top of page

من يحتاج إلى إنغمار بيرغمان؟



أين هو بيرغمان الآن؟
هل نحن بحاجة إلى بيرغمان الآن، في زمننا هذا؟

ذات مرّة، ضمن إعلانٍ عن اعتزاله الإخراج السينمائي، قال إنغمار بيرغمان: "لا أحد راسخ في موقعه، ومن السذاجة الاعتقاد بأن العالم لا يستطيع الاستغناء عنك. بعد عشر سنوات لن يتذكرني سوى قلة من النقاد".

كان بيرغمان يعرف. كان يرى. كان يدرك أن نجمه لن يظل ساطعاُ في وسط مهووس بما هو جديد، بما هو مبهر، بما هو لافت وجذاب شرط أن يكون سريع الزوال.

قد يتساءل المرء: ما الذي تعنيه لنا أفلام بيرغمان في الوقت الحاضر؟ ما الذي تقوله لنا أفلامه؟ ما هي علاقتنا بأعماله؟

شخصياً، لم أكف عن إعادة مشاهدة أفلامه مرةً كل عام. لقد تأسست علاقة وثيقة وحميمة بيننا. وفي كل مرة أشعر بالدهشة والانبهار والتفاعل القوي، كما لو أشاهدها للمرة الأولى. وبالفعل، في كل مرة اكتشف شيئاً جديداً، طرياً، مختلفاً. وهذا ما أشعره أيضاً عندما أعيد مشاهدة أفلام تاركوفسكي، فلليني، أنتونيوني، بريسون، أوزو، أنجيلوبولوس.. وآخرين.


أفلام بيرغمان كانت مثار اهتمام الصالات الفنية والأندية السينمائية والدراسات والبحوث الأكاديمية والنقدية، في جميع أنحاء العالم، إلى جانب الأعداد الكبيرة من السينمائيين الذين تأثروا بأعماله وأفكاره. الكتب التي صدرت عن بيرغمان وعالمه السينمائي تفوق أي مخرج آخر.

في الستينيات، كان عرض أي فيلم جديد لبيرغمان يُعد حدثاً هاماً، رئيسياً، واستثنائياً.

كانت أفلامه ذات حضور قوي وفعال ورئيسي. كانت تحتل مكانة بارزة، سامية، ضمن نسيج التجربة الثقافية، وفي تاريخ السينما.

غير أنها الآن فقدت ذلك الحضور البهي. تكاد تكون منسيّة. وشهرة بيرغمان بدأت تخبو، حتى كاد يصبح مغموراً.

حدث ذلك منذ أواخر السبعينيات.

الممثلة السويدية غونيل ليندبلوم تسرد عن بيرغمان هذا الحدث: "لقد حاول أن يمارس التدريس لمدة أسبوع. لكن التلاميذ تصرفوا معه على نحو أثار حزنه، فقد كانوا يأتون إلى حصّته متأخرين، ولم يُظهروا أي اهتمام بما يمثّله، ولم يحترموه بالطريقة التي كان يتوقعها منهم، ومثلما يفعل ممثلوه. كان ذلك في السبعينيات، وكان الطلبة آنذاك مهتمين بأشياء أخرى. لذلك تخلى سريعاً عن التدريس".

وتعلّق غونيل على هذا التصرّف قائلةً: "ربما أفلامه تعبّر عن زمن آخر، وهموم أخرى، لكن من المهم للناس في يومنا انتهاز الفرصة ومشاهدة ما كان يبدو عليه العالم آنذاك".

***

منذ الثمانينيات والتسعينيات صار بيرغمان هدفاً للهجوم والاستخفاف، ثم حلّت مرحلة التجاهل والإهمال، على أساس أن أفلامه لم يعد لها علاقة بالعصر. وأن ثيماته كئيبة، محبطة، غامضة. وشخصياته غريبة عن الجمهور الحالي، وأن بيرغمان فنان بورجوازي، تحوي أعماله عناصر نخبوية فردانية. ورأينا عدداً من النقاد ينظرون إلى بيرغمان بوصفه يمثّل مرحلة في تاريخ السينما تم تجاوزها. صار بالنسبة لهم عتيق الطراز. ولاحظنا أن الجمهور الراهن لا يحتمل تحريات بيرغمان في النفس البشرية، واستنطاقاته أو فحوصاته الاستبطانية للوضع الإنساني.

القلة فقط صاروا يهتمون بمشاهدتها، وتأملها، والاستمتاع بها.



يقول وودي ألين (The Hollywood Reporter، أبريل 2011): "الجيل الشاب هو أساساً جمهور جاهل سينمائياً.. ليس في ما يتعلق بسينما بيرغمان، لكن أيضاً بسينما أنتونيوني، تروفو، كوروساوا، بونويل. الفيلم ليس جزءاُ من ثقافتهم العامة. غير أن أفلام بيرغمان تظل عظيمة، كما هي أفلام بونويل وكوروساوا، والأفلام الأوروبية التي شهدت ازدهاراً عظيماً. إنهم لا يعرفون شيئاً عن سارقو الدراجة أو الوهم الكبير، بل أن العديد منهم لا يعرفون المواطن كين. ليس لديهم التوقير العام. أنا لا انتقدهم. إنه مجرد زمن مختلف. أيقوناتهم وأبطالهم يوجدون في نطاق مختلف".

***

لقد احتل بيرغمان مكانة استثنائية، بارزة، في السينما الفرنسية. والموجة الجديدة الفرنسية اعتبرته أيقونة سينمائية، ونالت أعماله إعجاب غودار وتروفو. الجيل التالي من المخرجين الفرنسيين (فيليب غاريل، أندريه تيشين، بينوا جاكوت، جاك دويْلون) في السبعينيات والثمانينيات، لم يتحمسوا كثيراً للتحاور مع الجيل الذي سبقه، ولم تثر اهتمامهم تلك الراديكالية السياسية، بل آثروا التواصل مع أعمال بيرغمان والتفاعل والتحاور معها.

لكن ماذا يمكن فعله بالضبط مع بيرغمان اليوم.. مع الأجيال الجديدة؟

هل تثير اهتمامهم اليوم العلاقات المركّبة، المعقّدة، بين الرجال والنساء، التي صوّرها بيرغمان، غالباً من منظور المرأة؟ هل هم مهتمون بالتعرّف على آلية اللاوعي، ولغته؟ بالتعرّف على ألغاز الكائن الإنساني؟ بأمور الشك والإيمان؟ بعزلة الإنسان؟ والبحث عن معنى للوجود؟

هل تغيّر العالم كثيراً بحيث لم تعد تلك القضايا، التي شغلت بال مخرجي تلك الفترة، تعني شيئا لهذا الجيل؟

يقول المخرج الفرنسي أوليفييه أساياس (Film Comment, Jul- Aug 2018): "يصعب عليّ إيجاد بيرغمان في السينما المعاصرة. أو بالأحرى، أرى غيابه كفراغ رهيب. لقد ابتعدنا عن بيرغمان عندما ابتعدنا عن جانبنا المظلم، وضرورة مواجهته. لقد ابتعدنا عن التحليل النفسي، كما الحال اليوم، في المجتمع وعلى الشاشة معاً، ليس لأن لدينا شيئاً نخفيه، بل لأننا لا نريد أن نعرف أو نرى ما لدينا لنخفيه. حالما ينقضي هذا الزمن، ونكون مهتمين من جديد في الأسئلة والشكوك في سبرنا للإنسانية من خلال السينما أكثر مما في الحقائق، في الأهواء والأفكار المتصوّرة سلفاً، في النماذج النمطية، ستكون أعمال بيرغمان لاتزال موجودة هناك لترشدنا وتهدينا".

***

لكن خلال العقدين الأخيرين شهدنا انبعاثاً لبيرغمان واهتماماً بأفلامه وعالمه. وبدأنا نشاهد أفلاماً وثائقية ودرامية عن عالم بيرغمان. وصارت أفلامه تتوفر على أشرطة دي في دي وعبر اليوتيوب.

الألمانية مرغريت فون تروتا أخرجت فيلماً وثائقياً بعنوان "البحث عن إنغمار بيرغمان"، وعنه تقول (Moviemaker، نوفمبر 2018): "بتحقيق هذا الفيلم اكتشفت بيرغمان الرجل، الأب، الزوج.. الإنسان بكل تعقيداته وتناقضاته. تحقيق الفيلم أشبه بإيماءة إقرار بالفضل إلى أستاذي، فأنا ما زلت تلميذة في حضرته. لقد حاولت في هذا الفيلم أن أقوم برحلة لأعرف ما يتذكره السينمائيون عن بيرغمان، ولكي أرى إذا كانوا لا يزالون يحبونه بقدر ما أحبه. تحقيق الفيلم كان فرصة لفحص أفلام بيرغمان مرةً أخرى، واستجواب نفسي وأسلوبي وحياتي كمخرجة سينمائية".




في الفيلم الوثائقي "انتهاك بيرغمان" Trespassing Bergman نجد العديد من اللقاءات مع الضيوف، من السينمائيين، الذين جاءوا من مختلف البقاع لزيارة جزيرة فارو التي سكنها بيرغمان، والبيت الذي عاش فيه، مع كل المرافق والملاحق، من المكتبة الخاصة إلى صالة السينما. من بين هؤلاء، نذكر: مايكل هانيكه، كلير ديني، أنج لي، ريدلي سكوت، أليخاندرو غونزاليز إيناريتو (الذي قال: لو كانت السينما ديناً، لكان هذا المكان (بيت بيرغمان) مكة أو الفاتيكان")، ولارس فون ترير الذي قال: "بيرغمان أدخل مفاهيم لم يحدث أن تعامل معها أحد من قبل. لا أحد يشكّك في عظمته.. في عبقريته".

إلى جانب عدد كبير لم يتمكنوا من الحضور، واكتفوا بالتحدث عنه من خلال لقاءات بالفيديو، مثل: مارتن سكورسيزي، وودي ألين، روبرت دي نيرو، كوبولا، ويس أندرسون، ويس كرافن، تاكيشي كيتانو.. الذين وجهوا له التحية، وعبّروا عن حبهم وتقديرهم وإعجابهم، وأثنوا على أعماله، وتحدثوا عن تجاربهم مع أفلامه، والتأثير الهائل الذي مارسته أفلامه عليهم.

رحل هذا الفنان العظيم، لكن أفلامه تظل حية داخل وجدان من شاهدوها. لقد خلق أفلاماً حيّة، تتنفس في كل لحظة من الأبدية.. أفلاماً خالدة.


***

ها هنا عدد من المخرجين المعاصرين والجدد يتحدثون عنه، وعن علاقتهم بأفلامه، ورؤيتهم لما تمثّله أعماله بالنسبة لهم.

المخرج البريطاني مايكل وينتربوتوم: "شاهدت أفلام بيرغمان لأول مرّة على شاشة التلفزيون. كنت في سن المراهقة. عندما بلغت الخامسة والعشرين، حققت فيلمين وثائقيين عنه، وتمكنت من قضاء وقت طويل في السويد. شاهدت كل أفلامه. وكتبت له رسالة أطلب فيها موافقته على تحقيق فيلم وثائقي عنه. حصلت على قبول منه، والتقيته.

أفلامه تتّسم بالبساطة. هي جميلة جداً، والممثلون رائعون جداً. ما نستشف به من الطريقة التي يصنع بها أفلامه، أنك إذا سجلت الأشياء بصدق، وبتفاصيل وافية، حتى في حالات تبدو غير درامية، فسوف تكون قادراً على تحريك مشاعر الناس، وإظهار ما يحدث خلف الأسطح.

إننا نتحدث عن شخص حقّق أعمالاً عظيمة من الخمسينيات وحتى الثمانينيات. حقّق مجموعة من الأفلام المدهشة. في عملية صنعه للأفلام، حاول أن يتخلص من كل ما هو غير ضروري، مركّزاً على ما هو أساسي وجوهري. أن تستعير من طريقته في العمل أسهل لك من أن تستعير من أفلامه نفسها. لن تستطيع أن تضاهي أفلامه، ولا أحد يستطيع أن ينسخها أو يحاكيها".

المخرج السويدي توماس فينتربيرغ: "في معهد السينما، شاهدنا أفلامه الأولى، 12 فيلماً. ثم شاهدت أفلامه الأخرى. لقد وجدت فيه مخرجاً دقيقاً، شديد العناية بالتفاصيل، على نحو رائع. وهو يتناول الحالات النفسية العميقة. لقد منحتني أفلامه القدرة على رؤية ما يكونه الإنسان على نحوٍ لم أصادفه من قبل. بعض اللقطات القريبة للممثلات السويديات الجميلات ظلت ماكثة في ذاكرتي. لقد خلق شخصيات نسائية لا تملك إلا أن تقع في غرامهن في الحال، وكشف حياتهن الداخلية المتوهجة على نحوٍ لم يسبق أن رأيت مثيلاً له".

المنتج والمخرج البريطاني ستيفن وولي: "لبيرغمان تأثير على كل سينمائي يحب الأفلام، وذلك ببساطة لأن أفلامه رائعة جداً. ما يفعله من سبر للنفس الباطنية قد يبدو فاتراً ومضجراً ومدّعياً، لكن أفلاماً مثل بيرسونا هي مذهلة. لا يخطر ببالي أي مخرج آخر، غير بيرغمان، ترغب في مشاهدة أفلامه كل يوم وإلى الأبد. الأفلام التي حقّقها قبل خمسين سنة لا تزال جديدة وحيّة كما هي دائماً".

***

يقول الناقد هاميش فورد: "أفلام بيرغمان مهمة وضرورية لأنها ترغمنا على أن نسأل أنفسنا: من نحن، ماذا نحن؟ وكيف نعيش مع الآخرين؟".

بيرغمان عظيم لأنه قادر على تغيير نظرتك للسينما وفهمك لها، وإغناء إدراكك الحسّي.. ليس للسينما فحسب، بل للحياة، للإنسان، للعلاقات الإنسانية، وللعالم الواسع بأكمله.

53 views0 comments

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
bottom of page