الشاشة، بل ينشأ من الحركة. الفيلم متحرك. الحركة من الواقع إلى الشاشة ثم رجوعاً إلى الواقع. والشاشة هي لا شيء، مجرد ظلال".

قبل ظهور الموجة الجديدة في فرنسا، كان هناك جمهور جديد يتشكّل، جمهور يطالب بسينما جديدة ومختلفة عن تلك التي تُعرض على الشاشات، وتبدو مملة ومبتذلة وتقليدية. الجمهور لم يكن يبحث عن جمالية جديدة بل أراد شخصيات جديدة.. هكذا جاءت الموجة الجديدة لتلبي هذا الطلب، وغيره.

هل يتوقع من المتفرج أن يستوعب كل ما يحتويه وما يطرحه الفيلم عبْر مشاهدة واحدة، أم يريد من المتفرج أن يشاهد الفيلم أكثر من مرّة لفهم المعاني تدريجياً؟

يجيب (The Christian Science Monitor, 3 August 1994): "معظم الأفلام لا يشاهدها الجمهور أكثر من مرة واحدة، لأن نظام التوزيع لا يجعلها متاحة وفي المتناول. لذلك فإن الناس يفوتون نصف الأشياء الموجودة في الفيلم. الفيلم مثل الموسيقى: أنت لا تفهم كل العلامات الموسيقية، مع ذلك لا يزال هناك ما يكفي لجعلها جديرة بالاهتمام (..) في السينما، نحن تدربنا، بواسطة الطريقة الأميركية في صنع الأفلام، على ضرورة أن نفهم ونستوعب كل شيء على الفور. لكن هذا ليس ممكناً. عندما تأكل البطاطس فأنت لا تفهم كل ذرّة من البطاطس".

من بين مخرجي الموجة الجديدة، ظل غودار الأكثر أسلبةً وتجريديةً، مجرباً على نحو متواصل، وعلى نحو عملي، في كل تقليد سينمائي. في الستينيات، كان اسماً فاعلاً ومؤثراً. وقد استمر في استجواب تقنيات صنع الفيلم التقليدي، وفي أفلامه اللاحقة، واصل بحثه الفكري عن بنى سردية جديدة، وسبْر جوهر الفيلم. وطو