top of page

لحظة صَمْت إيمانويل أورتز



إمانويل أورتز: ( شاعر أمريكي من أصول مكسيكية/بورتوريكية من الجيل الثالث. كتبها عام 2002 بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لمهاجمة برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك.)

لحظة صمت، قبل أن أبدأ هذه القصيدة


ـــ قبلَ أنْ أبدأَ هذهِ القصيدةَ، أودُّ أنْ أطلبَ مِنْكِ أنْ تُشارِكَيني

لحظةَ صَمْت

تكريمًا لأولئكَ الذينَ قَضَوا في مركزِ التجارةِ العالمي وفي البِنْتَاجُون

في الحادي عَشْر من سبتمبر الماضي.

كما أودُّ أيضًا أن أطلبَ مِنْكِ

أن تمنحَي لحظةَ صَمْت

لكلِّ أولئكَ الذين أُنْهِكوا، أو سُجِنوا، أو اِخْتفوا، أو عُذِّبوا،

أو اِغْتُصِبوا، أو قُتِلوا ثأرًا لتلكَ الهجماتِ،

للضَّحايا في أفغانستان والولاياتِ المتحدةِ معًا.

وإذا كان لي أن أضيفَ فقط شيئًا آخرَ ...

يومًا كاملاً من الصَّمْت

من أجلِ عَشْراتِ الآلافِ من الفلسطينيينَ الذينَ ماتوا

على مدارِ عقودٍ

على أيدي قواتِ الاحتلالِ الإسرائيليةِ

المَحْمِيَّةِ من الولاياتِ المتحدةِ

ستةَ أشهرٍ من الصَّمْت من أجلِ مليونٍ ونصفٍ من الشَّعبِ العِراقي،

مُعظمُهم من الأطفالِ الذينَ ماتوا من سُوءِ التغذيةِ أو التَّضَورِ جُوعًا نتاجَ أحدَ عَشْر عامًا من حِصَارِ الولاياتِ المتحدةِ للبلاد.

قبلَ أن أبدأَ هذهِ القصيدةَ،

شهرينِ من الصَّمْتِ من أجلِ السُّودِ الخاضعينَ للتمييزِ العُنْصُري في جنوبِ أفريقيا،

حيثُ جعلهم الأمنُ الوطنيُ غُرباءَ في بلدِهم.

تِسْعةَ أشهرٍ من الصَّمْتِ للموتى في هيروشيما ونَجَازَاكِي،

حيثُ اِنْهمرَ الموتُ وخلعَ كُلَّ طبقة من طبقاتِ المِلاطِ، والحديدِ والأرضِ والجِلْدِ

ومضى النَّاجونَ وكأنَّهم أحياءٌ.

عامًا من الصَّمْتِ لملايينِ الموتى في فيتنام ـــ لشعب،

وليس لحربٍ ـــ لأولئكَ الذينَ

يعرفونَ شيئًا أو اثنينِ عن رائِحَةِ الوقودِ المُحْتَرِقِ،

وعِظَامِ أقارِبِهم المدفونةِ فيه، وأطفالِهم الرُّضعِ المولودينَ منهُ.

عامًا من الصَّمْتِ للموتى في كمبوديا(1) ولاوس، ضحايا حربٍ سِريَّة ....هشششششش.....

لا تقلْ شيئًا .... فلا نريدُهم أن يعرفوا أنَّهم موتى.

شهرينِ من الصَّمْتِ لعقودٍ من الموتى في كولومبيا،

ممن أسماؤهم، مِثْلَ جُثَثٍ ما أن جسَّدوها، حتى تكدَّسَتْ وخلعتْ ألسِنَتَنَا.

قبلَ أن أبدأَ هذهِ القصيدةَ،

ساعةً من الصَّمْتِ للسِّلفادُور ...

وما بعدَ ظَهِيرةٍ من الصَّمْت لنيكارجوا ...

يومينِ من الصَّمْتِ للجواتماليين ...

الذينَ لم يعرفْ أحدٌ منهم قط لحظةَ سلامٍ في سنواتِ حياتِهم.

45 ثانيةً من الصَّمْتِ لـ 45 قتيلاً بالأسيتال، في تشياباس

25 عامًا من الصَّمْتِ لمائةِ مليونِ أفريقي وجدوا

قبورَهم في المُحِيطِ أعمقَ كثيرًا ممَّا يمكنُ لأيِّ بِناءٍ

أنْ يَنْدَسَ في السماءِ.

ولنْ يكونَ هناكَ اختبارٌ للحمضِ النووي ولا لسِجِلاتِ عِلاج الأسنانِ للتعرُّفِ على بقاياهُم.

ولأولئكَ الذينَ تدلُّوا وتأرْجَحُوا من أعالي شَجِرِ الجُمَّيزِ في الجَنُوبِ، والشَّمالِ، والشَّرْقِ، والغَرْبِ ...

100 عامٍ منْ الصَّمْت...

من أجلِ مئاتِ الملايينِ من الشعوبِ الأصليَّةِ من نصفِ

الحقيقةِ الذي هُنا،

مِمَّنْ سُرِقَتْ أرضُهُمْ وحيواتُهُمْ،

في كروتِ بُوسْتَالٍ ذاتِ حَبْكاتٍ مُتْقَنةٍ مثلَ مُحْمِيَّةِ باينْ ريدجْ، أو مذبحةِ الرُّكبةِ الجريحةِ، أو مذبحةِ خليجِ الرمالِ،

أو معركةِ الأشجارِ المُتساقِطةِ، أوطريقِ الدموعِ.

أسماءٌ تقلَّصتْ الآنَ إلى مجرد شِعْرٍ جذَّابٍ حميدٍ حول ثلاجة وعينا ...

فهلْ تُريدين هكذا لحظةَ صَمْت؟

ونحنُ جميعًا متروكون فاغري الأفواه

ألْسِنَتُنا منزوعةٌ من أفواهِنا

عيونُنا مُطْبَقةٌ

لحظةَ صَمْت

والشعراءُ جميعًا قد أُخْلِدُوا للراحةِ

وتهشَّمتْ الطبولُ في الثَّرى.

قبلَ أن أبدأَ هذهِ القصيدةَ،

تُريدين لحظةَ صَمْت

تُعْلِنينَ الحِداد الآنَ كما لو كان العالمُ لن يعودَ هو ذاتُه قط

والبقيةُ منَّا مِمَّنْ يأملونَ أن يُذْهِبوه إلى الجَحِيمِ لن يفعلوا. ليس كما اعتاد أن يكونَ دائمًا.

لأنَّ هذهِ ليستْ قصيدةَ الحادي عَشْر من سبتمبر.

إنها قصيدةُ العاشرِ من سبتمبر.

قصيدةُ التاسعِ من سبتمبر،

قصيدةُ الثامنِ من سبتمبر، قصيدةُ السابعِ من سبتمبر

إنها قصيدةُ 1492.(2)

هذه قصيدةٌ عمَّا يجعلُ قصائدَ مثلَ هذهِ القصيدةِ تُكْتَب.

وإذا كانتْ هذهِ قصيدةَ الحادي عَشْر من سبتمبر، إذًا: فإن

هذه قصيدة ُالحادي عَشْر من سبتمبر في شيلي، 1971.(3)

هذه قصيدةُ الثاني عَشْر من سبتمبر من أجلِ ستيف بيكو في جنوبِ أفريقيا، 1977.

هذهِ قصيدةُ الثالثِ عَشْر من سبتمبر من أجلِ الإخوةِ في سجنِ أتيكا، نيويورك، 1971.

هذهِ قصيدةُ الرابعِ عَشْر من سبتمبر من أجلِ الصُّومال، 1992.

هذهِ قصيدةٌ لكلِّ التواريخِ التي تساقطتْ على الأرضِ في الرَّمادِ

هذهِ قصيدةٌ لقِصَصِ الطَّوابقِ المائةِ وعَشْر التي لم تُحكَ قَطُّ

قِصَصِ الطَّوابقِ المائةِ وعَشْر التي اختار التاريخُ ألا يُدوِّنَها في كُتُبِ التاريخِ

قِصَصِ الطَّوابقِ المائةِ وعَشْر التي أصَرَّتْ السي إن إن، والبي بي سي، والنيو يورك تايمز، والنيوز ويك أن تتجاهلَها.

هذهِ قصيدةٌ لاعتراضِ هذا البرنامج.

ومازلتِ تُريدين لحظةَ صَمْت لمُوتاكِ؟

يمكنُنا أن نَمْنَحَكِ أعمارًا مِمَّا هو فارغ:

القبورِ المجهولةِ

اللغاتِ المفقودةِ

الأشجارِ والتَّواريخِ المُقْتَلَعَةِ الجذورِ

الحَمْلَقَاتِ المّيْتَةِ على وجوهِ أطفالٍ بلا أسماءٍ

قبلَ أنْ أبدأَ هذهِ القصيدةَ يمكنُنا أن نَصَمْت للأبدْ

أو لزمنٍ طويلٍ بما يكفينا لأنْ نتحرَّقَ شوقًا

إلى الترابِ لنُدْفَن

ومازلتِ تطلبينَ منَّا

المزيدَ مِنْ الصَّمْت.

إذا كُنْتِ تُريدين لحظةَ صَمْت

فلتُوقِفي مضخَّاتِ الزَّيتِ

أغْلِقِي المُحَرِّكَاتِ والتلفزيوناتِ

أغْرِقِي الطَّوَّافِاتِ

أسْقِطِي أسْواقَ المَالِ

أطْفِئي أنْوارَ المَسْرحِ

اِمْسَحِي الرَّسَائلَ الفوريَّةَ

حوِّلي مَسَاراتِ القِطَاراتِ، يَنْتَقِلْ مَسَارُ الضّوء.

إذا كُنْتِ تُريدينَ لحظةَ صَمْت، ضَعِي قالبَ قِرْمِيدٍ عبرَ نافذةِ تاكو بيل،

وادْفَعِي للعاملينَ مقابلَ الأجورِ الضَّائِعة.

اِهْدِمِي محلاتِ المشروباتِ الرُّوحيةِ،

والبيوتَ الصغيرةَ، والبيوتَ البيضاءَ، والسِّجُونَ،

والأدوارَ الأخيرةَ، والخُلعاءَ.

إذا كُنْتِ تُريدينَ لحظةَ صَمْت،

فلتأخُذيها إذنْ

ليلةَ وليمةِ الأحدِ الكبيرةَ،

في الرابعِ من يُوليو،

خلالَ تخفيضاتِ مدينةِ دايتون المُمْتدةِ ثلاث عشرة ساعة

أم أن ذنْبَكِ الأبيضَ المرةَ القادمةَ يملأ المساحة التي يجتمعُ فيها شعبي الجميلْ

تُريدينَ لحظةَ صَمْت

إذن خُذِيها الآنَ،

قبلَ أنْ تبدأَ هذهِ القصيدةَ.

هُنا في صَدَى صوتي.

في الفراغ فيما بينَ الخُطُواتِ العَسْكريةِ الرَّتيبة،

في الفضاءِ ما بينَ الأجْسَادِ وهي تتعانقُ،

هُنا صَمْتُكِ.

خُذِيهِ.

لكنْ خُذِيهِ كُلَّهُ ... لا تَقْطَعِي امتداده.

دَعِي صَمْتَكِ يبدأ عندَ بِدايةِ الجَريمةِ، لكنَّنا

الليلةَ سنحتفظُ بِحَقِّنا في الغِنَاءِ ... لمَوْتَانَا.


إيمانويل أورتز، 11 سبتمبر 2002.


************************

  1. إشارة إلى تدخل أمريكا في الشئون الداخلية الكموبدية والحرب الأهلية التي اندلعت من 1969 إلى 1973 المعروفة بالحرب الكمبودية، مما أدى إلى تشرد مليوني لاجئ وقتل أكثر من 16 ألف قتيل.

  2. هذا التاريخ هو تاريخ سقوط الأندلس.

  3. 11 سبتمر 1973 هو تاريخ انقلاب شيلي وليس 1971. (المترجم)

*************************



صمت التاريخ وتاريخ الصمت :
قراءة في شعرية الصمت لدى إيمانويل أورتز*

من مفارقات كلمة الصمت أنها كلمة حافلة بالكثير من الدلالات والكثير من الكلام، كلمة ما يسكنها من الكلام أكثر بكثير مِمَّا يسكنها من الصمت. كلمة تحوي الكثير من الكلام المُرْجَأ في ثناياها والقابل في أي لحظة للانطلاق، في الوقت ذاته الذي ينطق فيه الصمت ما لا يسع الكلام أن ينطقه أو يقوله. بعبارة أخرى يملك الصمت أن يتكلم لغته وأن يحمل في ثناياه الكثير من لغات الكلام، ومن هنا تحديدًا تنبع قوة الصمت، بما هو فعل وإمكان، بما هو سلب فاعل وإمكانية للإيجاب، بقدرته الفريدة على أن يسكن فضاءه الخاص وأن يسكن أيضًا في تلافيف الكلام وفضاءاته.

هكذا هي كلمة الصمت، كلمة تحوي في ثناياها دومًا إمكان نقضها، كلمة قادرة دومًا على أن تنطق ما لايقدر الكلام على نطقه وقوله، فالكلام لا يسعه أن يحوي في ثناياه الصمت إلا كبُرهة عابرة بين كلمة وكلمة أو كلام وكلام، وهو ما يعني ملازمة الصمت الدائمة للكلام وأنه أيضًا شرط إمكانه اللازم. بينما لا يُعد الكلام شرطًا لإمكان الصمت.

هكذا يبدو الصمت مُتقوِّمًا بذاته، بينما لا يسع الكلام أن يكون دون هذا الحضور اللازم للصمت. كما يبدو الصمت أيضًا بوصفه تلك القوة القادرة من حين لآخر على ترويض وتنعيم وتنغيم الكلام، كما أنه أيضًا هذا الفضاء الفاصل والواصل ما بين كلام وكلام.

ثم ماذا عمَّا يحويه الصمت من دلالات وتجليات ووظائف متنوعة ومختلفة؛ إذ تتراوح أشكاله ووظائفه وتجلياته بين ما هو اختياري ينطق بالإنصات والفِطنة والتدبر والتأمل والحِكمة، أو الأمانة والتكتم وحفظ السر وصونه، وما هو آية وعبادة وصوم وتبتل، وما هو قهري وقسري وإجباري، وما هو انكسار وخضوع، وما هو اعتراض واحتجاج ورفض، وما هو اندهاش ووجوم، وما هو فجيعة وصدمة، وما هو سكينة وهدأة، وما هو غطرسة واحتقار وتعالٍ، وما هو تواضع، وما هو خجل وحرج وخزي وعار، وما هو أدب أو تأدُّب وتلطُّف، وما هو حذر وخوف وتقية، وما هو كبت وجبن ورهبة، وما هو تقدير واحترام وإجلال، وما هو قمع وعقاب، وما هو عشق ووله وهُيام، وما هو جذب ولفت وإثارة، وما هو بيان وبلاغة وما هو عجز وبلادة، وما هو طقوسي وتعبدي وحِدادي، وما هو تواطؤ وتآمر وسلب وإنكار .. وما هو أيضًا سوى ذلك من أشكال وتجليات عديدة ومتنوعة للصمت.



كما يقترن الصمت أيضًا بالعديد من الظواهر والدلالات والأزمنة والأمكنة، كالعدم والخواء والفراغ والموت والغياب والليل والشتاء والظلام والمحابِس والزنازن والسجون والقبور والصوامع والصَّحارى والبحار والأنهار والجبال والغابات وسواها من العوالم والفضاءات. هكذا يبدو الصمت ناطقًا ومقترنًا بالعديد والعديد من الدلالات والقيم والمعاني.

إلا أنه وفي ظل كل هذا التنوع لأشكال وأنواع الصمت، يظل هناك فرق بالتأكيد بين صمت جليل راقٍ شجي كصمت الحِداد وصمت آخر يولده العنف والقتل، ويفرضه التواطؤ والتآمر. كما يظل دومًا، وكما يُنبِئنا سفر الجامعة للصمت وقت وللقول والإفصاح وقت (انظر سفر الجامعة، الإصحاح الثالث: 7).

وبهذا المعنى، فإنه مثلما يمكننا أن نتحدث عن استراتيجيات للكلام والخطاب، يمكننا أيضًا أن نتحدث عن استراتيجيات أخرى للسكوت والصمت.

إن هذا الثراء الاستثنائي لدال الصمت، كما يبدو، هو ما دفع إيمانويل أورتز أن يبني عليه قصيدته من مبتداها إلى منتهاها؛ إذ من خلال هذا الدال المِفْتَاحِي، أو على حد تعبير الشكلانيين الروس، من خلال هذا العنصر المُهيمن، يفضح أورتز في هذا النص ’’المُحاكَمة‘‘ كذب وزيف الحِداد الأمريكي على قتلى البرجين، من خلال هذا اللعب الخلاق على دال الصمت الذي هو لازم طقس الحِداد، على هذا النحو الذي يُعرِّي ويفضح فيه ما تنطوي عليه المُطالَبة الأمريكية بالصمت الحِدادي على قتلى البرجين من رياء وزيف ومتاجرة باسم الموت، من خلال كشف وفضح بعض جرائمها وجرائم الغرب الرأسمالي على مدار التاريخ الإنساني، وبما يقلب لحظة الصمت إلى لحظة كلام، ولحظة الحِداد إلى لحظة حساب على كل طقوس القتل والدمار التي اقترفتها والتي مازالت تقترفها أمريكا باسم الحِداد، وباسم صمت الحِداد.

إن لحظة الصمت الراهنة، لحظة الصمت التي تطلبها الولايات المتحدة الأمريكية من العالم كله والتي تحتل واجهة المشهد ليست إلا امتدادًا وانعكاسًا لأرضية أو خلفية أفعالها وممارساتها على مدار التاريخ، هي وعالمها الرأسمالي الاستعماري ـــ الإمبريالي، أي ليست إلا تجليًا لهذا المتصل من العنف والصمت، ومن القتل والحِداد الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية على العالم أجمع، عبر كل تلك الممارسات الإجرامية، البشعة واللا إنسانية، التي ترصدها وتسجِّلها القصيدة.

إن أورتز يطالب أمريكا، إذا كانت فعلاً تريد حِدادا، أن تمارس حقًا الحِداد، أي ألا تتاجر باسم الموت والموتى، ألا تتاجر باسم الضحايا، أي أن تمارس حِدادا حقيقيًا، حِدادا لا يتاجر بالأموات والأحياء، حِدادا يليق بجلال الموت، دون أن يجعل من الحِداد ضريبة موت يدفعها الآخرون للجُباة.

لقد آن لهذا الصمت أن ينطق، لقد آن لمن فُرِض عليهم الصمت أن يتكلموا، وهكذا تتحول القصيدة إلى سردية من سرديات المُحاسبة، سردية من سرديات المُحاكمة والإدانة، مُحاكمة القتلة، قتلة البشر وقتلة التاريخ، تتحول إلى جردة وكشف حساب سردي بالغ الإيجاز والتكثييف، في ظل تراجع الوعي التاريخي وتناسي المؤرخين وكتبة التاريخ ما ذُكِر يومًا أو تم الصمت عنه في بعض كتب التاريخ؛ ولذا يلعب الشاعر هنا دور المُؤرِّخ على نحو لا يخلو من إدانة لكتبة وقارئي ودارسي التاريخ.

إن كل إشارة من الإشارات، كل لحظة وكل زمن من اللحظات والأزمنة المُشار إليها في القصيدة تختزن في ذاكرتها سرديات وحكايات شتى من الألم وصنوف عديدة ومتنوعة من العذاب والمعاناة، والدمار والحطام، والدماء والخراب والضحايا، تحوي في ثناياها جُثثًا وأشلاء، وأحلامًا تلاشت، وابتسامات قُصفت، وآمالاً تطايرت وتبخَّرت في ثنايا الدخان. كل لحظة تحوي جرائمها، تحمل فواجعها ومآسيها، تحمل نُدوبها ومخازيها، بقدر ما تحمل صمتها الآسن الراكد الثقيل.

إن هذه القصيدة مرثية لصمت التاريخ، مرثية للتاريخ المسكوت عنه، وليس للحادي عشر من سبتمبر وقتلى الحادي عشر من سبتمبر.



ودعونا نلعب لعبة مع هذه القصيدة كيما ندرك مغزاها وفحواها، دعونا نستبدل بعبارة ’’لحظة صمت‘‘ عبارة ’’ لحظة قتل‘‘، حتى ندرك بعضًا من لعبة القصيدة، وحينها سنجد أن كل لحظة صمت ليست شيئًا آخر سوى لحظة قتل، وكل زمن من أزمنة الصمت في القصيدة هو زمن للقتل والقتلة، ليس فقط للبشر ولكن أيضًا لفعل القتل ذاته، وهو ما يعني قتل الوعي وقتل التاريخ واغتياله. هكذا تبني القصيدة بلاغتها وشعريتها عبر عبارات بالغة البساطة ولكنها بالغة العمق والثراء والكثافة.

إن ما تنقده وتفككه وتهدمه وتنقضه القصيدة هو قَصْر لحظة الصمت على الحادي عشر من سبتمبر، هو مؤامرة السكوت والصمت عن كل الجرائم المُوجِبة لأزمنة من الحِداد.

وهكذا تفضح القصيدة جرائم الرأسمالية؛ من خلال العديد من الكنايات المُشيرة للرأسمالية واستغلال الرأسمالية، وهي كنايات تنضح بسخرية مريرة من النزعة الاستغلالية للرأسمالية الأمريكية التي لا تصمت ولا تكف عن الاستغلال للحظة واحدة، بينما تطالب الآخرين بالصمت، ليس فقط صمت الحِداد وإنما الصمت المُطْبِق والأبدي على جرائمها. إن أورتز يفضح ويُعرِّي أيديولوجيا التعالي والاستعلاء، أيديولجيا الصَّلف الأمريكي، أيديولوجيا إعلاء الذات الأمريكية والتمركز على الذات، واعتبار الأمريكيين هم وحدهم من يستحقون طقس الحِداد، وهنا يصدم أورتز الصَّلف الأمريكي إذ يساوي بين ضحايا الأمريكان وضحايا الأفغان (للضحايا في أفغانستان والولايات المتحدة معًا) قائلاً لهم عليكم أن تدركوا أن الأفغان أيضًا بشر مثلهم مثل الأمريكان وأنهم يستحقون أيضًا الحداد.

ثم يأخذ بعد ذلك في التصعيد الزمني للحِداد، فيتلاعب بالمدى الزمني المُتعارَف عليه لطقس الصمت الحِدادي، ليجعل زمنه مُكافِئًا لحجم وبشاعة الجرائم المُقترَفة. ذلك أن لحظة الصمت الحِدادي تساوي بين كل جرائم القتل؛ بغض النظر عن عدد وحجم الضحايا وبشاعة وفظاعة الجرائم، وهو ما يفضح من خلاله أوزان وأحجام الجرائم المُقترَفة في التواريخ والأمكنة المُشار إليها. فهناك حوادي عشر أخرى من سبتمبر، وهناك ما قبل وما بعد الحادي عشر من سبتمبر، وهناك سنوات أخرى أسقط فيها الغرب الاستعماري ممالك، وهناك أجناس أخرى غير أمريكية وغير غربية وغير بيضاء شُرِّدت وشُوِّهت وأبيدت، وأماكن وبلدان ارتكبت فيها فظائع وجرائم تتجاوز، بما لا يُقاس، ماحدث لأمريكا في الحادي عشر من سبتمبر. والمفارقة أن أمريكا كانت هي الفاعل، إلا أنها لم تدعُ قط للحظة صمت حِدادية كتلك، بل كانت تدعو لصمت من نوع آخر، صمت يُخفي الجريمة ويطمسها ويُعفِّي عليها. بينما الآن وفي هذه اللحظة، لحظة سقوط برجي التجارة وضرب البنتاجون، تنطلق تتكلم وتطالب الجميع بالصمت من أجل ضحاياها، ضحايا أمريكا الأبرياء.



وهنا يلفتنا جورج ليكوف، أحد أهم مُحلِّلي الخطاب السياسي الأمريكي، إلى ضرورة ملاحظة كيف أطَّرت الإدارة الأمريكية الحدث في البداية، ثم كيف أنها سرعان ما أعادت تأطيره. لقد كان التأطير الابتدائي للحدث هو ’’أنه جريمة نتج عنها ضحايا واقترفها جُناة يجب ’’مثولهم أمام العدالة‘‘، و’’عقابهم‘‘. لكنها ما لبثت أن حوَّلت إطار الحدث من إطار الجريمة إلى إطار الحرب. إن إطار الجريمة يستدعي القانون بما يفرضه ويلزم عنه من حقوق لكل الأطراف، وبما يفرضه من فضاءات وأدوار وإجراءات: محاكم، محاكمات، ادعاء، قضاة، محامين، حُكم، استئنافات الخ ثم ما لبثت أن حوَّلت هذا الإطار وأعادت تأطير الحدث من إطار الجريمة إلى إطار الحرب التي يكون فيها كل شيء مُباحًا، وهنا عبر إعادة التأطير الأمريكي لأحداث الحادي عشر بوصفها حربًا كان على الجميع أن يصمت. وقد استطاعت أمريكا أن تفرض هذا الصمت عبر قوة الصور من خلال الإعادات المُتكرِّرة لمشاهد الطائرات المُخترِقة، والتي كانت تتماثل على مستوى التقمص والتماهي وكأنها رصاصة تخترق رأس المُشاهِد؛ إذ كما يرى جورج ليكوف،‘‘ ثمة عدد من الاستعارات الخاصة بالمباني.

وإحدى هذه الاستعارات البصرية الشائعة هي أن المباني رؤوس ونوافذها بمثابة العيون. إن الاستعارة غافية dormant، كائنة في أمخاخنا، تنتظر ما يوقظها. وقد أتت صورة الطائرة المُخترِقة للبرج الجنوبي من مركز التجارة العالمي لتستثيرها. لقد أصبح البرج رأسًا والنوافذ عيونًا، وحافة البرج خدًا، وأصبحت الطائرة المُخترِقة له رصاصة تخترق رأس شخص ما. وألسنة اللهب المُندلِعة من الجانب الآخر هي الدم المُنْبجِس. هذا فضلاً عما تُضمره وتستدعيه صورة اختراق الطائرات للبرجين والبنتاجون بألسنة اللهب من دلالة قضيبية ـــ مهبلية إنها صورة مهبلية من الفضاء تفتض فيها الطائرات البنايات كالصواريخ. إن هذه التأويلات القضيبية أتت من نساء شعرن أنهنَّ اِنْتُهِكْن مرتين: مرة بالهجمات، ومرة أخرى بعرض صورها على التليفزيون‘‘‘. (جورج ليكوف، لا تفكر في فيل، ترجمة طارق النعمان ص 87-88)

إن هذه المَسْرحة المتتالية للحدث عبر الشاشات، والإلحاح عليها كان لا بد لها من أن تفرض على الوعي الجمعي الأمريكي صورة الضحية، وألا تَقْصِر فعل الانتهاك فقط على من أصابهم الحدث في نيويورك وواشنطن، وأن تنقل عدواه إلى كل العقول والأمخاخ الأمريكية، وغير الأمريكية أيضًا.

لقد كان هذا البث المُتكرِّر للمشاهد صباح مساء قادرًا على غرس الحدث واستدماجه في جسد كل أمريكي، ومن ثم غرس إطار الحرب بما يلزم عنه من سيناريو، سواء على مستوى الوعي أو اللاوعي، وإزاحة إطار الجريمة بكل ما يفرضه السيناريو الخاص بها، ومن ثم فُرِض الصمتُ على الجميع، باسم الحرب على الإرهاب؛ إذ لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.



إن الصمت غياب للكلام، إلا أن الصمت الحِدادي هو غياب يستدعي حضور الغائبين في ثناياه، وهذا بالطبع هو ما يفرق صمت الحِداد المُثقل بغياب الكلام وحضور البشر الغائبين عمَّا عداه من أشكال الصمت الأخرى العديدة. وبالطبع، فلا يمكن في مشهد الصمت هذا لأحد أن يحضر سوى الضحية الوحيدة سوى أمريكا؛ إذ بدا مع الحدث ومع الكيفية التي تم بها تأطير الحدث أن التاريخ يبدأ من هنا وكأنه لم يبدأ قط من هناك. وكأنه ما من قتلى سوى قتلى الحادي عشر من سبتمبر وما من ضحايا سوى ضحايا أمريكا الأبرياء. إن هذا التأطير تحديدًا، وكما يبدو، هو ما ولَّد القصيدة وجعلها تتشكل وتنبني على هذا النحو الذي تشكلت وانبنت به، وجعلها تعيد تأطير الصمت الذي تحاول الولايات المتحدة الأمريكية فرضه على العالم أجمع باسم ضحاياها وباسم حِدادها وباسم الحرب على الإرهاب التي تبدو وكأنها، وللمفارقة، نمط أمريكا الخاص في الحِداد! بما يمحو المسافة بين القتل والسلب والتشريد والاغتصاب وبين الحزن وطقس الحِداد.

ومن ثم تأتي القصيدة لتُفكِّك هذا الصمت وتنقضه وتفتحه على أزمنة أخرى وأمكنة أخرى وسرديات أخرى سوى السردية الأمريكية الوحيدة، سرديات لا تقتضي فقط لحظة أو لحظات من الصمت بل ساعات وأيامًا وشهورًا وسنينن وعقودًا الخ. هكذا تواجه االقصيدة سردية الضحية الأمريكية بسرديات أمريكية أخرى لعبت فيها أمريكا والقوى الاستعمارية دور القاتل والجلاد وليس دور الضحية، لتقلب السحر على الساحر، وتعكس وتقلب تمامًا المنظور.

وهكذا تبدو القصيدة وكأنها انتهاك لمطلب الصمت الأمريكي، انتهاك لمطلب الحِداد، تأتي القصيدة بوصفها فعلاً من أفعال القول حول الصمت، هذا الصمت الذي يحوي في ثناياه الكثير من الكلام؛ فتأتي كل دعوة صمت لزمن ما لتتوافق مع حجم الجريمة المُقْترَفة، وهنا تتغير وحدة الزمن فلا تصبح لحظة، وإنما تتسع وتمتد في حساب الزمان بقدر اتساع وامتداد الجريمة. ولينفتح كل تاريخ من هذه التواريخ على سرديته الخاصة أو بالأحرى سردياته العديدة الصامتة والمسكوت عنها في حضرة السردية الأمريكية الوحيدة. وليصبح كل تاريخ من هذه التواريخ التي تدعونا إليها القصيدة إعادة نطق وكتابة لهذا التاريخ والسردية أو السرديات الخاصة به. وإذن فإن كل دعوة للصمت هي دعوة للكلام والقول والبوح والحكي والمحو والكتابة وإعادة الكتابة. إن جدل الصمت والنطق وقلب دلالاتهما هما ما تلعب عليه وتتلاعب به هذه القصيدة. إن أورتز يقلب السحر على الساحر، يجعل الدعوة للصمت دعوة للكلام والنطق والبوح، ودعوة الحِداد دعوة للتشهير والتجريس والفضح، مع الاحتفاظ بحق الغناء.

وهكذا تتداعى ذاكرة أورتز لتنزف متوالية مِمَّا تيسر من بعض جرائم التاريخ الدموي البشع التي اقترفتها أو رعتها أمريكا والغرب.

وعبر كل هذا يوزِّع أورتز سخريته توزيعًا أوركستراليًا على امتداد القصيدة، مُغطيًا مراحل ومشاهد شتى من تاريخ أمريكا وتاريخ الغرب في علاقتهما بالآخر في تجلياته المختلفة.

  • لدينا يوم كامل من الصمت من أجل عشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين ماتوا على مدار عقود على أيدي قوات الاحتلال الإسرائلية المحمية من الولايات المتحدة.

  • وستة أشهر من الصمت من أجل مليون ونصف من الشعب العِراقي.

  • شهران من الصمت من أجل السُّود الخاضعين للتمييز العُنْصُري في جنوب أفريقيا، ممَّا جعلهم مُغترِبين في وطنهم.

  • تسعة أشهر من الصمت للموتى في هيروشيما ونجازاكي اللتين انهمر فيهما الموت ليخلع كل طبقة من طبقات الملاط والحديد والأرض والجلد، على هذا النحو الذي يساوي بين الجمادات والبشر بين الملاط والحديد والجلد البشري، والذي يبدو معه الناجون وكأنهم أحياء، بما يجعل حرف التشبيه كأن هنا يبدو وكأنه حرف إثبات ونفي في آن واحد، أي أنهم أحياء ليسوا بأحياء، أي أنهم في وضعية مجاوزة لتعريفا الموت والحياة وضعية ثالثة لا هي بالحياة ولا هي بالموت، ولا تغيب هنا، بالطبع، الكناية الضمنية المُحيلة على المواليد المُشوَّهين من خلال مدة التسعة أشهر التي هي مدة حمل النساء.

  • عام من الصمت لملايين الموتى في فيتنام، ومع فيتنام فإن الحِداد ليس فقط على الموتى ولكنه أيضًا على الأحياء وما شهدوه من صدمات وفجائع في ضحاياهم أو في مواليدهم.

  • وهو يضيف عامًا آخر من الصمت لتدخل أمريكا في كمبوديا ولاوس وحربها السرية هناك.

  • وتبلغ السخرية مداها وحدها الأقصى حين يستعير صوت أمريكا الحنون الشفوق من خلال تلك النبرة الساخرة التهكمية التي تُبرِّر فيها عدم حِدادها على كل هؤلاء من الأموات والأحياء لأنها لا تريد لهم أن يُصْدَموا بمعرفة أنهم موتى.

  • شهران من الصمت لعقود من الموتى في كولومبيا.

  • ساعة من الصمت لتدخل أمريكا في السلفادور.

  • وما بعد ظهيرة من الصمت لنيكارجوا.

  • ويومان من الصمت للجواتماليين.

  • و45 ثانية من الصمت لـ45 قتيلاً بمادة الأسيتال السَّام في ولاية تشياباس المكسيكية. وكأن كل إنسان لا يساوي أكثر من ثانية.

  • و25 عامًا من الصمت لمأساة جلب العبيد من أفريقيا، مأساة مائة مليون أفريقي وجدوا قبورهم في المحيط أعمق كثيرًا مما يمكن لأي بناء أن يندس في السماء، لنغدو هنا مع صمت المحيطات، صمت المياه الثقيلة. لقد قُتِلوا دون أن يُحقق في الجريمة دون تعقب لأي أدلة من قبيل ما تُمارسه أمريكا اليوم ببحثها عن الأحماض النووية وبحثها في السجلات الطبية لمعرفة الجُناة والضحايا. وهي كناية عن انعدام العدالة الفاضح الذي أتاح لأمريكا أن تفلت بجرائمها في الوقت الذي تُحاسِب فيه آخرين على جرائم لم يقترفوها من خلال تزويرها وتلفيقها للأدلة؛ على نحو ما فعلت وتفعل في العديد من بلدان العالم، كالعِراق وأفغانستان والصومال وسواها.

  • مائة عام من الصمت من أجل مئات الملايين من الشعوب الأصلية ممن سرقت أراضيهم وسرقت حيواتهم، على نحو ما حدث في محمية باين ريدج ومذبحة الركبة الجريحة في 29 د يسمبر 1890 لتحفظ في النهاية صور المحمية وما شابهها في بطاقات المُراسلة ويتم الصمت عما اقْتُرِف فيها من جرائم، بكل ما يعنيه قلب حقائق التاريخ وتحويل أماكن المجازر إلى صور للمُكاتبات والمُعايدات. كما حدث في السطو والاستيلاء من خلال التزوير على آراضي قبائل الشيروكي من الهنود الحمر وطريق الدموع الواقعة عام 1838.

إن كل هذه الوقائع المُريعة والبشعة والفظيعة قد تقلَّصت وتكلَّست في الذاكرة الإنسانية، ولم تعد تُذكر إلا عرضًا في قصيدة، على نحو ما يحدث في هذه القصيدة. لقد أودعت وحُفِظت في ثلاجات الوعي الإنساني، وهي بالطبع صورة بالغة الدلالة على تجمد الذاكرة الإنسانية والذاكرة التاريخية وما أصبح يعانيه الوعي الإنساني من صقيع لا إنساني تجاه فظائع وفجائع التاريخ التي اقترفتها وتقترفها أمريكا والغرب. وهي جميعًا صور تؤكد وتدل على تراجع وغياب الوعي التاريخي؛ ومن ثم صمت التاريخ على جرائم أمريكا الاستعمارية المُريعة.

وهنا يتساءل أورتز هل مازال الأمريكيون بعد كل هذا التقليب والحرث لتاريخهم البشع والكارثي مُصرِّين على أن يمارسوا طقس الحِداد، أو بالأحرى أن يلعبوا لعبة الحِداد تلك، هل بعد كل ما ذُكِر، وكل هذه الجرائم يريدون ويرغبون في ممارسة طقس الصمت الحِدادي، هل بعد كل هذا لا يدركون أن عنف الحادي عشر من سبتمبر ليس إلا جزءًا ضئيلاً من عنفهم الذي وزَّعوه على العالم طولاً وعرضًا، شمالاً وجنوبًا، شرقًا وغربًا، ألا يدركون أن جزءًا من بِضاعتهم يُرَدُّ الآن إليهم، أم يتصورن أنهم مركز الكون، وأنه لا يمكن للعالم أن يعود إلى الدوران لأنهم قد هُوجِموا. ’’تعلنين الحِداد الآن كما لو كان العالم لن يعود هو ذاته قط‘‘.

وهنا يصل أورتز إلى قمة حِنقه، من رغبة أمريكا في احتكار واحتقار التاريخ وسرقته وتزويره، وتبئير لحظة حِدادها لتصبح وحدها لحظة الحِداد الوحيدة على مسرح التاريخ، وكأن ضحاياها وحدهم هم الضحايا بألف ولام التعريف، ومن أو ما عداهم مجرد أصفار لا تُذكَر، وكأنه مع الحادي عشر من سبتمبر تبدأ البشرية في معرفة تاريخ الحُزن والألم والفجيعة، وكل ما قبل ذلك من تواريخ لا ذكر له، ولا معنى له، ولا قيمة له؛ لأنه لم يكن يحدث لأمريكيين ولا على أرض أمريكا المسروقة من سكانها الأصليين.

لذا يلجأ أورتز لتشغيل وظيفة اللغة الشَّارحة، فيجعل قصيدته تتحدث عن نفسها، فتنفي ما قد يُوهِم به مفتتحها من أنها دعوى للحِداد من أجل الحادي عشر من سبتمبر، على نحو ما فعلت عشرات من القصائد الأخرى، إنها ليست قصيدة هذا التاريخ الواحد الأحد، وإنما قصيدة لكشف الحساب، قصيدة لإحياء التواريخ المسكوت عنها والمُصْمَتة قسرًا وعُنوة، قصيدة لفضح استعمارية وإمبريالية وعِرقية أمريكا والغرب، قصيدة لفضح رأسمالية أمريكا والغرب المتوحشة، وهو ما يكني عنه بهذه التواريخ السابقة واللاحقة على يوم الحادي عشر من سبتمبر.

إنها قصيدة العاشر من سبتمبر، كما أنها قصيدة التاسع، والثامن، والسابع من سبتمبر. وهو ما يعني أن الزمن لم يبدأ بالحادي عشر ولن ينتهي بالحادي عشر، كما أنها قصيدة 1492، دون أن يذكر ما يعنيه هذا التاريخ وما يشير إليه، وأنه هو عام سقوط غرناطة ليدفع قراءه للتساؤل والبحث عما يشير إليه. وهو ما يعني أنها قصيدة تحريضية ومُحرِّضة على قراءة التاريخ، وشحن الوعي التاريخي لكي لا يتم التلاعب بالعقول عبر كل ألاعيب الإعلام وتحايلاته الوضيعة، فهي كما يقول ’’هذه قصيدة عمَّا يجعل قصائد مثل هذه القصيدة تُكتب‘‘، أي أنها قصيدة عن بعض ما يحويه العالم من شعر فاجع يستحق أن يُكْتَب وما زال ينتظر أن يُكْتَب، أي أنها ليست إلا شرارة لإضرام نار الشعر في أمثال تلك التواريخ، إنها قصيدة تستحث وتستفز وتستنفر سواها من القصائد التي لم تكتب بعد كيما تنكتب، وأن تكسر صمت هذه السرديات وصمت هذه التواريخ. ويستمر أورتز في مواصلة استراتيجية التشهير والتجريس والفضح والإزاحة والاستبدال التي يمارسها على امتداد القصيدة؛ ليتساءل: ولماذا إذا كان لهذه القصيدة أن تكون قصيدة الحادي عشر من سبتمبر، وأن يكون تحديدًا هذا الحادي عشر من سبتمبر الأمريكي وليس الحادي عشر من سبتمبر الشِّيلي، في إشارة إلى تاريخ انقلاب بونتشيه الذي كان بمباركة الولايات المتحدة وتدبيرها الحكيم. لماذا ينبغي أن يُحفر الحادي عشر من سبتمبر الأمريكي وحده، دون ما عداه من حوادي عشر ومن سبتمبرات أخرى، في ذاكرة الإنسانية وكأنه يوم الحزن والحِداد العالمي؟

ماذا عن بقية الأيام الأخرى الكثيرة الحزينة الكئيبة، ولماذا لا تكون مثلاً قصيدة الثاني عشر من سبتمبر 1977 الذي اغتيل فيه المُناضِل الجنوب أفريقي ستيف بيكو من أجل مقاومته لسياسات حكومة التمييز العُنْصُري المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية؟ أو لماذا لا تكون قصيدة للثالث عشر من سبتمبر 1971 وقتل الشرطة الأمريكية في سجن أتيكا في نيويورك لعشرات النزلاء بعد أن تمردوا من جراء المعاملة اللاإنسانية، وأخذوا بعض الرهائن من شرطة السجن؟

أو لماذا لا تكون قصيدة الرابع عشر من سبتمبر من أجل الصومال في 1992 حيث أفضى التدخل الأمريكي لإسقاط سياد بري إلى حرب أهلية كارثية ومجاعة أودت بحياة الآلاف؟

إن قصيدة أورتز ليست مقصورة على هذه العينة فقط من التواريخ، بل إنها قصيدة لكلِ التواريخِ المثيرة للأسى والحزن والشجن، لكل التواريخ التي تساقطتْ على الأرضِ في الرمادِ، بكل ما تحمله استعارة تساقط التواريخ واستعارة الرماد من دلالات على الصمت والمحو والنسيان والعدم والمرارة، مرارة الرماد، أي لكل التواريخ الساقطة والغائبة والمسكوت عنها في التاريخ، التي أخفتها مؤامرات الصمت والتواطؤ، ولكل القصص التي لم يُدوِّنْها التاريخ والتي تصر أن تتجاهلها وسائل إعلام مُتحيِّزة ومُغرِضة مثل السي إن إن، والبي بي سي، والنيو يورك تايمز، والنيوز ويك لتفرض أجندات تزييف الوعي والتلاعب بالتاريخ على عقول البشر ليظلوا أسرى التطويع الرأسمالي الاستهلاكي والإمبريالي الرخيص، بل إنها ’’قصيدةٌ لقصص الطوابق المائةِ وعشرة التي لم تُحكَ قط، قصصِ الطوابق المائةِ وعشرة التي اختار التاريخُ ألا يُدوِّنَها في كتبِ التاريخِ، قصصِ الطوابق المائةِ وعشرة التي أصرتْ السي إن إن، والبي بي سي، والنيو يورك تايمز، والنيوز ويك أن تتجاهلَها‘‘، في إشارة واضحة إلى الجانب الخفي والمسكوت عنه من حقيقة برجي مركز التجارة العالمي بطوابقهما المائة وعشرة، وما يرمز إليه البرجان على صعيد الهيمنة الرأسمالية، وربما أنه يتناص هنا بالتضاد والمعارضة، من خلال هذه الإشارة إلى عدد الطوابق والقصص، مع المجلد الذي حرَّره أولريش بير عام 2002، نفس عام كتابة أورتز لقصيدته، والذي يحمل عنوان ’’110 طابق: نيو يورك تكتب بعد الحادي عشر من سبتمبر‘‘، والذي جمع فيه أولريش مائة وعشرة نص لمائة وعشرة كاتب وكاتبة، ما بين أشعار ومقالات وقصص تم نشرها في أعقاب الأحداث، والمكتوبة نصوصه بالطبع من منظور مغاير تمامًا لمنظور أورتز. ذلك أن هذا هو الصوت الذي يتحدث به أولريش عن نصوص هذا المجلد في مقدمته إذ يصفها بأنها ’’تستكشف إمكانيات اللغة في مواجهة ما أحدثه الفقد من فجوات، وأنها تسجل أن الكلمات يمكن أن تكون هي ما تبقى لمهمة العثور على معنى، في، وفيما وراء، الفراغ العاصف الصامت.‘‘



هذا مع ملاحظة، بالطبع، أن كلمة طابق وقصة من قبيل المشترك اللفظي في الإنجليزية، على نحو ما ينعكس في العنوان الإنجليزي للمُحرِّر:


110 Stories: New York Writes After September 11

Edited By Ulrich Baer


إنها قصيدة لاعتراض هذا البرنامج كله، بكل مكوناته هذا البرنامج على إطلاقه، هذا البرنامج المُزيِّف للتاريخ، هذا البرنامج الرأسمالي الاستعماري، الإمبريالي، العِرقي العُنصري اللا إنساني بكل بشائعه وفظائعه.

فهل بعد كل هذا الذي نطقته وتنطقه القصيدة، ما زالوا يريدون لحظة صمت لموتاهم؟ يتساءل أورتز، بنبرة تعكس الاندهاش من وقاحة قاتل مُصِر على ألا يلعب سوى دور الضحية فحسب. وفي ظل إصرار هذا القاتل على لعب هذا الدور الذي يريد من خلاله أن يسرق تعاطف الآخر واعترافه بأنه ضحية، لأنه لم يَعْتَدْ على شيء آخر سوى أن يأخذ وينهب ما هو مادي وما هو معنوي ورمزي، لا يملك أورتز سوى أن يرفض قبول لعبته، وأن يرفض أن يمنحه هذا التعاطف وهذا الاعتراف. لأنه لو قَبِل لعبته يكون قد تنازل بهذا عن وعيه ليصبح ألعوبة لوقاحة هذا القاتل؛ إلا أنه لا يعلن له الرفض هكذا على نحو مباشر وصريح؛ وإنما يناوره ويداوره ويُجاري لعبته ورغبته في الأخذ ويُوهِمه بأنه سيمنحه ما يريد أن يأخذه، إلا أن ما سيأخذه ليس سوى الفراغ والعدم الذي أوجدهما، الفراغ والعدم والخواء الذي يتحدث عنه أولريش في تقديمه لهذا المجلد، وعن محاولة الكلمات ’’للعثور على معنى في وفيما وراء الفراغ العاصف الصامت‘‘، هكذا يجيب أورتز أولئك الساعين للعثور على معنى فيما وراء هذا الفراغ:

’’يمكننا أن نمنحك أعمارًا مما هو فارغ‘‘؛ إنها دورة العدم التي صنعوها وأداروها، ثم يأخذ في تعداد وحصر ما فرَّغه وأفرغه هذا القاتل: القبور المجهولة، اللغات المفقودة التي اغتالوها، الأشجار والتواريخ التي اقتلعوها، والحَمْلَقات الميتة على وجوه أطفال بلا أسماء. هكذا يضيف أورتز لقوائم الجرائم المادية وانتهاكاتها المزيد من الجرائم، جرائم وانتهاكات أخرى ثقافية ورمزية وبيئية وإنسانية. ثم يبدو أورتز وكأنه يتساءل عن مغزى كل هذا الإلحاح على أن نمنح لحظة الصمت تلك، والجواب الضمني عن هذا السؤال الضمني في القصيدة هو أن منح لحظة الصمت هذه يعني الدخول في صمت أطول وأبعد بكثير، معناه أننا صدقنا كذب الكاذبين، وأننا سنصمت عن كل ما سيُقْتَرَف باسم لحظة الصمت تلك. ثم ألم يكفِ كل ما سبق هذه القصيدة من صمت كاد أن يصل إلى حد الموت أو إلى اشتهاء القبر؟ كل هذا وما زال هؤلاء القتلة يطلبون المزيد من الصمت:

قبلَ أنْ أبدأَ هذهِ القصيدةَ يمكنُنا أن نصمُتَ للأبدْ

أو لزمنٍ طويلٍ بما يكفينا لأنْ نتحرقَ شوقًا

إلى الترابِ لنُدفن

ومازلتِ تطلبين منَّا

المزيدَ مِنْ الصمتِ.

هكذا يتساءل أورتز على نحو ضمني، وبشكل يُضمِّن فيه أسلوب الاستفهام والتساؤل الاستنكاري في الخبري والتقريري. ويجيب أورتز مُتلاعِبًا على نحو استعاري بدال الصمت وتجلياته المُتعدِّدة، الصمت بما هو إيقاف، وإغلاق، وإغراق، وإسقاط وإطفاء، ومسح، وإزالة، وتحويل، وسد، لكل صور الاستغلال الرأسمالية العسكرية المتوحشة وشركاتها وشاشاتها التي لا تَصْمُت ولا تَكُف عن بث العنف واستنزاف البشرية والعالم بكل موارده وثرواته وأجناسه:

إذا كنتِ تريدين لحظةَ صمتٍ

فلتوقفْي مضخاتِ الزيتِ

أغلقْي المُحركاتِ والتلفزيوناتِ

أغْرِقْي الطوَّافاتِ

أسْقِطْي أسواقَ المال

اطفئ أنوارَ المسرح

امسحْي الرسائلَ الفوريَّةَ

حوِّلي مساراتِ القطاراتِ، ينتقلْ مسارُ الضوء.

إن الإيقاع هنا يتسارع، واللغة هنا تتدافع لتجنح إلى التكثيف والاستعارية والكنائية المفتوحة والرمزية التي تحتمل العديد من الدلالات، إلا أنها لا تفارق فضاء فضح الرياء وازدواج المعايير الأمريكي، ما بين تصدير مظاهر الورع الإنساني الماثل في الإلحاح على طقس الحِداد بأبعاده الروحية التطويبية التي يكسوها ويعلوها الجلال، وما يصاحبه من زهد فيما هو مادي ودنيوي، وعزوف عن الاستغلال، والامتناع عن الكثير من الملذات والممارسات المادية والاحتفالية والاستهلاكية الصاخبة/ وبين الانغماس الأمريكي حتى النخاع وحد القاع في كل ما هو مادي واستهلاكي واستغلالي وحسي إلى أقصى حد.

إذا كنتم صادقين فعلاً في هذا، فلهذا ثمنه وعلاماته كيما يتعاطف معكم الآخرون ويصدقوكم، وعليكم حين ذاك أن تدفعوا هذا الثمن، عليكم أن تكفوا عن استغلال العمالة المكسيكية الهاربة الرخيصة على نحو ما يُكنِّي عن هذا في ’’ضع قالب قِرْمِيد عبر نافذة تاكو بيل، وادفع للعاملين مقابل الأجور الضائعة‘‘ أي مقابل استغلالهم ونهب فارق قوة عملهم. إلى آخر ما يذكره من ضرورة لتغيير مظاهر الظلم والحيف الاجتماعي .

إذا كنتم تريدون لحظة الحِداد أو لحظة الصمت؛ لماذا لا تكفون عن احتفالاتكم الصاخبة الماجنة وطقوس استهلاككم الشَّرهة، على نحو ما يحدث من مظاهر في ولائم الآحاد، وفي عيد الاستقلال في الرابع من يوليو، بكل ما يصاحبه من صخب وألعاب نارية وخُطب رنانة كاذبة عن أمريكا التي يباركها الرب، عن أمريكا رائدة وعرابة العالم إلى التقدم والرقي والرخاء والديموقراطية، لماذا لا تكفون عن طقوس وشعائر التسوق في مواسم التخفيضات، لماذا لا تأخذون لحظة الصمت تلك في هذه اللحظات التي لا تكفون فيها عن كل ما يُناقِض طقس الحِداد في بواطنه ومظاهره:

إذا كنتِ تريدين لحظةَ صمتٍ،

فلتأخذيها إذن

ليلةَ وليمةِ الأحدِ الكبيرةَ،

في الرابع من يوليو،

خلالَ تخفيضاتِ مدينةِ دايتون الممتدةِ ثلاث عشرة ساعة

إن أورتز يدرك أن مثل هذا الاحتمال غير وارد، وأن الأرجح والأكثر احتمالاً هو المزيد من الذنوب البيضاء، ولنلاحظ هنا هذا التلوين للذنب والتلاعب اللوني بالذنوب، وما ينطوي عليه من عنصرية ومفارقة وما يدل عليه من قلب للحقائق وتحويل ذنوبهم إلى حسنات وفضائل مماثلة لحسنات وفضائل لونهم، إلا أن الذنب الأبيض القادم يمكن أن يكون بحجم المساحة التي يشغلها شعب أورتز الجميل، أي المكسيك، على نحو لا يخلو من إيماء إلى أن أورتز لا يستبعد أن يكون هو وشعبه هدفًا قادمًا لجريمة أخرى من الجرائم البيضاء القادمة، والمختلفة حتمًا عما عداها من جرائم سوداء أو صفراء أو ملونة. وكأن أورتز في عبارته تلك كان يقرؤ ظهر الغيب، ويلمح على بعد ما يقارب عقدين تشييد الجدار الحدودي الفاصل بين الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك،

تريدين لحظةَ صمت

إذن خذيها الآن،

قبل أن تبدأ هذه القصيدة.

هنا في صدى صوتي.

في الفراغ فيما بينَ الخُطواتِ العسكريةِ الرتيبة،

في الفضاءِ ما بينَ الأجسادِ وهي تتعانقُ،

هُنا صمتُك.

خُذيه.

لكن خذيه كله ... لا تَقْطَعي امتدَادَه.

دعي صمتَكِ يبدأ عند بداية الجريمة، لكنَّنا،

الليلةَ سنحتفظُ بحقِّنا في الغناءِ ... لموتانــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا.


ما الذي يعنيه هذا المقطع الختامي، من أنه إذا كنتِ تريدين أن تأخذي لحظة الصمت فلتأخذيها الآن قبل أن تبدأ هذه القصيدة؟ وقد بدأت فعلا القصيدة، وهذا المقطع يرد في نهايتها، ما الذي يعنيه هذا؟

إن بداية القصيدة إذًا ليست بدايتها الحرفية، وإنما بدايتها المجازية التي هي بدايتها الحقيقية، أي حين تُفضي قوة فعل الكلام الكامنة فيها إلى لازم فعل الكلام، أي حين تُفضي إلى أثرها وبداية تحولها إلى واقع، لأنها حين تتحول إلى واقع، حين تستفز الوعي التاريخي وتستنفره لا يمكن لكِ أن تحصلي على مثل هذه اللحظة. ذلك أنه حين ستبدأ هذه القصيدة في إنتاج لازم فعل كلامها سيكون صمتك أنتِ مفعولاً لارتدادات صدى صوتي الذي هو صدى صوت القصيدة؛ أي أثرها. هنا يبدو الصمت في حركة شبه جدلية ما بين المتكلم والمُخاطَب، والقصيدة هي الفضاء الذي يتحرك ويتمسرح فيه صمت الطرفين وكلامهما، في معادلة عكسية وجدلية يساوي فيها صمت الشاعر صمت أصوات التاريخ وفراغها تحت وطأة الخطوات العسكرية الرتيبة التي يستحيل في ظل عنفها وغلظتها وإيقاعات دبيبها الرتيبة أن يكون هناك صمت، وهو ما يكشف ما يوجد من تناقض ما بين الطلب (الصمت) والفعل (دبيب الأحذية الثقيلة)؛ إن ما ينتج عن هذا ليس شيئًا آخر سوى تدفق سيل الأكاذيب، بينما يعني كلامه، أي كلام الشاعر، صمت أولئك القتلة الكاذبين الذين لا تكف وقاحتهم عن المطالبة بالصمت، سواء صمت الطقس الحِدادي لضحاياهم الذين يريدون أن تصمت من خلالهم ومن أجلهم كل أصوات التاريخ، أو صمت كل وأي صوت آخر سوى أصواتهم، لتصبح هي وحدها من ينطق ويكتب التاريخ، فتُنْطِقه وتُصْمِته على نحو ما تشاء، إلا أنه يدعوها ساخرًا، من خلال لعبة التنافي الدلالي oxymoron ما بين الصمت وصدى الصوت، أن تبحث في صدى صوته عن لحظة صمتها بما يضاعف دلالة الصمت هنا، ما بين استحالة عثورها على هذه اللحظة الحِدادية من أجل موتاها في صدى صوته الذي يحاكمها ويدينها، وما يترتب على صدى صوته هذا من إدانة تجبرها على الصمت والخرس، في ظل ما يجللها به من خزي وعار، ثم إذا به يتمادى في سخريته لينقلها من عالم الأحذية الثقيلة والخطوات العسكرية الرتيبة إلى صورة نقيضة وعالم نقيض تمامًا، إلى فضاء آخر بالغ الحميمية عليها أن تبحث فيه عن لحظة الصمت تلك وهو الفضاء الكائن ما بين الأجساد وهي تتعانق، حيث يتبادل الصمت والكلام الحضور أو يتجاوز العناق الصمت والكلام معًا؛ وهنا أيضًا لا مجال لأن تنال ذلك الصمت الذي تريده.

ولذا يطالبها إذا ما كانت تريد الصمت فلتأخذه كله دون اقتطاع أو تجزئة، بكل ما تحمله وتحيل عليه كلمة الكل من تحميلها مسئولية إيجاد الصمت أصلاً، منذ مبتدا الجريمة، وهنا أيضًا تتعدد دلالة الصمت والحِداد، إذ إن كانت تريد صمتًا من أجل الحِداد فعليها هي أن تمارس صمت الحِداد على ما اقترفته من جرائم منذ أولى جرائمها في استيلائها على هذه الأرض وطرد وتشريد من عليها، أي منذ لحظة بداية الجريمة، ومع بداية التفكير في كل جريمة وأي جريمة جديدة.

وهكذا تبدو القصيدة وكأنها تمارس نوعًا من أنواع سلب السلب، أي إصمات الصمت على نحو يذكرنا بعبارة النفري في ’’موقف جاء وقتي‘‘، حيث يقول ’’أصْمِتْ لي الصامتَ منك ينطقْ الناطقُ ضرورة.‘‘ (المواقف والمخاطبات، موقف قد جاء وقتي، ص 70). إن هذا تحديدًا ما تفعله القصيدة إصمات الصامت أو إصمات الصمت كشكل من أشكال سلب السلب.

إلا أن هناك أنواعًا مختلفة من الصمت هناك صمت يختزن في ثناياه الكلام، صمت هو في طبيعته تواصلي حميم على الرغم من الصمت، وهو صمت لا بد له من أن يُفضي إلى النطق والكلام حتى وإن لم يكن هناك كلام، إنه صمت تواصلي خلاق، لا يلبث أن تتردد أصداؤه. وصمت آخر فارغ، عدمي، أبكم تمامًا، ولا تواصلي حتى وإن حاول أن يبدو كذلك. إنهما نوعا الصمت اللذان تُخْتَتم بهما القصيدة، صمت المُخَاطَب اللا تواصلي الزائف المُطالِب بعنف بلحظة الصمت الكاذبة. في مقابل صمت آخر تفرضه الأصوات الناطقة بالصدق على الكاذبين، حتى وإن طال صمت تلك الأصوات الصادقة. وسيكون على هذا المُطالِب بلحظة الصمت أن يأخذ صمته دفعة واحدة دونما تجزئة، بعد أن فُضحت وافتضحت كل جرائمه، وهكذا فإن الصمت الذي سيمنحه ويأخذه ليس صمت لحظة الصمت الحِدادية وإنما هو الصمت الناتج عن فضح جرائمه هو، صمت الخزي والعار، الصمت الذي يتم منحه له ويأخذه هنا والآن، وليس هنا والآن هذان شيئًا آخر سوى فضاء هذه القصيدة. وهنا يتلاعب أورتز بالعطاء والأخذ وبطبيعة الصمت المُطالَب به والصمت المُعطى والمأخوذ. إن هذا الصمت يتطابق مع الجريمة، ولهذا فإنه سيبدأ مع كل جريمة، ماضية أو حاضرة أو مستقبلية، كما سيكون ناتجًا لها كعلامة خزي وعار. أما صمت اللحظة الحِدادية المُطالَب به فهو صمت كاذب مُراءٍ، ومن ثم فلا يُفضي إلى التواصل وإنما إلى الفراغ والخواء والعدم، إنه صمت مُصْمَت، فارغ وشكلي، حاضر في ثنايا العدم، وليس واصلاً بين حدود وأطراف الكلام، أو شرطًا من شروط إمكانه. إن آخذ هذا الصمت سيظل مصحوبًا بجريمته وسيظل صمته شاهدًا عليها، أما نحن الذين لم نقترف خطاياه فلن نمارس الحِداد على موتانا ولكننا سنمارس طقسًا آخر لإحياء ذكراهم، طقسًا مُناقِضًا تمامًا لطقوس الصمت؛ وسنظل مُصرين على حقنا في الاحتفاظ به وممارسته، وهو طقس وحق الغناء لهم ومن أجلهم.

هكذا يكسر أورتز الصمت بالغناء، وليس بمجرد الكلام، إذ يبدو الغناء وكأنه كلام مضاعف أو مضاعفة للكلام، كلام يغني الصمت بقدر ما يغني الكلام، هكذا يكسر صمت تلك الأمكنة وتلك الأزمنة التي تعاود الحديث مرة أخرى من خلال قصيدته، هنا ينقلب السحر على الساحر، وينقلب المنظور تمامًا، وتنقلب الأدوار، وتتكشف لعبة الصمت، لعبة الإسكات والإصمات الأمريكية عن الكثير من الكلام وعن الكثير من الصمت.

إن جرائم الصمت التي يرصدها ويرفضها أورتز هي تلك الجرائم التي تستبدل الصمت بالكلام، وتفرض الصمت بدلاً من البوح في مواضع لا تحتمل الصمت ولا تحتمل إلا القول والإفصاح والإعلان.

إن شرط إمكان الصمت، بما هو لازم للحِداد، هو صمت العنف، إذ حين يصمت العنف يمكن حينئذٍ أن يُقام الحِداد، أما وآلات الدمار والقتل الأمريكية ما زالت تدور لتطحن البشر في عجلاتها الجهنمية؛ وتجلب وتُراكِم وتُضخِّم وتُضاعِف الأموال، فلا مكان ولا إمكان للصمت، ولا مكان ولا إمكان للحِداد؛ ولا يبدو من سبيل وحيد لمقاومة الشاعر والفنان سوى الغناء، بكل ما يعنيه الغناء من دلالات جمالية وإنسانية وحضارية.

هكذا يعانق الشعر التاريخ في هذه القصيدة/السردية، التي تبدو وكأنها إعادة كتابة لتاريخ الحِداد من منظور آخر مناقض للمنظور الأمريكي، تاريخ ينكتب من خلال حبكة قادرة على فضح من يُزيِّفون التاريخ، أي وإذا ما استعرنا مصطلحات هيدن وايت في كتابة التاريخ ورصد الحبكات الحاكمة للكتابة التاريخية، فإنه يمكننا القول إن الحبكة التي يكتب من خلالها أورتز سردية الحادي عشر من سبتمبر هي حبكة ساخرة وهِجائية في آن واحد، حبكة قادرة من خلال سخريتها وهجائيتها أن تقلب السردية رأسًا على عقب وأن تجرس شخوصها بدلاً من أن تواسيهم، على نحو يكاد يبدو، إذا ما استعرنا واحدًا من مصطلحات باختين، كرنفاليًا إلى حد بعيد. ولا شك أن هذه الحبكة قد أغْنَت وأثْرَت القصيدة وصاغت خصوصيتها وخصوبتها الشعرية على هذا النحو اللافت والفريد.

وهكذا تثبت قصيدة أورتز أنه ليس فقط للصمت وقت وللكلام وقت، بل إنه أيضًا للصمت وقت وللغناء أيضًا وقت، وأنه ’’قد جاء وقتي‘‘ الآن كيما أغني.



* شكر خاص للأستاذة الدكتورة منى بيكر، أستاذة اللغويات ودراسات الترجمة ومديرة معهد الترجمة بجامعة مانشستر بانجلترا التي لولاها ولولا أن شرفت بترجمة كتابها المرموق ’’الترجمة والصراع‘‘ لما كنتُ قد تعرفت على أورتز ولا على قصيدته تلك، فلها مني خالص الشكر والتحية والتقدير.

*****************************

المصادر والمراجع:

Baer, Ulrich (2002) ed.,110 Stories: New York Writes After September 11, New York and London: NYU Press.

White, H. (1975). Metahistory: The Historical

Imagination in Nineteenth-Century Europe. Baltimore, MD: Johns Hopkins University Press.

Ortiz, Emmanuel (2002) ‘A Moment of Silence’. Available online at www.seeingblack.com/ 003/x020403/poetry_feb.shtml#ortiz

(الكتاب المقدس: أي كتب العهد القديم والعهد الجديد)، وقد ترجم من اللغات الأصلية، دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، بدون تاريخ.

النفري (محمد بن عبد الجبار): المواقف والمخاطبات، تحقيق آرثر أربري، تقديم وتعليق عبد القادر محمود، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1985.

بيكر (منى): الترجمة والصراع، ترجمة طارق النعمان، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2018.

ليكوف (جورج): لا تفكر في فيل، ترجمة طارق النعمان، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2015.


300 views2 comments

2 Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
Guest
Oct 24, 2023

تاريخ ١٤٩٢ هو تاريخ نزول كرستوفر كولمبس علي شواطئ أمريكا، تاريخ اكتشاف العالم الجديد بكل أهواله، وليس سقوط الأندلس كما كتب المعلق. وان كان سقوط الأندلس قد تزامن مع هذا التاريخ.

Like

Guest
Oct 23, 2023
Rated 5 out of 5 stars.

جهد كبير ومحترم .. دمت يا صديقى د. طارق

Like
bottom of page