top of page

" في عين العاصفة "حول المراحل الخمسة لأزمة منتصف العمر


دانتي أليغري " الكوميديا الإلهية" - حوالي ١٣٠٨ م ترجمة كاظم جهاد
" في منتصف طريق حياتنا ألفيتني في غابة مظلمة لأن جادة الصواب كانت مفقودة ."
دانتي أليغري " الكوميديا الإلهية" - حوالي ١٣٠٨ مترجمة كاظم جهاد

كيف نفهم حقيقة " أزمة منتصف العمر " ؟

هل هي مرض نفسي حتمي نصاب به في مرحلة عمرية معينة ؟ وصمة عار يجب أن نخفيها عندما نصاب بها ؟ أم هي مرحلة ضرورية في عمر الإنسان لابد أن يمر بها كل رجل وإمرأة ؟ ما هو المنظور المناسب لفهمها : علمي أم أدبي أم روحاني؟ هل هي ضرب من الكرب النفسي الذي نصاب به في طريقنا لقعر الإنهيار النفسي التام والإكتئاب المزمن ؟ أم إنها نعمة وفرصة في وجودنا كبشر تمكنا من إعادة تشكيل ذواتنا نحو الأفضل ؟

يسعى الكاتب وعالم النفس " أندرو جميسون " الى الإجابة عن بعض هذه التساؤلات وغيرها عبر تقديم واستعراض خلاصة معرفته الاكاديمية وخبرته كطبيب نفسي وتجربته الشخصية في المرور في أزمة منتصف العمر في كتابه الرائع "منتصف العمر - السلاح السري للانسانية " الصادر عن دار النشر " نوتنغ هيل " عام ٢٠٢٢ .



الكتاب موجز ومكثف وعميق ، يمزج فيه المؤلف ببراعة بين المعرفة العلمية الرصينة مع أمثلة مستقاة من عالم الأدب والسيرة الذاتية لشخصيات مشهورة ، تدعم اطروحات الكاتب في شرحه لموضوعه . اسلوب الكتابة وعرض الأفكار يتسم بالسلاسة وسهولة الفهم والإبتعاد قدر الإمكان عن مصطلحات أكاديمية معقدة إلا فيما تتطلبه ضرورة شرح الأفكار من الاستعانة بمفاهيم أساسية في علم النفس التحليلي وخاصة تلك المستمدة من أطروحات عالم النفس السويسري " كارل غوستاف يونغ " الذي يرتكز عليه مؤلف الكتاب في شرح رؤيته للموضوع .


محتوى الكتاب مكون من مقدمة وتسعة فصول وخاتمة بالاستنتاجات .

في مقدمته للكتاب يشير المؤلف الى أنه منذ بدء حياته المهنية كمعالج نفسي لاحظ أن ثلاثة أرباع من عالجهم في عيادته النفسية كانوا ممن تترواح أعمارهم بين الخمس وثلاثين الى الخمسة والخمسين عاما . كانوا دائما ما يحضرون جلستهم الأولى وهم في حالة من الاكتئاب والقلق وعدم اليقين حول ما ينبغي عليه أن يفعلوه في حياتهم . كانوا على شفير حالة من الانهيار النفسي التام يغمرهم احساس بالحيرة واليأس والغموض تجاه ما يعتقدون أنها مشاكل في حياتهم غير قابلة للحل . شبه عملية مساعدته لخروجهم من تلك الحالة كحال من يبذل جهدا صعبا في تسلق جرف صخري شاهق : كل انتقال الى مرحلة أعلى تعتمد على نجاح ما يسبقها . يلخص المؤلف تجربته بالقول : " خلال تلك العملية الشاقة الهادفة الى اجتياز هذا الجرف الصخري العاطفي الصعب، لايمكنني إلا الشعور مرارا وتكرارا بالاعجاب بالكيفية التي توفرها لنا فترات الاضطراب الداخلي هذه من فرصة لا مثيل لها لمراجعة حياتنا واستكشاف شخصياتنا وإعادة تشكيلها بما يتيح اطلاق امكانياتنا الداخلية والتخلص من تلك الجوانب من طبيعتنا التي تعيق نمونا النفسي " .

يمكن اعتبار " أزمة منتصف العمر " بمثابة " طقس المرور " الى حياة جديدة ( حسب تعبير المؤلف )، وهي مسألة وجدت انعكاساتها في مختلف مصادر الثقافة الانسانية منذ القدم . هناك اشارات عديدة في متن الكتاب الى ملحمة " الأوذيسة " الاغريقية ، والى " الكوميديا الإلهية " لدانتي ، والى أبطال أعمال أدبية لتولستوي وغوته وغيرهم . حيث واجه هؤلاء الأبطال شياطينهم الداخلية ومحنهم الخارجية في صراعات درامية أعادت تشكيل ذواتهم وأكسبتهم الحكمة في الحياة والاستنارة الروحية .

لا يوجد هناك أي معيار واضح للعمر الذي يمكن أن يمر به المرء عبر " طقس المرور " هذا . يضرب المؤلف مثالين بالغي الدلالة على ذلك : والدته عاشت " أزمة منتصف العمر" وهي السادسة والثمانين :


تولستوي

" فجأة تلاشت شخصيتها المتصلبة وسمات الرزانة القوية في طباعها ، وغرقت لعدة أشهر في اكتئاب غير معهود . ثم، ولأول مرة في حياتها، بدأت في تناول مضادات الاكتئاب ومراجعة طبيب نفسي. بعد فترة وجيزة، أمسكت بزمام أمرها وبدا أنها أصبحت مختلفة تماما. ذابت ثقتها الذاتية المفرطة وظهرت شخصية أكثر ليونة وتعاطفا وأكثر غموضا. سمح هذا التحول الغير متوقع في شخصيتها بمزيد من العلاقة الحميمة بيننا وخلال السنوات الأربع الأخيرة من حياتها أصبحت قريبا منها لأول مرة. نتيجة لذلك، تمكنا أخيرا من وضع حدا لكل التوترات والتشنجات التي كانت السمة المميزة لعلاقتنا لمدة ستين عاما ، الأمر الذي أجبرني بلا شك على إيجاد ملاذ في عقود من ممارسة العلاج النفسي " .


المثال الآخر الذي يورده الكاتب يتعلق بأزمة منتصف العمر التي مر بها " بيتهوفن " وهو في عمر الثانية والثلاثين .في نص شهير عرف " بوصية هايلغن شتادت " يبوح "بيتهوفن" لأخويه عن شعوره بالاكتئاب وانعدام الأفق في حياته بسبب فقدانه السمع وعجزه عن التواصل مع العالم من حوله وخاصة أن هذا الصمم يجعله في معضلة لا حل لها مع كونه موسيقيا . لاحقا يخرج " بيتهوفن " من حالة الاكتئاب الحادة تلك ويبدأ مسيرة حافلة بأعظم الابداعات في عالم الموسيقي .

المثالين أعلاه يستند عليهما الكاتب في إطروحته القائلة بأن ما يهم في أزمة منتصف العمر ليس توقيتها الزمني في عمر الانسان ، بل في ما يحدث فيها من مخاض تحولات ستعيد تشكيل شخصيته بصورة غير مسبوقة في حياته .

المهم ليس " متى " ؟ بل " ماذا يحدث " !

يبدو الأمر وكأنه ليس كل إنسان يعي ويدرك بالضرورة أنه يمر ،أو سيعبر في " طقس المرور " هذا . فهناك الملايين ممن تتمثل حياتهم فيما يعتقدونه أنه صيرورة ثابتة ومستمرة ومستقيمة لشخصياتهم سواء كان ذلك في النصف الأول من حياتهم أم في النصف الثاني . إن القدرة والرغبة في التفحص النقدي للذات، والاحساس الصادق بالتناقضات الداخلية التي تعصف بالنفس ، هي شروط أساسية لإدراك المرء لحالته النفسية وتشخيص علة إضطرابها . لذلك فإنه من الغير مستغرب ما يلاحظه المؤلف من حالة الإنكار الشديدة التي يبديها الكثير من مراجعيه وهم ينجرفون في خضم تيار القلق المضني المميز " لأزمة منتصف العمر " . هذا الانكار المرتبط برفض " الأنا " لمسائلة أدوارها في حياة الفرد وصراعها مع الذات الأصيلة بداخل النفس البشرية .


بيتهوفن