top of page

نيكولاس راي ..

المخرج والممثل..كم هي رهيفة هذه العلاقة


أغلب المخرجين لا يعرفون كيف يحققون الاتصال مع الممثلين. عوضاً عن ذلك، هم يعتمدون على المظهر الخارجي للتكوين، زوايا الكاميرا، الإضاءة، العدسات. المخرج يشعر بالراحة والاطمئنان في التعامل مع آليات الكاميرا، مثلما الممثل في تعامله مع دوره وذاته في ذلك الدور، أكثر من الاتصال على مستوى الفعل. في كلتا الحالتين، الصورة التامة النضوج تكون مركّبة فوق المحتوى، والأساس يكون مهمَلاً.

حين أبدأ في السبر والتشريح لاكتشاف كيفية بلوغ الممثلين تلك الحالة وراء ذواتهم الخاصة - حالة الكينونة تلك، القادرة على إقناع الآخرين بأنهم حقيقيون وغير حقيقيين في الوقت نفسه، ضمن وضع معيّن - فإن ذلك يقتضي بحثاً شاملاً في العديد من التقنيات والنظريات المستمدة ربما من معاهد المسرح والسينما كما من معاهد التحليل النفسي.

الممثل بالفطرة

لا توجّه، كمخرج، ممثلاً يؤدي على نحو طبيعي وبحسّ فطري. إذا كنت محظوظاً وعثرت على هكذا ممثل، اتركه ينطلق بحريّة لأنك فيه ستحرز موهبة حرّة، وهبة سخية.

لكن غالبية الممثلين ليسوا من هذا النوع الطبيعي أو الفطري أو التلقائي، وهم دائماً بحاجة إلى مخرج يديرهم ويوجههم، سواء أكانوا شباناً أو شيوخاً، هواةً أو محترفين.

ثمة ملاحظة أخرى تتصل بالعمل مع ممثل قادم من المسرح مباشرة، ولا يمتلك أي خبرة أو تجربة مع الكاميرا. إذا كان الممثل يمتلك منهجاً أو أسلوباً في العمل، فيتعيّن على المخرج أن يشجعه ويساعده في استخدام هذا المنهج للوصول إلى درجة الصدق وذروة العاطفة نفسها التي قد يحتاج لإظهارها وتسليط الضوء عليها في المسرح.. وينبغي أن يحافظ عليها لأن الكاميرا مجهر ومكبّر.


الكثيرون من الذين يرغبون في العمل كممثلين لا يكترثون أبداً بامتلاك منهج في العمل. الآخرون الذين يعملون وفق منهجٍ لا يعون ذلك ولا يدركون أن لديهم منهجاً. وهناك البعض الذين يجب حملهم على الاقلاع عن عاداتهم السيئة من دون المساس بالثقة التي لديهم. غالباً ما يكون العمل مع الهواة أكثر متعة.

الوسيلة المثلى، والمفضلة لديّ، في اختيار شخص ما للدور، هي المشي مع هذا الممثل والتنزّه معه، وعبر ذلك أحاول اكتشاف من يكون، ومن أين جاء، وما يريده حقاً كإنسان، وما هي اهتماماته.. هذا بالنسبة لي أفضل، وأكثر جدوى، من جعله يقوم بارتجال على مشهد ما أو قراءة حوار من السيناريو.

اللغة بين المحترف والهاوي

سواء اتسم أداء الممثل للدور بالطبيعية أم لا، فإن ذلك يبدو غير أساسي. لكن ثمة حقيقة مهمة: المخرج يستطيع أن يفرط في إدارة وتوجيه الممثل البارع جداً من دون أن تترتّب على ذلك عواقب خطيرة. لكن إذا أفرط في توجيه ممثل يؤدي على نحو طبيعي، فسوف لن يعود هذا الممثل في اليوم التالي، لأنه سيكون مشوشاً. لذا فإن اللغة يجب أن تكون مختلفة، لغتك وسلوكك مع اللاممثل (الهاوي) يجب أن يكون ملطفاً.

إذا كنت محظوظاً فإنك تحتاج إلى أسبوع تقريباً لكي تستطيع أن تنسجم معه وتعرفه جيداً. خلال هذا الأسبوع يجب أن تجد علاقة أو رابطة معه بحيث تتمكن من مساعدته في الاستجابة على نحو غير واع لذاته أمام الكاميرا.. والطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك، في رأيي، هو التركيز والمفاجأة.

من أجل إحراز التركيز مع اللاممثل، عليك أن تجد في داخله رغبته أو حاجته العظمى في تلك اللحظة، ثم تنقلها إلى حالة الفيلم. الأمر في الواقع لا يختلف مع الممثل، لكن مع اللاممثل ينبغي أن تكون قادراً على جعله يركّز من دون أن تستخدم كلمة "ركّز"، وينبغي أن تجعله يتحرّر من التوتر العصبي ويرتخي من غير أن تستخدم كلمة "استرخ".





ساعده لكن لا تملي عليه

على المخرج أن يساعد الممثل على إيجاد الشيء الذي يريده بشروطه الخاصة، لا أن يملي عليه الشيء، أو يقول له: "هذا هو أنت، وهذا ما تريده".

على المخرج أن يساعده من دون أن يغفل عن ما حدث له من قبل، والعوائق التي يجب أن يواجهها. قد يتعيّن عليه أن يساعده بشيء من الوصف والتصوّر لكي يمنحه المشية المناسبة، والنظرة الملائمة، والمظهر اللائق.. عندئذ، ما سوف يحدث قد يدهشك ويذهلك.

ثم هناك تقنية المفاجأة. في البروفة قد تشعر بأن المشهد على وشك أن يكون مكتملاً، وأن الهاوي، المادة الخام غير المصقولة، يستمتع بوقته. لكنه سوف يتجمّد في اللحظة التي يصيح فيها مساعد المخرج "هدوءاً"، أو عندما يركّب المصور الإضاءة في الموقع.

ليس لديك الوقت لاعطاء دروس في التمثيل لكل شخص. بعض الممثلين يطلقون العنان لأهوائهم، ويشعرون بأنهم يؤدون خدمة للجمهور بظهورهم، والمضي في ممارسة حاجاتهم التي تتّسم عادةً بالاضطراب العقلي واختلال الصلة بالواقع.

هؤلاء يحسبون النشاط الابداعي تشوّشاً، أو يحسبون التشوّش نشاطاً إبداعياً، ولديهم كل الأسئلة لطرحها، تماماً مثل الطفل الذي لا يريد أن يشرب حليبه لأن أحداً لا يعرف من أية بقرة جاء الحليب.

منذ لحظة مجئ الممثل إلى الموقع، ينبغي أن تشعر بما حدث له قبل مجيئه مباشرةً لتعرف إن كان هناك ما يمكن الإستفادة منه للمشهد. ينبغي أن تعرف المادة على نحو أفضل من الممثلين. ينبغي أن تعرف ما يصلح من أفعال لكل ممثل، وأن تكون لديك أيضاً الخيارات، بحيث لو اختار الممثل فعلاً خاطئاً، فهناك خيار آخر جاهز له ولن يجد نفسه يتخبط بلا معين.



خصوصية الحوار

ثمة ممثلون يطلبون من المخرج أن يشرح ما يريد عن طريق توضيح المشهد أو تأدية ذلك أمامهم، ومن هذه النقطة ينطلقون. قد تفعل هذا مرّة أو مرتين فقط أثناء البروفات، لكن بما يكفي لإعطاء الممثل الثقة، وجعله يعرف من أين يبدأ. إنه أشبه بالكاتب الذي يحتاج إلى وضع الحروف الأولى على الورقة ليشرع في الكتابة.

هذه الطريقة، التي هي ربما الأكثر صعوبةً ومضيعةً للوقت من أية طريقة أخرى أعرفها، تقتضي علاقة حميمة بين الممثل والمخرج إلى حد أن كل ما يقال بينهما، سواء في الاتصال التمهيدي أو بين اللقطات، هي ذات طبيعة حميمة جداً في محتواها وتداعياتها.

نصيحتي لمخرج الفيلم أن يحافظ دائماً على خصوصية الحوار بينه وبين الممثل، ولا يدع الحوار يصل إلى مسامع الممثلين الآخرين.

لا يجب أن تنتهك معلومات الممثل الشخصية والخصوصية، لأنك إن فعلت ذلك فسوف يقطع التدفق بينكما، وبين الممثلين الآخرين أيضاً.

في الوقت ذاته، على المخرج أن يكشف نفسه.. حتى لو عن طريق الكذب. شخصياً، استطيع أن أروي ما لا يمكن تخيله من القصص الشنيعة عن نفسي لكي أجعل الممثل يحرّر نفسه من الإحساس بالخجل.

هذا يعني إنك استطعت إقناع الممثل بأن أدواته الأساسية - بالإضافة إلى السيناريو والمواقع والإكسسوارات والمخرج - هي ذاته، ذكرياته، تداعياته، مخيلته. والأكثر أهمية، من بين كل تلك الأشياء، هي المخيّلة.

لا أعرف مخرجاً واحداً استطاع أن ينفث الموهبة في ممثل. لا تحاول فعل ذلك لأنك لن تنجح. لن تستطيع أن تنفخ في الموهبة، لكن تستطيع أن تفجّر المخيّلة. يجب أن تكون المخيّلة خصبة وغزيرة.

أنت كمخرج تحتاج إلى ممثليك، لكن ينبغي أن تعرف كيف تجعلهم أفضل مما هم عليه.



التحكم من غير ترهيب

قبل أن تسمح للكاميرا بأن تدور، يجب أن تكون مستعداً للتلقي والاستجابة وتقييم المشهد الذي على وشك أن يصوّر. إذا افتقدت الاستجابة، عليك أن تكتشف السبب، وهنا يتعيّن عليك إما أن توجّه الممثلين مرة أخرى، أو تزودهم بشيء آخر يبدأون به حتى يتم انجاز المشهد. هذا يعتمد على معرفة ما تريده من المشهد.

لا يجب على المخرج أبداً أن يستبعد الحدس، على العكس، يجب أن يؤمن به. نحن جميعاً نتلقى، من حين إلى آخر، إشارات معينة.. إذا حازت على ثقتنا مرةً أو مرتين فسوف نبدأ في إدراك وقت حدوثها.

على المخرج أن يظل متحكماً ومسيطراً. هذا لا يعني إخافة الممثلين أو الطاقم الفني أو العاملين معه. السلطة، بشكل عام، تُصان بفعالية أكبر عن طريق قدرتك، كمخرج، على تحفيز التخيّلات والاهتمامات المشتركة للأفراد المشاركين.

يجب استخدام لغة مختلفة لأنك لا تستطيع أن تتحدث مع الهاوي بمصطلحات أو لغة احترافية. لهذا السبب يتعيّن عليك أن تقضي بعض الوقت مع اللاممثل قبل التصوير لكي تكتشف كيف كانت حياته، وأي المجالات التي يمكن فيها أن تتصل معه.

عندما تعمل مع عدد من الأفراد، عليك أن تجد معجماً مشتركاً يجد فيه كل شخص مفرداته الخاصة به.


*

نيكولاس راي: مخرج سينمائي أميركي

المصدر: Film Comment

80 views0 comments

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
bottom of page