top of page

من عالم الحريم إلى الفضاء العام*                        هُدَى شَعْرَاوي وصِنَاعَة النُّوع 

                                     



                   

تمثل هدى شعراوي سردية نسوية ووطنية كبرى بأكثر من معنى وبأكثر من دلالة وعلى أكثر من مستوى وصعيد، سواء بالمعنى السياسي والاجتماعي والنوعي أو على الصعيد الوطني والإقليمي والعالمي. بعبارة أخرى، إننا إزاء أيقونة مصرية وعربية نادرة، امرأة استثنائية بكل معنى الكلمة، امرأة استطاعت أن تساهم مُسَاهَمَة فعَّالة في خلخلة وزلزلة تاريخ النوع الاجتماعي للمرأة والسياسات السائدة والحاكمة لهذا النوع على الصعيد الوطني والإقليمي، وأن تصنع قطيعة ثقافية بين زمنين، زمن (الحريم) الذي كانت تُخْتَزَل فيه هُويَّة المرأة المصرية والعربية في مجرد دورها الجنسي والإنجابي والمنزلي، والذي ظلت تُجَسِّدُه على أكمل وجه مُفْرَدَة  (الحريم) لا بوصفها مُفْرَدَة  تُشِير إلى مجرد نوع بالمعنى الاجتماعي أو حتى بالمعنى الجنسي ولكن بوصفها أيضًا تمثل فضاءً معماريًا ونفسيًا واجتماعيًا ظلت المرأة أسيرة جدرانه وعوالمه المغلقة على مدار قرون طويلة ممتدة، وزمن آخر، يمكننا أن نطلق عليه (زمن الخروج) الذي دشنه خروجها على رأس أكثر من ثلاثمائة من سيدات وآنسات الطبقة الأرستقراطية المصرية في أول مظاهرة نسائية مُنظَّمة في التاريخ المصري الحديث يوم الأحد الموافق السادس عشر من مارس عام 1919 بعد نفي سعد زغلول ورفاقه ببضعة أيام فحسب لتواجه مع رفيقاتها بنادق وحِراب وخيول الاحتلال البريطاني على أرض مصر السليبة، في حدث مشهود وغير مسبوق سجَّله شاعر النيل حافظ ابراهيم في قصيدته الشهيرة التي كانت بمثابة بيان وإعلان وتوثيق شعري قاطع لانتهاء وانقضاء زمن، هو زمن (الحريم) وابتداء وحلول زمن آخر مغاير هو زمن (الخروج):

خَرَجَ الغَواني يَحتَجِجـ      ـنَ وَرُحتُ أَرقُبُ جَمعَهُنَّــــــــــه 

فَإِذا بِهِنَّ تَخِذنَ مِن                سودِ الثِيابِ شِعارَهُنَّـــــــــه

 فَطَلَعنَ مِثلَ كَواكِبٍ           يَسطَعنَ في وَسَطِ الدُجُنّــــــــــَه

وَأَخَذنَ يَجتَزنَ الطَريـ         ــــقَ وَدارُ سَعدٍ قَصدُهُنَّــــــــــه

يَمشينَ في كَنَفِ الوَقارِ       وَقَـــــد أَبَــــــنَّ شُعورَهُنَّــــــــــه

وَإِذا بِجَيشٍ مُقبِلٍ              وَالخَــــــــيلُ مُطلَقَةُ الأَعِنّــــــــــَه

 وَإِذا الجُنودُ سُيوفُها           قَد صُوِّبَت لِنُــــــحورِهِنَّــــــــــه

وَإِذا المَدافِعُ وَالبَنا            دِقُ وَالصَوارِمُ وَالأَسِنّـــــــــــــــه

وَالخَيلُ وَالفُرسانُ قَد         ضَرَبَت نِطــــــــاقاً حَولَهُنَّـــــــــه

والوَردُ وَالرَيحانُ في          ذاكَ النَــــــــهارِ سِلاحُهُنَّــــــــه

فَتَطاحَنَ الجَيشانِ سا          عاتٍ تَشيبُ لَــــــها الأَجِنَّـــــــــه

فَتَضَعضَعَ النِسوانُ وَالـ      ـــنِسوانُ لَيسَ لَهـنَّ مُنَّــــــــــــــــه

ثُمَّ اِنهَزَمنَ مُشَتَّتاتِ           الشَملِ نَحوَ قُصورِهِنَّــــــــــــــــه

فَليَهنَأَ الجَيشُ الفَخورُ      بِنَصرِهِ وَبِكَسرِهِنَّــــــــــــــــــــــــــه

فَكَأَنَّما الأَلمانُ قَد           لَبِسوا البَراقِعَ بَينَهُنَّــــــــــــــــــــــــه 

وَأَتَوا بِهِندِنبُرجَ مُخـ       ـتَفِياً بِمِصرَ يَقودُهُنَّــــــــــــــــــــــــه

 فَلِذاكَ خافوا بَأسَهُـ ـنَ   وَأَشفَقوا مِن كَيدِهِنَّـــــــــــــــــــــــــــه

(ديوان حافظ ابراهيم، ص ص 87-88)

                      


حافظ ابراهيم

والحقيقة أن القارئ لمذكرات هدى شعراوي ومسيرة نضالها من أجل وطنها ونوعها يدرك أنه أمام امرأة من طراز فريد ونادر، امرأة من طينة أخرى مغايرة، امرأة تتحلى بالشجاعة والخيال والمُبَادرة والقدرة على الحلم، (انظر حديثها عن انتمائها هي ذاتها إلى الخيال والحلم، في محاضرتها ’’السلام العالمي ونصيب المرأة في تحقيقه‘‘)، امرأة تمتلك شخصية مستقلة وكاريزما خاصة، استطاعت من خلالها أن تتحول إلى رافعة تاريخية لنوعها وأن تكون من أهم صُنَّاع نوعها الاجتماعي، وأن تشارك فضلاً  عن كل هذا في الجهاد والنضال ضد المحتل، وأن تتحوَّل بنوعها من زمن إلى زمن آخر مغاير للزمن الذي نشأت وتربَّت هي وملايين من النساء سواها في العالم العربي والإسلامي في ظلاله الكثيفة. فهي امرأة ذات شخصية مغناطيسية قادرة على جذب الجميع من حولها نساءً ورجالاً، شبابًا وشيوخًا، أثرياء وفقراء. وهو ما تتكشَّف بوادره ابتدء من طفولتها الباكرة وكيفية تفاعلها مع محيطها الأسري والاجتماعي والثقافي.

 ولا أحسبني أغالي إذا ما قلت؛ إننا مع هدى شعراوي نبدو وكأننا إزاء شهرزاد جديدة، ذلك أنني في كل مرة كنت أقرؤ فيها مذكرات هدى شعراوي كانت تلوح لي وتراودني دومًا صورة شهرزاد في الليالي وهي تحاول، من خلال حكيها أن تروِّض شهريار، وحينها كنتُ أسأل نفسي ما العلاقة التي تجعل مثل هذا التداعي يراودني ويعاودني، وبعد تأمل وتفكير لم أجد جوابًا سوى أنه بينما كانت شهرزاد في ظاهر الحكاية تحاول ترويض شهريار، فإنها كانت تحاول أيضًا ترويض مجتمع بأكمله وثقافة بأكملها وهو الشي ذاته والغاية ذاتها التي يمكن للقارئ أن يلمسها هنا في مُذَكِّرَات هدى شعراوي.

والمتأمل لرحلة هدى شعراوي تستوقفه وتستلفته عقلانيتها الشديدة التي جعلتها تكسب العديد من معاركها بفضل تلك العقلانية وما يصاحبها من إصرار ودأب لافتين. فهي لم تكن مولعة بالفرقعات الثورية أو الدعائية وإنما كانت ذات نزوع إصلاحي، إلا أنه نزوع إصلاحي دؤوب ومتواصل ولعلني لا أغالي إذا ما قلت إنه  نزوع إصلاحي ثوري، دون أن يكون هناك أدنى تعارض أو تناقض بين الإصلاحية والثورية، ذلك أن ما أعنيه بالإصلاحية هي القدرة على التدرج بالمطالب، وما أعنيه بالثورية هو جذرية المطالب ذاتها؛ وفي تقديري أننا إذا ما استندنا إلى معيار موضوعي في النظر إلى الثورات، مثل ذلك المعيار الذي يقدمه لنا توماس كون في كتابه المهم ’’بنية الثورات العلمية‘‘، والذي يقاس فيه حدوث ثورة ما وتحققها من عدمه بالقدرة على تغيير النموذج المعرفي (البراديم) الحاكم لمجال ما، وأنه، على حد عبارته، ’’عندما تتغير البراديغمات، فإن العالم نفسه يتغير معها‘‘ (توماس كون، بنية الثورات العلمية، ص 205)؛ يكون الدور الذي قامت به هدى وما نتج عنه من تحولات في مجالات شتى على الصعيد الاجتماعي دورًا ثوريًا بكل معنى الكلمة، ويكون ما تحقق في كل تلك المجالات التي طالتها أصابع التغيير أيضًا ثورة سواء فيما يتعلق بعلاقة النساء بالعالم أو علاقة العالم بالنساء. ذلك أنه مع خروج هدى ورفيقاتها من كهوف الحريم إلى شموس الفضاء العام، خصوصًا الفضاء السياسي العام (حول مفهوم الفضاء السياسي العام انظرHabermas 1991: 56)؛ وما تلا ذلك من صور أخرى عديدة للخروج بالمعنى الحرفي والمجازي، كالخروج من وراء الحَبَرَة والبُرْقُع واليَشْمَك، وخروج أسماء النساء أيضًا من حالة التكنية بأسماء الذكور والإلحاق بأسماء الآباء والأزواج، بعد أن كان محظورًا نطقها والتصريح بها، إلى نطقها علانية والتصريح بها في الفضاء العام، قد أخذ يتحول النموذج المعرفي والثقافي الخاص بالمرأة بالنسبة للمجتمع، كما أخذت تتحول علاقة المرأة بذاتها وبالرجل وبالمجتمع ككل، وقبل كل ذلك وبعده بالفضاء العام الذي كان قبل ذلك حكرًا خالصًا على الرجل ومُحْتَكَرًا تمامًا من قِبَلِه. 



لقد استطاعت هدى من خلال عقلانيتها تلك أن تحقق ما لم يكن يمكنها تحقيقه من خلال الاندفاع والجموح الثوري الأرعن. ولذا تبدو إصلاحيتها أكثر ثورية في آثارها وتأثيرها عمَّن سواها من نسويات أخريات انطلقن من رؤى أخرى تبدو أكثر ثورية، ومع ذلك كان تأثير أفعالهن أقل كثيرًا مِمَّا أنتجته عقلانية وإصلاحية هدى شعراوي، إلا أنه يجدر القول إن إصلاحية هدى لم تكن تعني يومًا التخاذل أو المساومة على الأصول والمبادئ، أو أي نوع من أنواع الانتهازية السياسية، بقدر ما كانت تعني القدرة على الحِجَاج العقلاني الرشيد، ومُقارعة الحجة بالحجة، وطول النفس ومدوامة الاتجاه، وإدراك قيمة الوقت، ودور وفاعلية التوقيت، واللحظة الزمنية التي يُجْتَرَحُ فيها الفعل السياسي، وتوازن القوى السياسية، وقيمة التراكم والقدرة على التعبئة والحشد، واستثمار كل عناصر القوى المتاحة سواء كانت قوى مادية أو قوى مؤسسية ورمزية. هذا فضلاً عن استثمارها العبقري للظرف السياسي العام وطبيعة اللحظة التاريخية، أي لحظة ثورة 1919 ضد المحتل، وهو ما يدخل في نطاق بلاغة التوقيت، أي بلاغة توقيت المُبَادَرَة واجتراح الفعل السياسي. 

إن إدراك هدى لكل هذه الأبعاد لعب دورًا كبيرًا، في تقديري، في تفرد وتميز الدور الذي لعبته في تاريخ النوع وفي تاريخ مصر والعالم العربي والإسلامي. فهي ناشطة نسوية من طراز فريد، استطاعت أن تَجْدِل وتُضَفِّر وتغزل كل الموارد المادية والرمزية المُتَاحَة وطنيًا وإقليميًا ودوليًا في زمنها لتصوغ منها نسيجًا فريدًا، وخطابًا جديدًا للمرأة الجديدة التي بَشَّر بها قاسم أمين سواء في كتابه ’’تحرير المرأة‘‘ أو في كتابه ’’المرأة الجديدة‘‘. وبالطبع فإن هدى هي التمثيل والتجسيد والتطوير العملي الأجلى لكل ما سبقها من دعوات ومحاولات للنهوض بالمرأة المصرية والعربية. إذ يمكننا القول إن هدى تشرَّبت وتمثَّلت كل ما كتبه قاسم أمين وملك حفني ناصف، والكثير مِمَّا كان يكتبه الإمام محمد عبده، وما أنتجته الصحافة النسوية السابقة عليها والمعاصرة لها؛ فضلاً عن قراءاتها المتنوعة بالفرنسية التي تتجلى على نحو باهر في محاضرتيها المنشورتين في هذا المجلد، وهما: محاضرة ’’دور المرأة في حركة التطور العالمي‘‘، ومحاضرة ’’السلام العالمي ونصيب المرأة في تحقيقه‘‘؛ إذ يمكن القول إنها قد حوَّلت كل ذلك إلى صور عديدة من أشكال الفعل السياسي، وإلى كيانات مادية ملموسة على أرض الواقع تجلَّت في العديد من المؤسسات التي أسَّستها وترأستها أو ساهمت في تطويرها والتي تحكي لنا في مذكراتها هذه السياقات الخاصة بإنشاء وتأسيس بعضها، وتستكمل ابنة خالها حواء إدريس في الجزء الثاني من مذكراتها غير المنشورة حتى الآن السياقات الخاصة بإنشاء بعضها الآخر الذي لم تذكره هدى في هذه المذكرات. ذلك أن هدى كانت تؤمن بضرورة وقيمة وأهمية التجذير المؤسسي للنوع عبر كيانات وهيئات مؤسسية ذات قواعد قانونية صلبة ومتينة؛ ومن ثم كانت مساهمتها في كل تلك الهيئات التي بادرت إلى إنشائها أو المشاركة في تحديث وتطوير أنشطتها، فضلاً عن دعواتها المتواصلة لتعديل القوانين الخاصة بالنساء في المجتمع. 


حواء إدريس

لقد امتلكت هدى شخصية أتاحت لها القدرة على الفعل والمبادرة على الرغم من كل ما واجهها من عقبات سواء على الصعيد الخاص أو العام؛ فقد استطاعت أن تواجه واقعها الأسري، ثم واقعها الاجتماعي، والسياسي، والثقافي، والنوعي، فضلاً عن صرختها الشهيرة في وجه الجندي البريطاني الذي رفع سلاحه في وجهها طالبة منه أن يقتلها لتكون ’’مس كافل‘‘ أخرى؛ إذ قالت له بالإنجليزية ’’نحن لا نهاب الموت، أطلق بندقيتك إلى صدري لتجعلوا في مصر مس كافل ثانية‘‘، ومس كافل هذه هي ممرضة إنجليزية أسرها الألمان في الحرب العالمية الأولى واتهموها بالجاسوسية وأعدموها رميًا بالرصاص، وكان لمقتلها دويٌّ هائل وضجة عالمية كبرى في العالم أجمع؛ مِمَّا جعل الجندي يخجل من عبارات هدى؛ إذ استطاعت من خلال كلماتها البليغة النافذة تلك أن تقلب السحر على الساحر وأن تضع هذا الجندي وبلده كله في موضع أعدائهم من الألمان الذين كانوا يدينونهم ويدينهم العالم أجمع، وأن تضع ذاتها هي في موضع مس كافل التي كسبت حب العالم أجمع وتعاطفه، فما كان من الجندي سوى أن خفض سلاحه وتنحَّى للسيدات عن الطريق. وهي واقعة تُوجِز وتُجسِّد مدى رباطة جأش وشجاعة ولباقة وبلاغة تلك المرأة الاستثنائية، في زمن ولحظة تخرج فيها المرأة لأول مرة إلى الفضاء العام لتشارك في مظاهرة سياسية. 

وكما وقفت هدى في وجه الجندي البريطاني تُلقِّنه درسًا في معنى الإنسانية والشرف العسكري، نجد أنها تقف أيضًا أكثر من مرة لتواجه أكبر كاريزما عرفتها مصر والمنطقة العربية آنذاك، وهو الزعيم سعد زغلول وتتحدَّاه دون خجل أو وجل، أو تردد، إذ في الوقت الذي نجد فيه زوجها علي شعراوي ينسحب من مواجهة سعد، ويتنحَّى وينزوي إلى هذا الحد الذي يدفعه إلى مغادرة المسرح السياسي تمامًا؛ نجد هدى لا تتردَّد أو تتوانى في مواجهة سعد الذي كان يرهبه الرجال قبل النساء بحكم كاريزمته الساحرة وحضوره الآسر وجماهيريته الجارفة، لتلقنه درسًا في الإيثار وإنكار الذات  والتعالي والترفع على الذاتي والشخصي في صراعه مع خصومه من أجل الوطن والمصلحة الوطنية العامة للبلاد؛ وهو ما كانت هدى تأخذه على سعد في صراعه مع خصومه السياسيين، وخصوصًا صراعه مع عدلي يكن، وترى أنه أتاح للانجليز فرصة كبيرة للعب على هذه التناقضات وشق الصف الوطني، في الوقت الذي كانت المصلحة الوطنية تقتضي فيه التسامي على مثل هذه النَزَعاَت الذاتية المتعالية. ولا تكتفي هدى بمواجهته مرة واحدة فقط، بل مرات عديدة، تُسجِّل في مذكراتها اثنتين منها بقدر من التفصيل. والقارئ للمرحلة ونصوصها المختلفة يمكنه أن يلمس أن هدى شعراوي كانت تمثل النظير أو المعادل الأنثوي في زعامتها وكاريزميتها لزعامة سعد زغلول وكاريزميته؛ إذ على الرغم مما حظيت به صفية زغلول، زوجة سعد من مكانة في وجدان المصريين إلى حد تلقيبها بلقب ’’أم المصريين‘‘؛ فإنها استمدت القدر الأكبر من هذه المكانة من كونها زوجة الزعيم، وليس من مبادرات شخصية وفردية خاصة بها كتلك التي كانت تجترحها هدى، إذ لم تستمد هدى شعراوي مكانتها التاريخية من كونها زوجة علي شعراوي، وإنما استمدتها من هدى ومما كانت تجترحه هدى من أفعال ومبادرات.


سعد زغلول

ولا أدل على ذلك من موقف صفية زغلول من رفع النقاب عن وجهها، بعد أن رفعته هدى وكشفت وجهها؛ إذ على الرغم من استحسان سعد باشا لرفع هدى للنقاب وإشادته بموقفها هذا وتحفيز زوجته أن تحذو حذو هدى؛ إذا بها هي ذاتها ترفض رفع النقاب بناء على نصيحة واصف باشا غالي (انظر سنية شعراوي، وكشفت وجهها، ص ص 189-191) خشية من أن يُغضِب أو يصدم هذا بعض قطاعات المجتمع، أمَّا هدى فكانت تضع اعتبار المصلحة العامة وصالح المجتمع فوق أي اعتبارات وهو ما جعل إصلاحية هدى إصلاحية ثورية وراديكالية إلى حد بعيد، هذا في الوقت الذي يتكشَّف فيه موقف صفية زغلول عن انشغالها بممالأة ومداهنة الحس الجماهيري العام أكثر من انشغالها بما فيه مصلحة تلك الجماهير وقيمة مثل هذا الفعل على صعيد تطوير وتحديث المجتمع، وهو ما يعكس نوعًا من الحسابات السياسية القصيرة النظر المشغولة بما هو شخصي وذاتي أكثر من انشغالها بما هو جمعي وعام، وهذا تحديدًا ما كانت هدى تأخذه على سعد وعلى زوجته أيضًا، على نحو ما يتضح من نبرتها في سرد تلك الواقعة ووقائع أخرى سواها، خاصة وقائع ذلك اللقاء الذي تصفه بـ ’’اللقاء العاصف‘‘ بينها وبين سعد. 

والحقيقة أنها كانت أكثر راديكالية من سعد ورجاله في العديد من المواقف على نحو ما كان موقفها بالنسبة لقضية السودان؛ مِمَّا حدا بفكري أباظة أن ينشر في جريدة السياسة في نوفمبر 1924 مقالاً ساخرًا ولاذعًا يشيد فيه بدور هدى ودور النساء في موقفهن من السودان ويدين ويوبِّخ الساسة من الرجال على تهاونهم وتخاذلهم وانشغالهم بذواتهم وصراعاتهم الشخصية الصغيرة؛ وهو مقال يُجسِّد ما امتاز به هؤلاء النسوة من حس وطني رفيع وإعلاء للوطن فوق أي خلاف أو نزاع شخصي؛ ولعل في افتتاحية هذا المقال ما يجسد هذه المعاني والدلالات:

’’سيدتي هدى شعراوي

أحييك ثم أهنئك: أما «التحية» فلجمالك الوطني، وجلالك القومي، وأما «التهنئة» فلأن «دولة الرجال» في عالم الجهاد قد دالت وقامت على أنقاضها «دولة النساء».

كنت خصمًا «للجنس اللطيف» لما كان الجنس اللطيف لا يفكر إلا في الأزياء الجديدة والألوان العديدة، وأمَّا اليوم وقد تظاهر للسودان قبل أن يتظاهر الرجال، وأمَّا اليوم وقد احتجَّ على بلاغ السودان قبل أن يحتجَّ الرجال، وأمَّا اليوم وقد استأنف الجهاد بعد الفشل، والرجال غرقى في بحار الفشل … فقد حق عليَّ أن أعتذر، وقد حق عليَّ أن أستغفر وأن أتوب.

سيدتي … كان الجنس اللطيف فيما مضى مُخْتَصًّا بتدبير المنزل في الداخل، وكان علينا نحن الرجال تدبير الأمر في الخارج. أما اليوم يا سيدتي فسنعكس الموقف.

اهتمي أنت وجنسك اللطيف بالسودان وبلاغ السودان وتصريحات ماكدونالد عن السودان وتحقيقات السودان ومحاكمات السودان ومظالم السودان وسجون السودان، اتركي لنا — نحن الرجال — «تدبير المنزل»، فعلينا «الغسيل» و«العجين» و«ترضيع الأطفال» و«مسح السلالم» و«توضيب الأولاد» و«تخزين السمن». وعلى العموم سندير المنزل ونحن جلوس «على الشِّلت» حتى إذا عاد الجنس اللطيف من جهاده مع العدو الغاصب، قابلناه «بالزغاريد» ووجد كل شيء على أحسن حال؟!‘‘  

ولعل هذا المقال تحديدًا يكشف أن وصفي لها بأنها تُمثِّل النظير أو المعادل الأنثوي لسعد زغلول لا ينطوي على أي نوع من المبالغة، فهناك العديد من المواقف والمبادرات التي تؤكد كلها ما لعبته هدى من أدوار سواء على الصعيد الوطني أو على صعيد صناعة وتصنيع النوع الاجتماعي للمرأة وتجذيره في الواقع. كما يؤكد قولي هذا ذلك الكتاب التذكاري ’’ذكرى فقيدة العروبة‘‘ الذي جمع ما ألقي في حفل تأبينها، مساء الجمعة الموافق 30 يناير 1948 بدار الاتحاد النسائي المصري، من خطب وقصائد تشيد بما قامت به من أدوار إنسانية واجتماعية وسياسية على الصعيد المحلي والقومي ولعل وصف هدى بكونها ’’فقيدة العروبة‘‘ يعكس طبيعة حضورها القومي وتأثيرها في النساء العربيات، ولا أدل على ذلك من عقدها للمؤتمر النسائي الشرقي في الاتحاد النسائي المصري بالقاهرة من 15 إلى 18 أكتوبر عام 1938 للدفاع عن فلسطين، والذي يمثِّل، في تقديري، البذرة والنواة الأساسية التي تولدت عنها فكرة جامعة الدول العربية بعد ذلك. ومن اللافت والدال أنه قد تم جمع أوراق المؤتمر في كتاب طبعت منه طبعتان: طبعة شعبية، ثمن النسخة منها عشرون قرشًا، وطبعة أخرى فاخرة على ورق مصقول ممهورة بتوقيع رئيسة المؤتمر، هدى هانم شعراوي، ثمنها 100 قرش، وقد تم تخصيص عوائد الكتاب لمنكوبي فلسطين على نحو ما تكشف تلك العبارة المكتوبة هكذا ’’لصالح منكوبي فلسطين‘‘ على غلاف الكتاب. 


بول ريكور

   وفي ضوء كل ذلك، يمكن القول إن هدى في مذكراتها أو مقالاتها أو ممارساتها العملية كانت تمنح النساء المصريات والعربيات من خلال أفعالها ومبادراتها تلك هويتهن السردية الحديثة؛ (حول مفهوم الهوية السردية، انظر Ricoeur 1990: 187, 247، وانظر أيضًا Ricoeur 1992: 121).

 ولهذا فإن مذكرات هدى ليست مجرد مذكرات امرأة تحكي فقط عن ذاتها وعالمها الخاص أو مشكلاتها الشخصية، بقدر ما هي، بالإضافة إلى كل هذا، نص يصوغ لنوع بأكمله هوية سردية جديدة، أي أنها بقدر ما هي مذكرات فردية لامرأة واحدة مفردة، هي هدى هانم شعراوي، بقدر ما هي أيضًا مذكرات جمعية لنوع بأكمله، أو لنقل إنها في آن واحد سيرة ذاتية / وجمعية collective autobiography (حول مفهوم السيرة الذاتية الجمعية، انظر: Gessey 1996)؛ بما أنها تُجَسِّد صراع نوع بأكمله تقريبًا من أجل انتزاع حقوقه الإنسانية المُهْدَرَة والمُغْتَصَبَة من قِبل المجتمع والنوع المناظر له، بل لعله يمكن القول أيضًا إن العام والجمعي قد طغى على الخاص والشخصي في هذه المذكرات؛ ذلك أن أزمة ما هو شخصي لم تكن منفصلة بأي حال من الأحوال عن أزمة ما هو جمعي، وهو ما كان يعني بالنسبة لهدى أن كل اقتراب مِمَّا هو جمعي هو في الوقت ذاته اقتراب مِمَّا هو شخصي، وأن كل توسيع لمساحة الجمعي هو أيضًا توسيع لمساحة الشخصي.  

ما دلالات كتابة شعراوي لمذكراتها؟ 

في تقديري أن مبادرة كتابة المذكرات كانت تنم عن وعي ضمني بأن القائمين على التأريخ أو صُنَّاع الكتابة التاريخية لن يكونوا حريصين على تسجيل وتأريخ دور المرأة في التحولات الاجتماعية والتاريخية التي شهدها المجتمع. بعبارة أخرى يمكن القول إن اللجوء إلى كتابة المذكرات النسائية والتحول إليها في تلك الفترة الباكرة من تاريخ الحركة النسائية ينم عن شك أصيل في القيم الحاكمة للكتابة التاريخية وعمليات التأريخ والتدوين التاريخي، وهو شك له مبرراته التي لم تتغير كثيرًا حتى اللحظة الراهنة على صعيد الكتابة التاريخية والدراسات التاريخية؛ إذ تهيمن عليها نزعة ذكورية طاغية تنطوي على أيديولوجيا ذكورية ضمنية ترى أن التاريخ صناعة رجالية خالصة أو شبه خالصة. ولعله من الجدير بالنظر والرصد إحصاء عدد المشتغلات بالدراسات التاريخية من النساء ونصيب المرأة والحركات النسائية في دراساتهن على امتداد العالم العربي، وهو في تقديري مُؤشِّر بالغ الدلالة، ناهينا عن عدم إنشاء أقسام أو برامج دراسية متخصصة لدراسات النوع الاجتماعي والدراسات النسوية في الجامعات والمعاهد العلمية العربية، وهو ما تكاد لا تخلو منها منذ عقود جامعة من الجامعات المحترمة على امتداد العالم.



 في ظل كل هذا أتصور أنه يمكننا أن نفهم أسباب لجوء العديد من النساء إلى المذكرات والسِّيَر الذاتية بوصفها تُمثِّل البديل الوحيد الممكن في مواجهة هذا الإصرار المتواصل على تجاهل وتناسي أدوار النساء في صناعة التاريخ؛ ومِمَّا يبدو دالاً ولافتًا أننا نجد دارسًا من كبار دارسي التاريخ المصري، وهو عبد العظيم رمضان يكتب كتابًا بعنوان (مذكرات السياسيين والزعماء في مصر 1891/1981) لا يتعرض فيه لأي نص من نصوص المذكرات النسائية سوى نص مذكرات زينب الغزالي المعروفة بتوجهاتها الإسلامية المتطرفة، وفيما عدا ذلك، فإن كل المذكرات الأخرى التي يتناولها هي مذكرات لرجال، سواء في الطبعة الأولى الصادرة عام 1984، أو في الطبعة الثانية الصادرة عام 1989، وأنا هنا أذكر تاريخ النشر لئلا يتوهم البعض أن السبب في هذا هو تأخر صدور مذكرات هدى شعراوي لأول مرة حتى عام 1981 حين أخرجتها الراحلة أمينة السعيد في كتاب الهلال. وهو ما يُؤكِّد هذا النزوع الذكوري اللافت حتى في دراسة المفروض فيها أنها مُخصَّصة لمذكرات السياسيين والزعماء؛ مِمَّا يجعل المرء يتساءل عمَّا هي الأسباب التي تجعل دارسًا كبيرًا مثل عبد العظيم رمضان يُغْفِل مذكرات هدى شعراوي من دراسة كهذه الدراسة، فضلاً عن مذكرات أخريات سواها، ولا يتعرض إلا لمذكرات زينب الغزالي فقط كمذكرات نسائية، وفي تقديري أن ما دفعه لتناول مذكرات زينب الغزالي لا يعود إلى كونها امرأة بقدر ما يعود إلى اهتمامه بتناول التيار السياسي الذي تنتمي إليه وتُمثِّله، إذ يورد مذكراتها ضمن ’’مذكرات الإخوان المسلمين‘‘ وبشكل مباشر بين مذكرات حسن البنا ومذكرات محمود عبد الحليم. ولذا فإنني أرى أنه قد أصبح من واجب الدارسين أن يكشفوا هذا الانحياز الذكوري الفاضح سواء على مستوى التأريخ أو على مستوى الدراسات التاريخية وتهميش دور المرأة في صناعة التاريخ، سواء التاريخ السياسي أو التاريخ الاجتماعي، وخصوصًا هذا الأخير. أمَّا إذا ما انتقلنا إلى محمد الجوادي الذي خصَّص كتابًا كاملاً بعنوان ’’مذكرات المرأة المصرية: الثورة والحرية‘‘؛ فإننا نجده يتناول كلاً من ’’بنت الشاطئ‘‘، و’’جيهان السادات‘‘، و’’لطيفة الزيات‘‘، و’’زينب الغزالي‘‘، و’’إنجي أفلاطون‘‘، و’’اعتدال ممتاز‘‘، و’’إقبال بركة‘‘، و’’نوال السعداوي‘‘، و’’سلوى العناني‘‘، و’’ثريا رشدي‘‘، ويُغْفِل تمامًا مذكرات هدى شعراوي على نحو يثير التساؤل والريبة أيضًا في المنطق الكامن وراء الاختيار.     


إنجي أفلاطون

إذ مِمَّا لا شك فيه أن مذكرات هدى شعراوي تمثل صفحة بالغة الأهمية من تاريخ وحركة المرأة المصرية، هذا التاريخ الذي تتجاهله للأسف الكتابات التاريخية المهيمنة والتي لا ترى فيما يبدو أن للنساء دورًا فاعلاً في صناعته، بينما من يطلع على هذه المذكرات يدرك مدى أهمية وخطورة الدور الذي لعبته شعراوي ونساء هذه المرحلة في تطوير المجتمع المصري وتطوير منظومة قيمه وآفاقه المستقبلية. وهو ما لا يجوز معه، بأي حال من الأحوال، تجاهل أدوار هؤلاء النسوة، أو تجاهل ما أصدرنه من مذكرات أو سير ذاتية تسجل هذه الأدوار.

 إن مثل هذا التجاهل لا يعني إلا شيئًا واحدًا وهو أن  أيديولوجيا الكتابة التاريخية السائدة والمهيمنة هي، في أعماقها، أيديولوجيا ذكورية خالصة. ولعل هذا التجاهل التاريخي وهذه الأيديولوجيا الحاكمة للكتابة التاريخية هي، تحديدًا، ما حدت بالعديد من النساء إلى كتابة مذكراتهن وسيرهن الذاتية، أي أن هذا الشعور بالتجاهل والتناسي والخوف من تفريغ الذاكرة التاريخية من المرأة وأدوراها في بناء الأمة كان ولا زال أحد العوامل الأساسية فيما يمكن أن نطلق عليه تدفق السرد النسائي السير ذاتي في الثقافة المصرية والعربية. وعلى الرغم من أن وضعية المرأة اختلفت كثيرًا عمَّا كانت عليه حين كتبت نبوية موسى ’’تاريخي بقلمي‘‘ وحين كتبت هدى شعراوي مذكراتها إلا أن تجاهل المرأة على صعيد الكتابة التاريخية ظل هو المهيمن على المشهد التاريخي، فيما عدا استثناءات طفيفة كمًا وكيفًا، ناهينا عما سبق أن أشرت إليه كشكل آخر من أشكال التجاهل المؤسسي يتمثل في غياب أقسام أو برامج متخصصة في كل جامعاتنا ومعاهدنا العلمية لدراسة النوع Gender، وهو مجال معرفي أصبحت لا تخلو منه منذ عقود عديدة جامعة من جامعات العالم، ولذا أناشد في هذا السياق كل الجامعات المصرية والعربية أن تنتبه إلى هذا القصور وأن تسعى إلى إنشاء أقسام وبرامج خاصة بدراسة النوع الاجتماعي.    

واللافت أن تجاهل المذكرات والسِّيَر الذاتية النسائية لا يقتصر فقط على دارسي التاريخ، بل إنه حاضر أيضًا في مجال النقد الأدبي، ولا أدل على ذلك مِمَّا يذكره جابر عصفور في كتابه ’’دفاعًا عن المرأة‘‘ تحت عنوان ’’ذاكرة ذكورية‘‘، إذ يكتشف من خلال حوار مع إحدى تلميذاته أنه على كثرة ما كتب عن السيرة الذاتية في كتابه ’’زمن الرواية‘‘ لم يدرس سيرة ذاتية نسائية واحدة، ليصطدم، رغم كل ما يصدح به خطابه عن التنوير، بتلك الذاكرة الذكورية تقطن أعماقه دون أن يعي هو ذلك إلا عبر هذا الحوار مع تلميذته (انظر جابر عصفور، دفاعًا عن المرأة، ص ص 145-149) والموقف لا يختلف كثيرًا إذا ما ذهبنا قبل عصفور إلى إحسان عباس في كتابه ’’فن السيرة‘‘، كما أنه لا يختلف مع عبد العزيز شرف في كتابه ’’أدب السيرة الذاتية‘‘؛ إلا اختلافًا طفيفًا؛ إذ من ضمن كل من ذكرهم من سير رجال قديمًا وحديثًا لا يتناول إلا سيرة نسائية واحدة هي ’’على الجسر‘‘ لعائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ؛ مِما يبدو معه منطق الاختيار ذاته غير مفهوم وخاضع إلى قدر كبير من العشوائية. ويستمر ويتواصل هذا التجاهل حتى آخر كتاب صدر عام 2022 بعنوان ’’فن السيرة الذاتية وأثره في الرواية المصرية‘‘ لمحمد السيد عيد، على هذا النحو الذي يبدو فيه وكأن اللا وعي الذكوري هو ما يُوجِّه عمليات الكتابة عن هذا النوع سواء في مجال الكتابات التاريخية أو في مجال الكتابات النقدية.  

إن تلك الذاكرة الذكورية، على حد تعبير جابر عصفور الذي أتفق معه تمامًا في توصيفه هذا للذاكرة المصرية والعربية، تحتاج قدرًا كبيرًا من التأنيث لكي لا تصبح ذاكرة أحادية النظر، أو مُصَابة بشلل نصفي على حد إحدى استعارات هدى شعراوي الدالة على ما يعنيه تغييب المرأة وتغييب دورها على الصعيد الاجتماعي والتاريخي. 


محمد السيد عيد

إن الكتابات التاريخية والنقدية على السواء مطالبة اليوم أن تُراجِع نفسها، وتُراجِع ذاكرتها وما تقوم به تلك الذاكرة من عمليات تناسٍ وإغفال وإسقاط وتقليص، كما أن الكتابات التاريخية مطالبة بشكل خاص بمراجعة تغليب تواريخ الأنظمة على تواريخ البشر والمجتمعات، سواء كانت تمارس هذا بوعي أو بدون وعي؛ إذ بدون مثل هذه المراجعة ستظل ممارسات مثل هذه الكتابات أقرب إلى الأيديولوجيا، بالمعنى السلبي للأيديولوجيا؛ أي بما هي وعي زائف، منها إلى المعرفة التاريخية أو العلمية الرصينة.

لقد كانت هدى وسواها من النساء اللائي اندفعن نحو كتابة المذكرات والسير الذاتية محقات تمامًا في ارتيابهن في طبيعة الذاكرة المسئولة عن الحفاظ على ذاكرة الأمة، وبهذا المعنى يمكننا القول إن المذكرات والسير الذاتية النسائية تقدم لنا ذاكرة موازية لتلك الذاكرة الأحادية أو لتلك الذاكرة المُصَابة بشلل نصفي، فشكرًا لكل هؤلاء النساء اللائي حفظن لنا ولهن جزءًا غاليًا وعزيزًا من ذاكرة هذه الأمة. وأتصور أنه في ظل عدم التأريخ اللائق لأدوار المرأة المصرية والعربية وتهميش حضورها التاريخي لا تصبح مثل هذه المذكرات مجرد مصدر تاريخي فحسب، على حد ما يرى أساتذة التاريخ، بل تصبح في الحقيقة هي التاريخ الحقيقي للمرأة. ولذلك لا يبدو من قبيل المصادفة أن نجد هدى واعية بضرورة شحن الذاكرة بالنماذج اللامعة من النساء وأنها كانت تستلهم هذه النماذج في مسيرتها؛ إذ تكشف لنا في محاضرتها عن ’’دور المرأة في حركة التطور العالمي‘‘ والتي ألقتها يوم الثلاثاء 12 نوفمبر عام 1929 في قاعة يورت بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، عن العديد من النماذج النسائية المُلْهِمَة، وقبل كل ذلك علينا أن نتأمل عنوان المحاضرة ودلالاته، وما يعكسه من إيمان راسخ بقدرة المرأة على الفعل والحركة والتغيير، ليس فقط على الصعيد المحلي، وإنما أيضًا على الصعيد العالمي. إذ تستلهم في هذا الصَّدد نماذج تتسم بروح الإيثار والتضحية والفداء والثبات على المبدأ حتى ولو كان ثمن هذا هو الأسر أو النفي أو التعذيب أو القتل والحرق، شخصيات من قبيل المناضلة والمحاربة والقائدة العسكرية الفرنسية ’’جان دارك‘‘ التي فُكَّ على يديها وبفضل قيادتها حصار مدينة أورليان عام 1429م، والتي جُرِحَتْ بعد ذلك وأُسِرَت وبِيعَت للإنجليز ليحاكموها محاكمة جائرة ويعدموها حرقًا، كما نجد الفرنسية ’’شارلوت كورديه‘‘ التي كان ثمن محاولتها توحيد صفوف الفرنسيين هو القتل إلا أنها لا تأبه ولا تتراجع، بل إنها تخطب في الفرنسيين قُبَيْل إعدامها مباشرة طالبة منهم أن تتحول روحها المسلوبة على مذبحهم إلى أضحية وقربان من أجل وحدتهم واتحادهم ’’إلامَ أيها الفرنسيون البؤساء ترضون حياة القلق والانقسام؟ لقد مضى زمن طويل والأشرار يؤثرون مطامعهم الشخصية على المصلحة العامة. لماذا أيها المنكودو الحظ، ويا ضحايا هياجهم، لماذا تتناحرون وتفنون أنفسكم لتُشيِّدوا بناء ظلمهم على أنقاض فرنسا الحزينة؟ وواطناه!. إن مصائبك تُمزِّق قلبي وليس في وسعي أن أهبك غير حياتي وأشكر السماء على أن لي حرية التصرف بها ... أريد أن يكون من زفرتي الأخيرة خير لأبناء وطني.‘‘ 

كما نجدها تستشهد بما عانته مدام دوستال من مرارة المنفى دفاعًا عن قيم الحرية والتحرر. وتعلق هدى على هذه النماذج النسائية التاريخية قائلة ’’ظهرت أولئك السيدات في ظروف خاصة، مدفوعات بعوامل خاصة فكن يُعتبَرْنَ من الرجال كخوارق الطبيعة ومعجزاتها، إذ كن كالأنجم الزُّهر تخترق أضواؤها الآفاق المُلَبَّدة بالغيوم يَبْزُغْنَ في أوقات الفتن والاضطرابات عندما تضعف همم الرجال وتنفد حيلهم. وكان الرجال إذ ذاك لا يرون بأسًا لظهورهن بجانبهم وقت الخطر!‘‘ 

وهي ترى أن ظلم الرجل للمرأة نتاج أنانية الرجل. بل إن هدى بذكاء لافت تفسر لنا في هذه المحاضرة ظاهرة تقديس بعض النساء في بعض الثقافات بأنه وليد رغبة الرجل في إنكار الكفاءة الفطرية للنساء، ومن ثم التعامل مع تلك الحالات بوصفها حالات استثنائية وشاذة يمكن حتى أن يقدسها الرجال فرارًا، على حد عبارتها، من الاعتراف بالكفاءة الفطرية للمرأة.

لقد كان جدول أعمال ومطالب الحركة النسوية بقيادة هدى شعراوي يتضمن ويشمل قضايا اجتماعية وسياسية وصحية وتربوية متنوعة وشديدة الحيوية، قضايا تتعلق بتخفيف أعباء الامتيازات الأجنبية، ومنع الاتجار بالمخدرات، وإدخال النساء في مجال الشرطة، واستقلال الذمة المالية للمرأة، وحقها في التمتع بمالها، وتعليم البنات والفتيات والنساء، ومكافحة الدعارة، ومنعها، ورفع سن الزواج، ونشر السلام، وتمثيل النساء في عصبة الأمم.




كما يتضح لمن يقرؤ مذكرات هدى شعراوي أو ما تبقى لنا من محاضراتها مدى ما كانت تحظى به من حس نقدي أصيل ورؤية نقدية ثاقبة؛ إذ نجدها في هذه المحاضرة بعد أن استشهدت بمن استشهدت من نساء الغرب، تُعلِّق قائلة ’’إذا كنتُ إلى الآن لم أذكر إلا القليل من نهضة المرأة الشرقية وقَصَرْتُ الأمثال على مجاهدات الغرب في البذل والتضحية دون أن أتصدى لذكر نساء الشرق النابهات فذلك لا لأني أنكر عليهن ما قمن به من الأعمال العظيمة التي تركت أثرًا طيبًا في التاريخ كالملكة حاتشبسوت، وكيلو باتره، والسيدة عائشة رضي الله عنها، والسيدة زُبَيْدَة، وشجرة الدُّر وغيرهن، بل لأن معظم من ارتقى منهُنَّ إلى عرش المُلك كان بفضل الأنظمة والظروف التي هيَّأت لهُنَّ ذلك دون نضال كبير أو تضحية تُذْكَر. وكذلك الخَيِّرات اللاتي أسَّسْنَّ المدارس والمساجد وموارد الماء والنابغات من نساء الشرق لم يُصَادِفْنَّ عقبات خطيرة فيما وَصَلْنَ إليه؛ إذ إن الشرائع والقوانين التي كانت تُطبَّق في عصورهِنَّ لم تكن ماثلة بينهُنَّ وبين دخولهِنَّ في معترك الشئون العامة. وإني مع إعجابي بتاريخ كثيرات من نوابغ الشرق أرى أنَّهُنَّ لم يَسْتَغْلِلْنَ الظروف التي هُيِّئَتْ لهُنَّ، ولو فعلنَ ووضعنَ لنا أسسًا نبني عليها، لسَهُلَتْ علينا مهمتنا اليوم، ولربما كنا بفضل ذلك في مقدمة نساء العالم حرية وكفاءة.‘‘

 هكذا تنتقد هدى بنات جنسها من النابهات، مدركة اختلاف الظرف التاريخي الذي عِشْنَ فيه عن الظرف التاريخي الذي أصبح على المرأة فيه أن تنتزع حقوقها انتزاعًا، مثلما نجدها تنتقد موقف النساء اللائي كُنَّ يُنَاهِضْنَ دعوة قاسم أمين لتحرير المرأة، إذ تذكر أنه حين ظهر ’’كتاب قاسم أمين «تحرير المرأة» الذي نبَّه الأذهان إلى وجوب خلق نهضة عامة من خلال تثقيف المرأة وتحريرها. وكان كتابه الجريء بمثابة الحجر الأول في بناء أساس تلك النهضة التي قابلها الرأي العام بعاصفة شديدة من الاستنكار والمقاومة. ولو أن تلك العواصف قد أثَّرت في قاسم وهزته، إلا أنها لم تستطع أن تنال من رسالة الحق التي أداها في جرأة وشجاعة … وكم سمعنا في ذلك الوقت السيدات أنفسهن يَسْتَنْكِرْنَ تصريحات قاسم أمين ومبادئه رغم إنها كانت في صالحهُنَّ؛ لأنها كانت تُظْهِرهُنَّ في الثوب الحقيقي من عدم الكفاءة، وكان ذلك يجرح كبرياءهُنَّ، فكُنَّ بذلك يُذَكِّرْنَنِي بالجواري عندما تُعْطَي لهُنَّ ورقة العتق من الرِّق، إذ كُنَّ يَبْكِينَ على حياة العبودية والأسر‘‘. (التشديد من عندي)  

ومن الجميل في هدى أنها على الرغم من إيمانها الكامل بالمرأة وبقدراتها، لا تغمط الرجال المستنيرين المؤمنين بحقوق المرأة وإنسانيتها حقوقهم؛ إذ تقر لهم بالفضل بشكل صريح وواضح ودون أدنى لبس:

’’إذا كنا في نهضتنا لم نجد أساسًا من الماضي نبني عليه فما عدمنا من بين الرجال عَضُدًا في فتح الطريق أمامنا وتشجيعنا على السير فيه. فقد كان لصاحب الشريعة الإسلامية صلى الله عليه وسلم الفضل الأول في منح المرأة أمانة التشريع منذ ثلاثة عشر قرنًا ونيفًا، .... ثم توالت الأجيال وفي عصرنا الحالي جاء قاضينا العادل قاسم أمين ورفع صوته منذ ربع قرن تقريبًا مطالبًا بتحرير المرأة وفك قيود كبَّلتها بها تقاليد عتيقة، تتنافر والمدنية الحاضرة، ولا زلنا نذكر تلك الضَّجَّة التي قامت في وجهه والمطاعن الشخصية التي وجِّهَتْ إليه وإلى مذهبه وقد احتمل كل ذلك بشجاعة المصلحين وبسالة المضحين في سبيل المصلحة العامة، مقتنعًا بأن البذور التي بذرها لا بد أن تؤتي ثمرها عاجلاً أو آجلاً وفي الواقع قد تحقق ظن المرحوم قاسم، فالبذور أينعت وأثمرت ليس في مصر فقط، بل في أغلب أنحاء العالم الإسلامي‘‘.

وكما نجد هدى تعترف بفضل قاسم أمين نجدها أيضًا تعترف بفضل باحثة البادية، ملك حفني ناصف، وريادتها إذ تختتم كلمتها في إحياء ذكراها بهذه الفقرة البالغة الدلالة على وفاء هدى للباحثة وإقرارها بفضلها رغم ما يمكن أن يكون بينهما من اختلافات حول بعض القضايا، كقضية الحجاب مثلاً: ’’هذه المطالب التي نرفع بها اليوم صوتنا عاليًا، ونلح في طلب تحقيقها كانت الشعار الأول لباحثة البادية، وظلت تنادي بها منذ نعومة أظفارها، وقد عاجلتها المنية قبل أن تنعم بتحقيق شيء منها، فماتت في أول الطريق، وها نحن أولاء اليوم نجاهد على أثرها، ولنا بعض التعزية إذا متنا لأننا قد كوفئنا بتحقيق بعض الأماني التي حُرِمَتْ باحثة البادية مشاهدتها، وهذا مصير كثير من المجاهدين الأولين في هذه الحياة يضعون الغرس الطيب ليجني ثماره خلفاؤهم.

فنسأل الله للفقيدة الرحمة، ولنا حسن العزاء وتام التوفيق بفضل تآزرنا

ومعاونتكم لنا.‘‘ (نسائيات، ص 325)

لقد اهتمت هدى شعراوي بقضايا المساواة في التعليم وحق الفتيات في التعليم الجامعي، والمساواة الاجتماعية والسياسية بين الجنسين، والارتقاء بالقيم الأخلاقية، والتشريعات الخاصة بالزواج والطلاق، مثل رفع سن الزواج، والحد من تعدد الزوجات استنادًا إلى روح الشريعة والنصوص الدينية، والحد من سوء استغلال حق الرجال في الطلاق، ورفع سن حضانة الأم للأطفال، وحق النساء في الاقتراع والممارسة السياسية، والتنشئة السليمة للأطفال ورفع مستوى الوعي لدى النساء بوصفهن أمهات ومُرَبِّيَات، والسعي لوقف تراخيص الدعارة، ومحاربة المخدرات وانتشار الكحول. لقد كانت تنطلق من زاوية رؤية أتاحت لها منظورًا شديد الاتساع، منظورًا جعلها ترى تحرير المرأة بوصفه مرتكزًا محوريًا في عملية الإصلاح الشاملة للمجتمع ككل. وليس نوعًا من أنواع المطالبات الفئوية الضيقة أو التمركز المرضي على النوع المهووس بماضي الاضطهاد أكثر منه باحثًا عن آفاق مستقبلية يحيا فيها الجنسان حياة متكاملة. 

إن مُذَكِّرَات هدى شعراوي نص مُلْهِم ولا شك، ليس فقط للنساء وإنما لكل من يؤمن بقيم التحرر الإنساني نساءً ورجالاً، أو رجالاً ونساءً، فهو نص مكتوب باقتدار، بامتلاك لافت للغة والوقائع وبثقة في الرسائل التي ينقلها، وبإيمان بما فعلته كاتبته ومن تُمَثِّلُهُنَّ. إنه نص تحدوه قيم الحقيقة والتقدم والتحرر وتحقيق الإنسان لإنسانيته من خلال العطاء للآخرين، أيًا كان نوع العطاء. ذلك أنه حين يكون الخاص مضفورًا ومتشابكًا في نسيج العام يكتسب السَّرْد زخمًا خاصًا واستثنائيًا؛ إذ يمتد إلى آفاق إنسانية أكثر رحابة واتساعًا وينفتح على أبعاد تاريخية تجاوز الخاص والذاتي والفردي إلى نطاق العام والآخر والجمعي، وهو ما لا يُتَاح حين يكون السَّرْد مقصورًا ومُتَمَرْكِزًا على الذات. إن هذا ما يمكننا أن نلمسه في مُذَكِّرَات هدى شعراوي بقدر ما يمكننا أن نلمسه في أيام طه حسين. إن النصين تجمع بينهما تيمة الفقد، فَقْد طه حسين لنظره نتاج الجهل المتمثل في هيمنة العادات والتقاليد المتخلفة، وفقد المرأة لحريتها ومن ثم لإنسانيتها أيضًا بسبب هيمنة العادات ذاتها، بغض النظر عن نطاق حضور الجهل ما بين القرية والمدينة في كلا النصين.  

إن ما يلفت الانتباه في تجربة هدى شعراوي ليس هو التمركز على تيمة النوع، وإنما الانفتاح على آفاق التحرر الإنساني بمعانيه الأشمل المتمثلة في تحرير الطاقة الإنسانية داخل الإنسان بغض النظر عن الجنس ذكرًا أو أنثى، أو النوع الاجتماعي رجلاً أو امرأة أو أغا، أو الدور عبدًا أو أَمَة أو سيدًا أو سيدة، التحرر من الاستعمار على المستوى السياسي والوطني العام، والتحرر على المستوى الاقتصادي الذي تعي من خلال أخيها عمر سلطان أنه هو الخطوة الأولى على طريق التحرر السياسي وهو ما يدفعها بعد وفاة أخيها أن تكون لاعبة أساسية وفاعلة في تأسيس وإنشاء بنك مصر تحقيقًا لحلمه ومشروعه الذي باغتته المنية قبل أن يُجَسِّده والذي كان جزءًا من أحلام وطن بأكمله في التحرر.

 كما تُدرِك كذلك أن تحرير المرأة ليس فقط تحريرًا لها بل إنه بالقدر ذاته تحرير للرجل من أوهامه التي تسجنه في نطاق مركزية نوعه التي تحجب عنه آفاقًا إنسانية رحبة يمكنه الانفتاح عليها والاستمتاع بقيمها الخصبة والخلاقة الماثلة في التحاور والتعاون في ظل الحفاظ على التمايز؛ ومن ثم التطور والتقدم والتحقق الإنساني بأسمى معانيه الماثل في التكامل، من خلال إدراك الذات عبر الآخر سواء من خلال إدراك نقص الذات من خلال إدراك نقص الآخر، أو إدراك ما ينقص الذات ولدى الآخر. ذلك أن الآخر هو دومًا مرآة يمكننا أن نرى عبرها مزايانا ومحاسننا كما يمكنها أن تعكس لنا أيضًا عوراتنا و مقابحنا؛ ومن ثم يمكننا العمل والسعي للتخلص منها وليس لإخفائها، عبر ألعاب التجميل والتزيين الزائفة، إذ عبر الآخر ومن خلال العلاقة بالآخر يمكن أن يتولد فضاء ثالث بيني، بين الأنا والآخر، فضاء يتجاوز استقطاب ثنائية الأنا والآخر، على نحو ما يذهب هومي بابا في كتابه المهم ’’موقع الثقافة‘‘ (see Bhabha 1994: 38-39). وهذه ولا شك هي قيمة الحوارات الصادقة والحقيقية.

إن هدى ليست مثل بعض النسويات الكارهات للرجال، بل إنها امرأة متصالحة مع نوعها، لا من خلال الاستسلام والانكفاء على ما وجدت المجتمع يُحدِّده لها ولنوعها من الإناث، وإنما من خلال جهادها ونضالها لا لإبداع ذاتها وتطوير نفسها فقط، بل ولإبداع وتطوير نوعها بأسره ولكي تكون جديرة بكونها امرأة. صحيح أنها قد مرَّت عليها لحظة كراهية لنوعها ولكنَّها مرَّتْ وتَخَطَّتْهَا وتَجَاوَزَتْهَا، مرَّتْ كشعيرة عبور وليس كمحطة وصول وإقامة لا تبرحها، على نحو ما نجد لدى بعض النسويات اللائي يُسَمِّمنَ التواصل بين النساء والرجال عبر خطابات أقل ما يمكن أن يُقال عنها إنها تندرج جميعًا في نطاق ما يمكن أن يوصف بأنه خطابات كراهية، وخطابات لتأجيج الصراع بين المرأة والرجل بدلاً من مد جسور التواصل والحوار ومفاوضة العوائق الثقافية والمعرفية التي تحول وتمنع  أو على الأقل تعوق التواصل الفَعَّال والخَلَّاق بين النوعين. ومن هنا تأتي قيمة خطاب هدى شعراوي النسوي، وهو أنه خطاب مُحِبٌّ وليس خطابًا كارهًا، خطاب مُحِبٌ للوطن، وللأسرة، وللنفس وللإنسانية وأحقية كل هؤلاء فيما هو أفضل. إن خطاب هدى خطاب مُحِبٌّ للأب ومُحِبٌّ للأخ، ومُحْتَرْم ومُقَدِّر للزوج، إذ على الرغم مِمَّا اعترى العلاقة مع الزوج من مواقف وخلافات ومآزق، فقد ظل اسمها مقترنًا باسمه هكذا، (هدى شعراوي) ذلك أن شعراوي هو لقب زوجها العائلي وليس اسم أبيها أو عائلة أبيها كما قد يتوهم البعض؛ إذ إن والدها هو محمد سلطان باشا، أمَّا شعراوي فهو لقب زوجها وابن عمتها علي شعراوي باشا.

كما يعترف خطابها أيضًا بقيمة ودور زعماء كمصطفى كامل وسعد زغلول رغم كل ما كان بين صاحبة هذه المذكرات وبين سعد من اختلافات وخلافات حادة ومواجهات عاصفة على حد وصف هدى لها، ومع ذلك فقد ظلت تُكِنُّ له الكثير من التقدير رغم كل انتقاداتها له، ذلك أن انتقاداتها له لم تكن وليدة ما هوشخصي، رغم حضور ما هو شخصي في تاريخ العلاقة بينهما، بقدر ما كانت ناتجة عن الرغبة في تحقيق المصلحة الوطنية والرغبة في أن يسمو الزعيم، وهو الزعيم، على النوازع الشخصية، أي أنه نقد يندرج في إطار نقد المتنبي لمن يقدرون على بلوغ الكمال والمثال ويتقاعسون عن ذلك في بيته الشهير:

       ولم أرَ في عيوبِ النَّاسِ شيئًا       كنقصِ القادرينَ على التمامِ

ولا أدل على ذلك من هذه العبارات التي تفتتح بها الفصل الخامس والثلاثين من مُذَكِّرَاتها، والتي تفيض بالوفاء وبالحزن والأسى على عدم قدرتها على المشاركة في جنازة سعد زغلول وتوديعه نظرًا لوفاته وهي خارج البلاد:

  ’’مات الزعيم سعد زغلول وأنا موجودة في رحلتي بالخارج، ولم يُتَحْ لي بالتالي أن أشارك في وداع هذا الزعيم، وإذا كانت هناك مواقف قد حدثت بيني وبينه فإن هذا لا ينتقص من قدره كأحد رجال مصرالأوفياء.‘‘ 

مع هدى لا نغدو إزاء حجاب المعاصرة الذي يَحْجُب الحقائق ويُعْمِي الأبصار والبصائر، فما بينهما من مواقف ومواجهات حادة وعاصفة على حد وصفها ــــ وكما يتضح مِمَّا أوردته في مُذَكِّرَاتها سواء تلك المواجهة الساخنة التي رتبتها الأقدار على غير موعد على متن الباخرة التي استقلتها من ’’برنديزي‘‘ وهي عائدة من أوربا إلى مصر لتجده وهو عائد من المنفى للمرة الثانية من جبل طارق، بعد أن كان قد نقل من جزيرة سشيل، أو في صبيحة 5 أبريل عام 1925 في بيته (المعروف ببيت الأمة) ـــ لا يحول قط بينها وبين تقدير دور الرجل وقيمته، ولا يدفعها للانتقاص من قدره كأحد رجال مصر الأوفياء. بل إن هدى لا تكتفي بأن تُعْلِنَ عن أساها لعدم قدرتها على توديعه بسبب تواجدها خارج البلاد، وإنما تصر على أن تقتبس مشهدًا نشرته روزا اليوسف بعد وفاة سعد، دون أن يكون هناك ما يُلْزِمُها بمثل هذا الاقتباس، وهو مشهد يُجَسِّد مدى عشق الجماهير لهذا الزعيم وأن المكانة التي كان يحتلها في قلوبهم تجاوز مكانة الملك نفسه:

(’’وأذكر أن مجلة ’’روزا اليوسف‘‘ كتبت تحت عنوان

« بين المغفور له سعد باشا وصاحب الجلالة الملك فؤاد »:

تقول: لعل أبدع الحفلات التي أقيمت ابتهاجًا بعيد جلوس جلالة الملك هي الحفلات التي أقيمت أثناء حكم الوزارة السعدية، فقد اشترك فيها الشعب، وبدت العاصمة في مساء يوم عيد الجلوس كأنها شُعْلة من نار، وازدحمت الجماهير على جانبي الطريق الذي مرَّ منه الموكب الملكي إلى ميدان باب الحديد؛ حيث أقامت لجنة الاحتفال سُرَادِقًا فخمًا شرفه جلالة الملك بزيارته، ازدحمت الجماهير تحيي الرَّكب الملكي بالتصفيق وهتافها العالي

يشق عنان السماء: سعد … سعد … ويعيش الملك.

ومرَّت بين الجموع المُتَرَاصَّة سيارة جلالة الملك، وقد ركب المغفور له سعد باشا إلى يسار جلالته، ولما توسَّطَتْ العربة ميدان الأوبرا، وكان الزِّحَام هنا على أشده، والهتاف يعلو ويتجمَّع ثم يتدافع، التفت سعد باشا إلى جلالة الملك وقال: ’’إنهم يهتفون لجلالتكم.‘‘ فأجابه صاحب الجلالة على الفور وهو يبتسم: ’’هل أنت متأكد؟!‘‘) 

فالمشهد كله ليس إلا تجسيدًا كنائيًا لمكانة سعد في نفوس المصريين آنذاك وأنه هو الملك الحقيقي لقلوب المصريين، والمؤكد أنه لا يوجد ما يُلْزِم هدى باقتباس هذا المشهد أو هذه اللقطة لتضمنها مُذَكِّرَاتها التي ستخلد بالتأكيد هذا المشهد أكثر مِمَّا ستخلده مجلة روزا اليوسف سوى الأمانة والعرفان والوفاء.

    ومن يقرؤ محاضرتها ’’السلام العالمي ونصيب المرأة في تحقيقه‘‘ ـــ التي ألقتها يوم 9 ديسمبر عام 1938 بقاعة يورت بالجامعة الأمريكية في القاهرة، وفي وقت كانت نُذُر الحرب العالمية الثانية تختمر في الآفاق ـــ يهوله مدى وعيها وسعة اطلاعها ومعرفتها بدقائق التاريخ الإنساني وعلمها بما طرحه العديد من الفلاسفة والمفكرين والأدباء من أجل نشر السلام في العالم، وما عُقِد من اتفاقيات ومعاهدات ومواثيق ومؤتمرات وما تم تأسيسه من جمعيات من أجل السلم ونشر السلم في العالم.

كما نجد أن نبوءتها عن عُصْبة الأمم التي وصفتها بأنها أشبه ما تكون بـ ’’شركة مساهمة أراد مُؤسِّسوها أن يستأثروا بأرباحاها، فَضَعُفَتْ الثقة في أسهمها، وتدهورت أثمانها بسبب انسحاب رءوس الأموال منها، فأصبحت مُهدَّدة بالإفلاس‘‘، قد تحقَّقت تمامًا بعد ذلك، بل إن وصفها هذا ما زال ينطبق كل الانطباق على الأمم المتحدة اليوم ودور الدول المالكة لحق الفيتو فيها. 

وهي هنا أيضًا تؤكد على ضرورة التفاعل التعاوني وأهمية التكامل بين المرأة والرجل، إذ كما ترى؛ فإن ’’العالم إذا سار على قدميه باشتراك المرأة والرجل اشتراكا فعليًّا في إدارة دفة أمور الحياة، بدلاً من سيره على قدم واحدة؛ لحَفِظ توازنه، ولما وقع بين آن وآخر في الأخطاء التي تئن الإنسانية من نتائجها وتَرْزَح تحت نيرها. فالمرأة التي خُلِقتْ لتهب الحياة للوجود بالألم والمشقة في تأدية وظيفة الأمومة، تُقَدِّر أكثر من غيرها قيمة الحياة، وتعرف كيف تصونها، وهي بحكم تلك الوظيفة وما تتطلبه منها من إدارة ونظام وإعداد أولادها وتربيتهم، لديها من الاستعداد ما يؤهلها لاستدراك أمور قد تغيب عن الرجل، ويمكنها — بما وهبتها الطبيعة من فِطْنَة وحَيْطَة — أن تتدارك نتائج ما يقع فيه الرجل من أخطاء بسبب اعتداده برأيه وميله إلى القوة والعنف.‘‘

 إلا أنها مع إلحاحها على التكامل والتعاون لا تتوانى في توجيه أقصى النقد لدعاة الحرب من الرجال؛ بل إن خطابها يسخر من الرجال الذين يسخرون من النساء وينعتون أنوثتهن بالضعف:

 ’’إن الرجال يهزءون بنا، وينعتون أنوثتنا بالضعف والجبن. فليقولوا ما يشاءون؛

فإنَّنَا لا نخجل من أنوثتنا، بل إن صفات الأنوثة هذه فيها من القوة المعنوية والشجاعة الأدبية ما يكفل القضاء على سياسة القوة، وبناء صرح من السياسة الجديدة التي تضمن لأولادنا في المستقبل أن يعيشوا في جو من الإخاء والتعاون‘‘، إذ ’’لو كان للمرأة حق التشريع والتنفيذ، لساعدت الرجل في خلق الأنظمة الكفيلة بضمان سلام العالم وطمأنينته، بما امتازت به من وفرة العاطفة والحرص على النظام. ولقد ظهر تأثيرها في بعض الدول التي اعترفت للمرأة بحقوقها السياسية، وأشركتها في إدارة بعض شئونها، كالولايات المتحدة والسويد والنرويج وتركيا، وبعض ولايات الهند وبريطانيا العظمى؛ إذ نرى أن هذه البلاد بعد اشتراك المرأة في أمور التشريع فيها أقل اندفاعًا إلى الحرب من غيرها من البلاد التي حَرَمتْ المرأة من حقوقها الشرعية. ونعتقد أنَّ هذا الاعتراف بحق المرأة — إذا عم جميع البلاد — سيساعد كثيرًا على تحقيق أمنية السلام العالمي التي تَنشُدها الشعوب، ذلك السلام الذي لم يوفق الرجل وحده حتى الآن إلى توطيد دعائمه.

 يظن الكثيرون أن المرأة تناضل للوصول إلى حقوقها السياسية؛ لمحض رغبتها في

التساوي بالرجل ومزاحمته في ميادين الحياة. ولكن في الواقع أن المرأة لا تريد الحصول على هذا الحق إلا لتقوم بنصيبها في إنهاض العالم وإنقاذه من ويلات الحروب؛ لأن عليها الغرم في حالتَي النصر والهزيمة.‘‘ 

ما أحوجنا إلى خطاب هدى هذا اليوم ونحن نعاني من ويلات حروب لا تنتهي ولا تكف، يعيش ويلاتها من يخوضونها ومن لا يخوضونها. إن خطاب هدى عن السلام العالمي خطاب يفيض بمعاني الإنسانية والرقي والبصيرة والأمل، وبقدر هائل من سلامة الفطرة والذكاء العاطفي.

وهي تستشهد بالعديد من النساء اللائي نادين بالسلام ودعون إليه، نداءات مثل نداء الكاتبة السويدية فريدريكا بريمر إلى نساء العالم من أجل تكوين اتحاد عالمي للسلام، وسعي السيدة الأمريكية جوليا وارد هوا أن تُلقي كلمة في مؤتمر السلام بباريس، وكيف قوبل طلبها بالرفض من قِبل الرجال، ومدام برتافون سوتنر في كتابها ’’ألقوا السلاح‘‘ وغيرهن من نساء أخريات عديدات سعين كيما يعم السلام العالم، فضلاً عن إشارتها إلى المجلس النسائي الدولي الذي ’’كان أول هيئة نسائية دولية عملت للسلام العالمي بإدراج مبدأ التحكيم الدولي في برنامجها والدعوة إليه‘‘، وكيف أن بعض نساء الدول المتحاربة تجاوزن انحيازاتهنَّ الوطنية من أجل قيمة السلام فاجتمعت نساء من ’’بريطانيا وبلجيكا وألمانيا ونساء اثنتي عشرة دولة‘‘ في الوقت الذي كانت لا تزال فيه رحى الحرب العالمية الأولى دائرة ليبحثنَ سُبُل الخروج من الحرب وتحقيق السلام، وكيف أن الرئيس ولسون استرشد في مبادئه الأربعة عشر بالقرارات التي أصدرها مؤتمر لاهاي هذا. 

 وأنا لا أنتوي بالطبع أن أكرر ما في تلك المحاضرة الشديدة الأهمية والتي أتمنى أن تُسْتَلَهَم وأن يتم تجديد دعواها على الصعيد العالمي، فما أحوجنا إلى نساء من هذا الطراز وإلى رجال يجيدون الإنصات لأصوات مثل هؤلاء النساء على هذا النحو الذي نجده في قصيدة الراحل العظيم محمود درويش ’’سَيَجِيءُ يَوْمٌ آخَرٌ‘‘، تلك القصيدة التي تحلم ونحلم معها بذلك اليوم النسائي المُرْتَجَى:

سَيَجِيءُ يَوْمٌ آخَرٌ

سَيَجِيءُ يَوْمٌ آخرٌ، يَوْمٌ نِسَائِيٌّ

شَفِيفُ الاسْتِعَارَةِ، كَامِلُ التَّكْوين،

ماسيٌّ زَفَافِيُّ الزِّيَارةِ مُشْمِسٌ،

سَلِسٌ، خَفيفُ الظِّلِّ. لا أحَدٌ يُحِسُّ

بِرَغْبَةٍ في الانْتِحَارِ أَوْ الرَّحِيل. فكُلُّ

شَيءٍ، خَارَجَ المَاضِي، طَبيعيٌّ حقيقيٌّ،

رَدِيفُ صِفَاتِهِ الأولى. كأنَّ الوَقْتَ

يَرْقُدُ في إِجَازَتِهِ... (أَطيلي وقتَ زينتِكِ

الْجَمِيلَ). تشمَّسِي في شَمْسِ نَهْدَيْكِ الحَرِيرِيَّين،

وانتظري البِشَارَةَ رَيْثَمَا تَأتِي. وفي مَا

بَعْدُ نَكْبرُ. (عِنْدَنَا وقتٌ إضافيٌّ

لِنَكْبُرَ بَعْدَ هذا اليوم....)

سوفَ يَجِيءُ يَومٌ آخرٌ، يومٌ نِسَائيٌّ

غِنَائيُّ الإشَارةِ، لازَوَرْدِيُّ التَّحِيَّةِ

والعِبَارة. كُلُّ شيءٍ أُنْثَويُّ خَارَجَ

المَاضِي. يَسِيلُ الماءُ مِنْ ضَرْعِ الحِجَارَة.

لا غُبَارَ، ولا جَفَافَ، ولا خَسَارَة

والحَمَامُ يَنَامُ بَعْدَ الظُّهْرِ في دَبَّابَةٍ

مَهْجُورَةٍ إِنْ لمْ يَجِدْ عُشًّا صَغِيرًا

فِي سَرِيرِ العَاشِقَيْن.  

(محمود درويش، لا تعتذر عما فعلت، ص ص 19-20)

تُرَى متى سيأتي مثل ذاك اليوم الذي حَلُمَت به هدى وحَلُم به درويش، أم أنه قد قُدِّر على من ظلوا يَحْلُمُون بهذا الحُلم أن يبقوا إلى الأبد مسكونين بالحُلم دون أن يمكنهم هم أن يسكنوا الحلم؟ أيًا ما كان لا يسعنا سوى أن نواصل الحُلم، ونظل نَحْلُم ونأمل مع هدى ومع درويش بمثل ذاك اليوم النِّسَائي الشَّفَيف.

وأخيرًا لا يسعني سوى أن أتوجه بجزيل الشكر والعرفان والامتنان للصديقة الغالية سنية شعراوي، حفيدة هدى شعراوي، التي استكملت سيرة جدتها في كتاب شديد الأهمية كتبته بالإنجليزية، وكان لي شرف مراجعة ترجمته والتقديم له، وهو بعنوان ’’وكشفت وجهها: حياة هدى شعراوي أول ناشطة نسائية مصرية‘‘، وهو يُعَدُّ تكملة وتتميمًا لهذه المذكرات. ذلك أن آخر تاريخ تُورِده هدى في مذكراتها هو عام 1935، أي أن هناك ما يقارب خمسة عشر عامًا من عمر هدى وحياتها لم تتضمنها المذكرات، ولذا رأت الحفيدة أن من واجبها أن تُكْمِل وتُتَمِّم سيرة الجدة، وأن تُصحِّح بعض ما لحق صورتها ومسيرتها من اجتزاء في الثقافة الغربية نتاج ترجمة مارجو بدران لبعض مقتطفات من المذكرات، فكان كتابها هذا الذي أشير إليه والذي أرى أنه يكمل لنا الغائب من سيرة وصورة الجدة، فلها منَّا ومن كل محبي هدى شعراوي وافر الامتنان والعرفان على أن وصلت لنا من خلال كتابها هذا ما انقطع من سيرة الجدة، وعلى كرمها الشخصي معي وإطلاعي على بعض نصوص للجدة ولبعض أفراد الأسرة لم تُنْشَر بعد؛ فضلاً عمَّا أثرتني به من حوارات حول هذه الرائدة والقائدة العظيمة، فلها مني خالص الشكر والتقدير والمحبة.

أمَّا أخي الأكبر وصديقي الحبيب وأستاذي، الأستاذ الدكتور أحمد زكريا الشَّلِق، الذي رشَّحَنِي لكتابة هذه المقدمة، فلا أحسبني قادرًا على التعبير عمَّا أكنه له من حب وتقدير لشخصه وعلمه وإنسانيته الفائضة، فله مني كل العرفان والحب والامتنان.

كما أسعدني كثيرًا التواصل مع الصديق المبدع الأستاذ عماد مطاوع الذي أعتز بصداقته والذي احتمل مماطلتي في تسليم هذه المقدمة، فله مني وافر الشكر والتقدير والمحبة.

                        **************************

  • هذا النص هو مقدمة للطبعة الأخيرة من مذكرات هدى شعراوي ونصوص أخرى الصادرة عن هيئة قصور الثقافة بمصر، عام 2023.











                  





                 المصادر والمراجع العربية والمترجمة


إدريس (حواء): مذكرات حواء إدريس، تقديم هدى الصدة، مؤسسة المرأة والذاكرة، القاهرة، 2016. 

ابراهيم (حافظ): ديوان حافظ ابراهيم، تقديم فاروق شوشة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2007.

الاتحاد النسائي المصري بالقاهرة: المرأة العربية وقضية فلسطين: المؤتمر النسائي الشرقي المنعقد بدار جمعية الاتحاد النسائي بالقاهرة من 15 إلى 18 أكتوبر سنة 1938 للدفاع عن فلسطين.

ــــــ : ذكرى فقيدة العروبة حضرة صاحبة العصمة السيدة الجليلة هدى هانم شعراوي: مجموعة الخطب والقصائد التي ألقيت في حفلة تأبينها بدار الاتحاد النسائي المصري مساء يوم الجمعة 30 يناير 1948.

الجوادي (محمد): مذكرات المرأة المصرية: الثورة والحرية، دار الخيَّال، ط1، القاهرة، 2004. 

المتنبي (أبو الطيب): شرح ديوان المتنبي، وضعه عبد الرحمن البرقوقي، دار الكتاب العربي، بيروت- لبنان، 1986. 

بدون مؤلف

درويش (محمود): لا تعتذر عمَّا فعلت، دار رياض الريس للكتب والنشر، 2004. 

رمضان (عبد العظيم): مذكرات السياسيين والزعماء في مصر 1891/1981، ط2، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1989.

شعراوي (سنية): وكشفت وجهها: حياة هدى شعراوي أول ناشطة نسائية مصرية، ترجمة نشوة الأزهري، مراجعة وتقديم طارق النعمان، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2019.

شرف (عبد العزيز): أدب السيرة الذاتية، مكتبة لبنان- الشركة المصرية العالمية للنشر ــ لونجمان، القاهرة، 1992.

عباس (إحسان): فن السيرة، دار صادر ـــ بيروت  دار الشروق ـــ عمَّان، ط1، 1996.

عصفور (جابر) دفاعًا عن المرأة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2007.

عيد (محمد السيد): فن السيرة الذاتية وأثره في الرواية المصرية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2022.

قاسم (أمين): تحرير المرأة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2012.

ـــــــ: المرأة الجديدة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2012.

كون (توماس): بنية الثورات العلمية، ترجمة حيدر حاج اسماعيل، مراجعة محمد دبس، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2007.    

موسى (نبوية): تاريخي بقلمي، تقديم رانيا عبد الرحمن وهالة كمال، ملتقى المرأة والذاكرة، 1999.

ناصف (ملك حفني): النسائيات: مجموعة مقالات نشرت في الجريدة في موضوع المرأة المصرية، دراسة تقديمية منى أحمد أبو زيد، دار الكتاب المصري اللبناني، القاهرة ـــ بيروت، 2015). 


المراجع الأجنبية:

Bhabha, Homi, (1994) The Location of Culture, Routledge, London & New York.

Gessey, Patricia (1996). Collective Autobiography: Algerian Women and History in Assia Djebar's L'amour, la fantasia. Dalhousie French Studies, Vol. 35 (Summer 1996), pp. 153-167.

Habermas, J. (1991) The Structural Transformation of the Public Sphere: An Inquiry into a Category of Bourgeois Society, T. Burger (trans.). Cambridge, MA: MIT Press.

Ricoeur, P. (1990). Time and narrative (Vol. 3). University of Chicago Press.‏

 .(1992): ــــــــــ Oneself as Another. University of Chicago

 Press.

                    


                                                      








      

                

                     

79 views0 comments

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
bottom of page