top of page

"كالتي هربت بعينيها / حجابُ اللُّغة"



أحمد السعيد

قبل أعوامٍ من قراءتي للسيرة الفكرية "كالتي هربت بعينيها" التي تفكك باسمة القصاب فيها حُجُبَ لُغةِ الجماعة التي انتمت إليها لتفهم ذاتها والعالم من جديد، قرأتُ بيتًا عن حجاب اللغة ذكره ابن الجوزي في المدهش:

 

ويدّعي وَصلَها مَنْ ليسَ يعرفُها                 إلّا بأسمائها في سائرِ الكُتُبِ

 

فأدركت أن الإنسان وبطبيعته الآنية المحدودة لا يمكنه أن يعبد المطلق، فهو يعبدُ محدودًا مثله، أي يعبد الحروف، فالحرفُ حجابه ومفتاحه، هناك كُتُبٌّ تفتح وأخرى تغلق، ومن يمتلك السيادة على الحروف يمتلك السيادة على العقول، وبالتالي يصبح العبدُ ربًّا متحكمًا في الناس، يمنحها الأمر دون أن تسأل؛ فكتبتُ قبل أن أقرأ "سيرة انعتاق الفراشة" أي سيرة خروج باسمة من جماعتها الصغيرة:

 


باسمة القصاب

الحرفُ حجابُ المعنى

وكِتابُكَ حِبرٌ يحجبُ عنكَ الرؤيا

أرخي صوتكَ لترى سِر الشوق ما بين العُشاقِ وليلى 

فلُغةُ المجنونِ مجازٌّ يعبر منها الحرفُ فيغشى

الكونُ اختلطَ الحِبرُ عليهِ

فالبردُ حريقٌ .. والنارُ صقيعٌ

والكّلُ احتار ما بين الشِعرِ وليلى

 

سيسألُ قلبُكَ: أينَ الله؟!

قال الأول:

انظر لكتابِكَ .. فالحَرفُ يحمِلُ سِرَّ القُربى

قال الثاني:

كتابُكَ سِرٌّ فيكَ .. أين تُولّي وَجهكَ فيهِ يُوَلّى

فقلتُ بقلبٍ صوفيٍّ:

إني مجنونٌ وحبيبي في القلبِ تجلى

من يعرفُ كُنهَ المعنى؟ مَن يعرفُ كُنهَ المعنى؟

 



أما عندما قرأت سيرة باسمة وتجربتها في جماعة الأمر، بدى لي فيها ذاك التجلّي الفاقِع للعبد الذي أصبح ربًّا مسيطرًا على اللغة، ومانحًا لذاته حق أن يكون آمرًا على العقول دون أن يكون لها -أي للجماعة- حق السؤال، من أين؟ ولماذا؟ وكيف يجيء هذا الأمر؟! كتبتُ حينها على آخر المخطوط:

 

قيل لنا: لا تسألوا. فذاك سؤالٌ إذا ما بدا للعقولِ أساءْ

وقيلَ لنا: هاكُم يقينًا زُلالًا كماء

فكان الجوابُ مليكًا وعرشًا

وسُلطانَنا الحرفُ أنّى لنا أن نرى فيهِ شَكًّا

إن هو حيثُ أَشأنا يشاءْ

وصارت تَحكُمُ فينا العِبادْ

فالعبدُ ربُّ والربُّ عبدٌ

من ذا يجوزُ المفازةَ

وينظُرُ في ذا السرابْ

ومن ذا يفتحُ باب السؤالِ ويُهرِقُ دَنَّ الشرابْ

ويستبدلُ ماءً بخمرٍ

وكأس الجِنانِ بكأسِ العذابْ

74 views0 comments
bottom of page