top of page

كتاب في بلاغة المقموعين




عرض وتقديم: علي البوجديدي 

صدر مؤخّرا عن دار كنوز المعرفة الأردنيّة كتاب جماعيّ جديد بعنوان: في بلاغة المقموعين، (2023). تنسيق الأستاذين: محمّد مشبال رئيس فرقة البلاغة وتحليل الخطاب وأستاذ البلاغة والنّقد الأدبيّ بكليّة الآداب بجامعة عبد المالك السّعديّ بتطوان بالمغرب، وعلي البوجديديّ، أستاذ الأدب العربيّ القديم بالجامعة التّونسيّة. والكتاب هو ثمرة النّدوة العلميّة الدوليّة التي التأمت يوم السّبت 27 ماي 2023 بالمركز الثّقافيّ والسّياحيّ بجزرة جربة (الجمهوريّة التّونسيّة) بعنوان: في بلاغة المقموعين. وهي ندوة من تنظيم: جمعيّة التّنشيط الثّقافيّ بجربة، وبالتّعاون مع وزارة الثّقافة والمندوبة الجهويّة للثّقافة بمدنين وجمعيّة منتدى أدب الطّفل بتونس. وقد أنجزت النّدوة تكريمًا للأستاذ والنّاقد المغربيّ ضيف تونس وجربة محمّد مشبال الحائز على جائزة الشّيخ زايد فرع الدّراسات النّقدية لسنة 2018، وعلى جائزة كتارا فرع الدّراسات النقديّة لسنة 2018. وعلى جائزة الملك فيصل لسنة 2020.

وقد تفرّدت النّدوة باستقبال الأستاذة جليلة الطريطر، أستاذة الأدب الحديث بكليّة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة بتونس، والقادمة توّا متوّجة بجائزة جائزة الشّيخ زايد فرع الدّراسات النّقدية لسنة 2023. وشرّف النّدوة وأغناها الأستاذ المترجم صديق جربة: محمّد آيت ميهوب، أستاذ الأدب الحديث والتّرجمة بكليّة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة بجامعة زايد، والمتوّج هو أيضا بجائزة الشّيخ زايد فرع التّرجمة لسنة 2020.

 ويأتي هذا الكتاب تتويجا لأشغال النّدوة، ومواصلة لمشروع طموح تحقّق بفضل عمل صامت دؤُوب بدأ منذ سنة 2020 وأنجز بالتّعاون مع فرقة البلاغة وتحليل الخطاب بكليّة الآداب بجامعة عبد المالك السّعديّ بتطوان بالمغرب، صدر منه الكتاب الأوّل المعنون: في بلاغة الأشكال الوجيزة (كنوز المعرفة، 2019). 

وقد أسهم في إغناء كتاب بلاغة المقموعين نخبة من أساتذة الجامعات العربيّة وهم على التّوالي: محمّد مشبال (المغرب)، العادل خضر (تونس)، علي البوجديديّ (تونس)، بسمة عروس (تونس)، نور الهدى باديس (تونس)، سامية الدّريديّ (تونس)، رابعة سوساني (المغرب)، شفيع بالزّين (تونس)، جليلة الطّريطر (تونس)، عيد بلبع (مصر)، طارق النّعمان (مصر)، محمّد مصطفى علي حسانين (مصر)، أحمد شايب (المغرب)، فتحيّة لكراميز (المغرب)، زهيّر تغلات (تونس)، إقبال العبيديّ اللمّوشيّ (تونس)، حنان الطّرابلسيّ (تونس)، مختار كحيليّ (تونس)، مراد المتيوي (المغرب)، وهو كتاب ضخم في حوالي 500 صفحة.

ومن نافلة القول إنّ المشروع البلاغيّ الذي يحاول هذا الكتاب الثّاني أن يتناوله بالدّرس، إنّما يهفو إلى دراسة إشكاليّات بلاغات المقموعين في علاقتهم بمدينة المركز ومدينة الهامش، هؤلاء الذين استعاضُوا عن سكنهم في المدينة بالبلاغة والحيلة على نحو مكّنهم من العيش في هذه الفضاءات التي كانت تطردهم وتنبذهم، وتطرحهم إلى هوامشها. ولا غرْوَ في ذلك فالمُدُن قديمًا وحديثًا، وحالما تتشكّل تُفرد قاطنيها وتردّهم إلى الهامش، وتوسِّع من دوائر الإقصاء، وتخرج من دائرة النّفوذ والسّلطة كلّ من لم يُفلح في الانتماء إلى نواتها الطّاردة الجاذبة في آن. 

وقد حفلَ الأدب كما حفلت الفنون وسائر الخطابات الأخرى بوصف المُدُن ورسم ملامح أهلها، إذْ صُوِّرت على سبيل المثال بغداد وما كان فيها من مظاهر الحضارة والتّرف أو ما أصابها من خراب ونالها من دمار نتيجة الحروب والجوائح، كما وُصفت البصرة وسمرّاء والقيروان ومرّاكش والقاهرة وباريس ولندن ونيويورك بأحيائها الرّاقية ولكن بأحيائها القصديريّة الموحشة أيضا. غير أنّ الهامش قد ظلّ في كلّ تلك المدن الفضاء المقابل للمركز بما يُحيل عليه من رقيّ حضاريّ وثقل تاريخيّ وسلطان سياسيّ. وقد اجترح سُكَّان المُدُن كما استنبط سُكَّان الهامش وسائط تعبيريّة مختلفة عبّروا بها عن انتمائهم للمدينة أو عن رفضهم الإقصاء والتّهميش فيها. لكن وعلى الرغم مما كانت تمتاز به الممارسات السلطوية من قمع وإقصاء وتهميش، كانت أصوت الهوامش من عيَّارين، ومُكْدّين، وسُرَّاق ليلٍ، ومُحتالِين، وحَمْقَى، ومُغفَّلين، ومجانين، وفنّاني غرافتي، وكاريكاتوريّين، وروائيّين، وقصَّاصين، ومُشَرَّدين، ومسجونين تفشل أحيانًا وتفلح في أحيان أخرى كثيرة من خلال وسائلها الخصبة والمبتدعة في أن تتجاوز الحواجز وتخترق العوائق والسدود وأن تنفذ إلى فضاءات المتون وهو ما أثرى الهامش وأغناه وجعل منه فضاء الإبداع وعنوان التمرّد والخروج، وغيّر على نحو جذريّ نظرتنا الدّونيّة له، تلك النظرة التي لم تكن ترَ فيه سوى موضوع للازدراء والقبح والمهانة. وبهذا ومثله أمكن للمبدعين عبر الحقب وعلى مرِّ العصور أن يُدرجوا ثيمة المدينة في نصوصهم بمركزها وهامشها، وأن يرسموا على نحو مغاير للمألوف الهامش في حركيّته وثرائه، ونبضه الحقيقيّ بالحياة الصّميمة، بما مكّنهم من أنْ يُثروا الإبداع مكتوبًا أو مرئيًّا، وأن ينوِّعوا من أجناسيّة الكتابة سردًا وشعرًا، صورة ومسرحًا أو سينما، وهو ما أسهم في رسم معالم المدينة وتأمُّل فضاءات الأحياء المهمَّشة فيها، ونقل هموم قُطَّانها وأجلى ما رَشَحَ من قضاياها، وأبانَ عمَّا يعتمل فيها من حياة وفكر وما تشهدانه من حراك وتقلقل. 

على أنّ من المهمّ أن نشير إلى علاقة البلاغة بالهامش والمركز، وأن نلتفت فضل التفاتة إلى أواصر التّرابط بينها وبين المقموعين فيها. ذلك أنّ اقتران لفظ البلاغة بالقمع أو بالمقموع في عنوان هذه النّدوة وفي مشاغل الكتاب، له ما يسوّغه في الإشكال الذي تتناوله دراسات الغالبية من الباحثات والباحثين، فإحدى دلالات البلاغة حُسْنُ الإبلاغ وقوّة التّبليغ وتوصيل الرّسالة إلى الآخر، ولأجل ذلك اقترنت البلاغة بالنّطق كما اقترنت بالصّمت الإراديّ، الذي يقصده المتكلم لأنّه يراه أبلغ في مقامه من النّطق. وبناء عليه، تتعارض البلاغة مع القمع وحجب الصَّوت وحظر كلّ أشكال التّعبير عن الذّات والموقف؛ إذْ يمكن القول والحال هذه إنّ البلاغة قد انبثقت من صراعها مع القمع سواء أكان خارجيّا أم داخليّا؛ فمن يتكلّم أو يختار أيّ وسيلة أخرى لتوصيل فكرته، إنّما هو كائن بليغٌ استطاع تخطّي دائرة القمع ومقاومته، وخرج من دائرة العدم إلى الوجود. فعندما نتحدّث في هذا المقام عن بلاغة المقموعين، فإنّنا نتحدّث عن صراع تاريخيّ بين فئة تنزَعُ إلى فرض بلاغتها ثقافيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا، وفئة أخرى تسعى إلى مقاومة هذه الهيمنة واستثمار المساحة المتاحة لها لإسماع صوتها المكتوم وتبليغ موقفها المقموع.

ولا بدَّ من التّنويه هنا إلى أنّ القاسم المشترك الذي انتظم كُلَّ تلك الدّراسات التي تناولت بلاغة المقموعين في هذا الكتاب، لم يكن سوى سعيها إلى الكشف عن الصّور المختلفة التي تَشكَّل بها المقموع في الثّقافة العربيّة قديمًا وحديثًا. 

ولقد ألفينا أنّ دلالة البلاغة في هذه الدّراسات التي انتظمت عقد المؤلّف الجماعيّ، ولئن لم تنصرف في جلّ المقالات إلى الاهتمام بالإنشاء أو بالخطاب الموصوف أو اللّغة الواصفة، ولم تمِلْ كلّها إلى دراسة جماليّات الحِجَاج وتقنيّاته أو التّركيز على أدوات الإقناع في خطابات المقموعين، فإنّ من غايات هذا العمل الأساسيّة رصد التَشكُّلات الخِطَابيّة النّوعيّة المختلفة للمقموعين في ثقافتنا. ووفق هذا الخيط النّاظم أبانت دراسات الباحثين عن ضروب متنوعة من بلاغات المهمّشين، وبحثت في إستراتيجيّات الرّفض والتّعبير. وأماطت اللّثام عن أنماط من المهمّشين، وأجناس من الأدب الهامشيّ، وتطرّقت إلى صور من المقموعين كعلاقة المرأة بالمدينة والهامش، وحضور القينة والعبد والخصيّ والمجنون والأعمى ونبّاش القبور في نصوص المبدعين. وعلاوة على ذلك فحصت صورة الزّنجيّ والمسلم واليهوديّ وغيرهم من المنبوذين المُبْعَدِين عن دائرة القرار والنّفوذ. فضلاً عن أنّ مقالات أخرى ضمّها متن الكتاب قد درست الفرق الدّينيّة الهامشيّة كالإباضيّة والشّيعة، وعَرضت للفضاءات الهامشيّة وعلاقتها المتوتّرة بالمركز، وهي التي نظرت في القصّ وفي النّوادر وفي إستراتيجيّات السّخرية والهزل لمداراة المركز والتفلّت من إساره. 

فكيف حضرت المدينة مركزًا وهامشًا في اللّغة والآداب والفنون؟ وكيف واجه المهمَّشون هذا الإقصاء النّشط، وهل تمكّنوا من أن يستنبطوا أشكالاً تعبيريّة راوغوا بها المركز وقاوموه؟ وما بلاغات المقموعين؟ وما هي مختلف الإستراتيجيّات الخِطَابيَّة التي تدبّروها في الجُرأة على المركز، وفي خلخلة المستقرّ الآسن من القيم؟ وكيف أمكنهم أن يفضَحوا ما تستَّر بغُلالة كثيفة من جور وحيف وظلم تَمكَّن من أجسادهم وحَدَّ من انعتاقهم؟

وعلى هذا السّمت حاول الكتاب أن يميط اللّثام عن بعض هذه الإشكاليّات المعرفيّة التي وجدناها في المدينة مركزًا وهامشًا، وأن يتتبّع حضور أصوات المقموعين، في أنواع مختلفة من الآداب والفنون وسائر الخطابات، وأن يفهم ما زَخَرَتْ به نصوصهم من تصور لجميع تلك الفضاءات، فضاءات العيش المشترك، أو ساحة الصّراع والتّنابذ والإقصاء. إذْ ليس من الخافي أنّ المدينة، أيًّا كانت عربيَّة أو غربيّة، قديمة أو حديثة، إنّما تُفْرِز هامشها، وهو هامشٌ تجلّى في التّفكير النقديّ ووضُح في التصوّر الفلسفيّ، وظهر في الآداب والفنون. وبهذا المعنى وضُحَتْ بلاغة الأشكال التّعبيريّة والخِطَابات المتباينة في وصف المركز وإلقاء ضوء التّقاطعات بين مدينة الأمس ومدن اليوم، والهامش الذي يظلّ دومًا مَقْصِيًّا منبوذًا، وأهله من المقموعين على هامش الحياة والمجتمع. وبناء على هذا المنجز العلميّ نستطيع القول إنّ المشاركين في أعمال هذا الكتاب قد ساهموا فعلاً في إعادة كتابة البلاغة العربيّة بما هي إنشاء خطابيّ وطاقات تعبيريّة وأصوات منبوذة تتوق إلى فرض ذواتها، في سياق هيمنة بلاغة رسميّة عملت على تمثيل تاريخ الثّقافة العربيّة بإقصاء ما يشذُّ عن معاييرها. هكذا حاولنا من وراء هذا الكتاب أن يكون انخراطنا في دراسة بلاغة المقموعين، مساهمة جادّة في مسار محاولات ترمي إلى الكشف عن منطقة ثريّة في جغرافيّة ثقافتنا العربيّة القديمة والحديثة، بما يسنَحُ لنا أن نسهم في تقديم رؤية إنسانيّة أرحب للعالم الذي نعيش فيه، هذا العالم الذي تأبى بعض قواه إلاّ أن تمارس سياسة الإقصاء وتُمْعِنُ في صور النَّبذ وصُروف وأشكال القمع. 

109 views0 comments
bottom of page