top of page

هل العلم سيقضي على الأديان؟


الروائي الأميركي دان براون


الروائي الأميركي دان براون مؤلف قصص الخيال والإثارة الممزوجة بطابع علمي وفلسفي حديث وبأسلوب مشوق مكّنه من تحقيق أفضل المبيعات. حققت رواياته رواجاً كبيراً بين الأجيال الشابة في أمريكا وأوروبا، أشهر رواياته (شفرة دافنشي) التي نشرت عام 2003، وتم تصويرها كفيلم سينمائي من بطولة توم هانكس. علماً بأن هذا الفيلم لم يتمكن من تحويل بعض الأحداث المتخيلة في الرواية إلى مشاهد بصرية، فضلاً عن عدم تغطية كل وقائع الرواية. دان براون أصدر روايته الأخيرة بعنوان (الأصل) التي ترجمت إلى العربية في عام 2018. وأعتقد بأن هذه الرواية تحتاج حقاً تحويلها لفيلم سينمائي، بسبب أن جميع أماكن أحداثها في إسبانيا، وهي أماكن حقيقية. لقد تمكن المؤلف من وصف جذاب للمتاحف والكنائس والعمران والفنون الإسبانية، لدرجة أن مخيال القارئ الذي لم يزر تلك الأماكن غير قادر على تخيلها، ولذا تأتي أهمية تحويلها إلى فيلم قادر على خلق مخيال بصري لهذا القارئ.

هذا المقال سيركز على محورين فقط من محاور الرواية، وهما رؤية المؤلف لعلاقة الأديان بالعلم، والذكاء الاصطناعي الخارق وخطورته على الأديان.

رجال الدين أكثر الناس خطورة:

بداية الكتاب، مقولة للأميركي جوزيف كامبل، المتخصص في الميثولوجيا المقارنة مع الأديان والأساطير الدينية، يقول فيها (يجب أن تكون لدينا الرغبة في التخلي عن الحياة التي خططنا لها، لكي ننال الحياة التي تنتظرنا). يعلن بطل الرواية البروفسور "كيرش"، أستاذ الذكاء الاصطناعي والعلم المقارن للأديان، بأنه (تاريخياً، يُعتبر رجال الدين أكثر الناس خطورة على وجه الأرض، لا سيما حين تصبح آلهتهم مهدّدة. وأنا على وشك إشعال النار في عش الدبابير). هذا البطل من جماعة "اللاأدريين"، وقد قرر أن يعلن عن نظريته حول انتهاء الأديان، و"موت الله" كما دعا إليه الفيلسوف نيتشه. لكن وقبل أن يعلن نظريته قرر أن يجتمع مع ثلاثة من كبار رجال الدين في العالم؛ مسيحي ويهودي ومسلم. وقبل هذا الاجتماع، ابتسم رجل الدين المسيحي المسنّ، وقال لهذا البروفسور؛ (حسناً، كان يفترض أن يرث الودعاء الأرض، ولكنّها عوضاً عن ذلك ذهبت إلى الشباب المولعين بالتكنولوجيا، الذين يحدقون إلى الشاشات عوضاً عن التحديق إلى نفوسهم. أعترف أنني لم أتخيل يوماً أن يكون لديّ سبب للقاء الرجل الذي يقود هذه الموجة. فهم يسمونك ملهماً. باستطاعة المتدينين دائماً الاستفادة من الإصغاء إلى غير المؤمنين. فعند سماع صوت الشيطان، سنقدّر صوت الله أكثر).


الفيلسوف نيتشه

برلمان أديان العالم:

منذ عام 1893، يقوم مئات القادة الروحيين من نحو ثلاثين ديانة عالمية بالاجتماع معاً في مكان مختلف كل بضع سنوات، حيث يُجرون حواراً بين الأديان لمدة أسبوع. ويضم المشاركون مجموعة واسعة من الشخصيات النافذة من الكهنة المسيحيين، والحاخامات اليهود، والملالي المسلمين من جميع أنحاء العالم، فضلاً عن البوجاريين الهندوس، والبوذيين، والبانيان، والسيخ، وغيرهم. وكان الهدف العام الذي أعلنه البرلمان يقوم على "تنمية الوئام بين أديان العالم، وبناء الجسور بين مختلف الانتماءات الروحية، والاحتفال بالقواسم المشتركة بين جميع الأديان". وقد وصفه البروفسور كيرش بأنه سعي نبيل، على الرغم من أنه اعتبره (ممارسة فارغة، وبحثاً بلا معنى عن نقاط تطابق عشوائية بين خليط من القصص الخيالية والخرافات والأساطير القديمة).

الأسقف المسيحي سألَ البروفسور: "قرأت مؤخراً أنّه للمرّة الأولى في تاريخ هارفرد، يزيد عدد الطلاب الملحدين واللاأدريين على عدد أتباع أي ديانة على الإطلاق في فوج الطلاب الجدد. وهذه إحصاءات معبرة جداً يا سيد كيرش". أراد كيرش أن يجيب: "ماذا أقول؟ طلابنا يزدادون ذكاء مع مرور الزمن"!، ولكنه فَضَّلَ الصمت.

الاجتماع مع رجال الدين الثلاثة:

تم الاجتماع في غرفة داخل مكتبة "مونسرات" الشهيرة، وهي الغرفة التي يُشاع بأنها الغرفة المبجلة التي تحتوي على نصوص نادرة جداً غير متاحة سوى للرهبان الذين كرسوا حياتهم للعبادة، وأقاموا هنا على قمة هذا الجبل. قال الأسقف: لقد طلبت اجتماعاً سرياً، وهذا أكثر الأماكن انعزالاً لدينا. فقلة من الغرباء الذين دخلوا هذا المكان. قال الأسقف : أقدم لك الحاخام يهودا كوفيس. إنّه فيلسوف يهودي بارز كتب الكثير عن علم الكونيات القبالي. تابع الأسقف مشيراً إلى الرجل الآخر؛ وحضرته سماحة العلامة سيّد الفضل. قال الأسقف موجهاً كلامه إلى زميليه: "وضيفنا إدموند كيرش، كما تعلمان عالم كمبيوتر شهير، كما إنّه باحث في مجال نظرية الألعاب ومخترع، ويُعتبر مُلهِما إلى حد ما في عالم التكنولوجيا. ونظراً إلى خلفيته هذه حيرني طلبه الاجتماع بنا نحن الثلاثة. لذلك، سأطلب من السيّد كيرش أن يشرح لنا سبب مجيئه". بدأ كيرش كلامه قائلاً: لقد أتيت إلى هنا اليوم لأنني توصلت إلى اكتشاف علمي أعتقد أنه سيذهلكم. إنّه أمر أتابعه منذ سنوات عديدة، على أمل الإجابة عن سؤالين من أهم الأسئلة في تجربتنا البشرية، والآن وبعد أن نجحت في ذلك، أتيت إليكم أنتم على وجه التحديد لأنني أعتقد أنّ هذه المعلومات ستترك أثراً عميقاً في مؤمني العالم، ومن المحتمل أن تسبب تحوّلاً لا يمكن سوى وصفه بأنّه مدمّر. في هذه اللحظة، أنا الشخص الوحيد في العالم الذي يعرف المعلومات التي سأطلعكم عليها". ثم مد كيرش يده إلى جيب سترته، وأخرج هاتفاً ذكياً ضخماً كان قد صممه وبناه لخدمة احتياجاته الخاصة الفريدة من نوعها. أسنده أمام الرجال الثلاثة مثل تلفاز. وخلال لحظة واحدة، استخدم الجهاز لدخول خادم فائق الأمان، ثم قدّم لهم عرضاً حياً. قال كيرش: "ما ستشاهدونه جزء من إعلان آمل أن أطلع العالم عليه؛ ربما في غضون شهر من الزمن أو نحو ذلك. لكن، قبل أن أفعل ذلك، أردت التشاور مع عدد من المفكرين الدينيين الأكثر تأثيراً في العالم، لأعرف كيف سيتم تلقِّي هذا النبأ من قبل الأشخاص المعنيين به أكثر من غيرهم". عندها، تنهد الأسقف بصوت عال: "يا لها من ديباجة مثيرة للاهتمام يا سيّد كيرش، إنك تتكلّم كما لو أنّ ما ستطلعنا عليه سيهز أسس ديانات العالم". جال كيرش بنظره على المستودع القديم الذي يتضمن النصوص المقدّسة، وفكّر في سرِّه "لن يهز أسسكم، بل سيحطمها".


بعد اجتماع كيرش مع الأسقف المسيحي وشيخ الدين المسلم والحاخام اليهودي، وعرض نظريته عليهم، انصدم الرجال الثلاثة، ولم يكن لديهم أي رد مقنع عليها، فقرروا البحث العميق في أمهات الكتب الدينية للحصول على الرد المفحم. وأثناء ذلك كانت الاتصالات مستمرة بين رجال الدين الثلاثة. لكن، وبعد أيام من البحث، وأخيراً، بدأ الحاخام كوفيس يتقبل الحقيقة المؤلمة، واعترَف بأن ستكون لعمل كيرش بالفعل انعكاسات مدمرة على نفوس المؤمنين في هذا العالم. "فاكتشاف ذلك العالِم يتعارض بشكل واضح مع كلّ العقائد الدينية الراسخة، وذلك بطريقة بسيطة ومقنعة على نحو مخيف". على الرغم من تأملاته خلال الأيام القليلة الماضية، ما زال يجهل ما يجدر به فعله بالمعلومات التي قدمها كيرش، من جهة أخرى، كان للشيخ السيد فضل رأي لخصه في التالي "علينا أن نسيطر على هذا الوضع. فكيرش لا يُخفي ازدراءه للدين، وسيقدم اكتشافه بطريقة تخلف أكبر ضرر ممكن على الإيمان مستقبلاً. لذا علينا أن نستبق ذلك. يجب أن نعلن عن اكتشافه بأنفسنا، وعلى الفور. علينا تقديمه بالشكل المناسب للتخفيف من أثره وخطورته على المؤمنين في العالم الروحي قدر الإمكان، فجميعنا مهددون: المسلمون واليهود والمسيحيون والهندوس على السواء. وبما أن دياناتنا تتفق جميعها على الحقائق الأساسية التي ينوي السيّد كيرش "تقويضها"، فمن واجبنا تقديم هذه المعلومة بطريقة لا تؤذي مجتمعاتنا". قال الفضل: "إدموند كيرش! ذاك العالِم اللامع الذي لم يخطئ يوماً حيال شيء!، كان العرض الذي قدمه مقنعاً". فصدر أنين عن الأسقف فالديسبينو ثم قال: "ليس أكثر إقناعاً من العروض التي قدمها غاليليو، أو برونو، أو كوبيرنيكوس في أزمنتهم. فقد سقطت الأديان في هذا المأزق من قبل. هذا ليس سوى العلم الذي يقرع بابنا مجدّداً". هتف الفضل: "غير أنّ ما سيحصل الآن سيكون على مستوى أعمق بكثير من اكتشافات الفيزياء وعلم الفلك، فكيرش يتحدى جوهر ما نؤمن به وجذره. يمكنك أن تستشهد بالتاريخ ما شئت، لكن لا تنسَ أنّه على الرغم من جهود الفاتيكان لإسكات رجال من أمثال غاليليو، فإنّ علمه غلب في نهاية المطاف. وهذا ما سيحدث مع علم كيرش، وما من طريقة للحؤول دون ذلك".


غاليليو غاليلي

العلم والدين لغتان لنفس القصة:

في مقطع آخر من الرواية، فاجأ كيرش لانغدون-أستاذه في الجامعة- بسؤال لا يتعلق بالفنّ، بل بالله. تحاور كيرش ولانغدون حول المعتقدات الأساسية لمختلف الديانات العالمية، لا سيّما رواياتها المختلفة لقصة الخلق. أعطاه لانغدون نظرة عامة عن المعتقدات الحالية بدءاً من قصة التكوين في الديانات اليهودية والمسيحية والإسلام، ووصولاً إلى قصة براهما الهندوسية، وحكاية مردوخ البابلية، وغيرها، حينها سأله لانغدون: "لكنني مُستغرب، فما الذي يدفع شخصاً مثلك يهتم بالمستقبل إلى الاهتمام بالماضي؟ هل هذا يعني أن الملحد الشهير قد وجد أخيراً طريقه إلى الله؟". فانفجر كيرش ضاحكاً وقال: "مستحيل"، ابتسم لانغدون وفكّر في سرّه: هذا نموذجي بالنسبة إليك. في الواقع، العلم والدين ليسا متنافسين، بل هما لغتان مختلفتان تحاولان أن ترويا القصة نفسها. وفي هذا العالَم مكان لكليهما.

في الاجتماع الذي من المزمع أن يعلن كيرش عن نظريته، وبينما كان لانغدون يراقب مجموعة عباقرة التكنولوجيا وهم يتنقلون حوله، ذكَّر نفسه "بأن الكثير من هذه العقول التحليلية الشابة معادية جداً للدين على الأرجح؛ تماماً مثل كيرش".

من أين أتينا؟ وإلى أين ذاهبون؟:

في حوار ممتع بين كيرش وأستاذه: "دعني أطرح عليك سؤالاً. ما هما السؤالان الأساسيان اللذان طرحهما الجنس البشري عبر التاريخ؟". فكر لانغدون ثم أجاب: "في الواقع، لطالما طرحنا السؤال: كيف بدأ كل شيء؟ ومن أين أتينا؟". تماماً. لكن السؤال الثاني ليس: من أين أتينا؟ ... بل "إلى أين نحن ذاهبون؟". "بالضبط! فهذان اللغزان يكمنان في قلب التجربة الإنسانية. من أين أتينا؟ إلى أين نحن ذاهبون؟ إنهما اللغزان الكونيان". ازدادت نظرة كيرش حدّة وهو يحدّق إلى أستاذه لانغدون بترقب: "الاكتشاف الذي توصلت إليه. يجيب بكل وضوح عن هذين السؤالين. لكنني في هذه اللحظة، أود التحدث إليك حول الجانب المظلم لكل هذا؛ أقصد التداعيات المحتملة لهذا الاكتشاف، فبالإجابة عن هذين السؤالين، وضعت نفسي في صراع مباشر مع قرون من التعاليم الراسخة. فقَضِيَّتا خلق الإنسان ومصيره شكلتا تقليدياً مجال الدين، وأنا أًعَد هنا دخيلاً. ولهذا السبب إن ديانات العالم أجمع لن يعجبها ما سأعلن عنه. في زماننا هذا سيدمر التطور العلمي كل الأساطير. ورغم أن التطور العلمي لم يؤثر سلباً في الدين لآلاف السنين، وقد أدى الدين غرضاً مهماً في المجتمع، لكن توظيف الحقيقة العلمية سيؤدي إلى القضاء على المعتقدات الأسطورية. وكلما تم اكتشاف حقيقة علمية تتعارض مع مبادئ الدين أو تقوّضها، فعلي مناقشة ذلك مع رجل دين؛ على أمل أن أدرك أن العلم والدين يحاولان غالباً رواية القصة نفسها ولكن بلغتين مختلفتين، فغالباً ما يستعمل العلماء والروحيون مفردات مختلفة لوصف أسرار الكون نفسها. لذلك، غالباً ما تكون الصراعات حول الدلالات وليس حول الجوهر".

حول سبب اختفاء بعض الآلهة:

راح كيرش يُحاضر على الشاشة: "كانت علاقة البشر الأوائل مع الكون علاقة تعجب، لا سيّما فيما يتعلق بتلك الظواهر التي لم يتمكنوا من فهمها عقلانياً. ومن أجل حل تلك الأسرار، أنشأوا عدداً هائلاً من الآلهة لتفسير كل ما يتجاوز قدرتهم على فهم تلك الظواهر؛ كالرعد والمد والزلازل والبراكين والعقم والأوبئة وحتى الحب. فالإغريق الأوائل مثلاً عَزَوا سبب المد والجزر إلى تبدّل مزاج الإله بوسيدون. أما تغيّر المواسم من الصيف إلى الشتاء فكان نتيجة لحزن الكوكب على اختطاف بيرسيفوني سنوياً إلى العالم السفلي. بالنسبة إلى الرومان، كانت البراكين موطن فولكان، حدّاد الآلهة، الذي يعمل في كور هائل تحت الجبل، ويتسبب بتطاير النيران من مدخنته. لقد ابتكر العلماء عدداً لا يُحصى من الآلهة؛ ليس لتفسير أسرار كوكبهم فحسب، بل وأسرار أجسادهم أيضاً. فالعقم ناتج عن غضب الإله جونو. والحب يولد عند استهداف الإله إيروس للبشر. أما الأوبئة فهي عقاب يرسله أبولو. إن قرأتم كتبي، فلا بدّ أنّكم وقعتم على عبارة (إله الثغرات). وهي تعني أنَّه كلّما واجه القدماء ثغرة في فهم العالم الذي يحيط بهم، كانوا يملؤون تلك الثغرات بالآلهة. ملأت أعداد لا تحصى من الآلهة أعداداً لا حصر لها من الثغرات.

ومع ذلك، وعلى مر القرون، توسعت المعرفة العلمية، ومع اختفاء الثغرات في فهمنا للعالم الطبيعي تدريجياً، بدأت مجموعة من الآلهة تتقلص. مثلاً، عندما عرفنا أنّ المد والجزر ناجمان عن دورات القمر، لم تعد لبوسيدون ضرورة، واستبعدناه على اعتبار أنّه أسطورة سخيفة من زمن غير مستنير. وكما تعلمون حلّ المصير نفسه بجميع الآلهة، وراحت تختفي الواحد تلو الآخر بعد أن تجاوزها تطوّر عقولنا. أخذت صور الآلهة تنطفئ واحداً تلو الآخر؛ آلهة الرعد، والزلازل، والأوبئة، وهلم جرا"،،، ومع تضاؤل عدد الصور، أضاف كيرش "لكن لا تنخدعوا بذلك. فهذه الآلهة لم تخلد إلى النوم طواعية، بل خاضت الثقافة عمليّة فوضوية وهي تتخلى عن آلهتها. وذلك لأنّ المعتقدات الروحية تكون محفورة في نفوسنا بعمق منذ سن مبكرة، من قبل أكثر من نحبه ونثق به، وأعني بذلك آباءنا ومعلمينا وزعماء الدين. وبالتالي، إن أي تحولات دينية تحدث على مدى أجيال، وهي لا تخلو من الاضطرابات الكبيرة وإراقة الدماء في أحيان كثيرة.

وأخيراً، بقيت صورة إله واحد؛ زيوس... إله الآلهة. أكثر من يبعث على الخوف والتبجيل من بين الآلهة الوثنية كافة. قاوم زيوس - أكثر من أي إله آخر - انطفاءه، وشنّ معركة عنيفة للحفاظ على بقائه؛ تماماً كما فعلت الآلهة السابقة التي حلّ محلها. قاوم أتباع زيوس فكرة التخلي عن إلههم؛ إلى حدّ أنّ الديانة المسيحية لم تجد خياراً أمامها سوى تبنّي وجه زيوس كوجه لإلهها الجديد، ليتحوّل إلى وجه ملتح مشابه وجه الإله في المسيحية كما صوّره مايكل أنجلو في لوحة خلق آدم على سقف الكنيسة السيستينية. اليوم، لم نعد نُصدّق تلك القصص التي تحكي عن زيوس؛ الصبي الذي قامت بتربيته معزاة، والذي مُنح القوة من مخلوقات ذات عين واحدة تسمّى سيكلوبات. فبالنسبة إلينا، وبفضل الفكر الحديث، صنفت هذه الحكايات كأساطير، أي قصص خيالية غريبة تعطينا لمحة مسلية عن ماضينا الذي كان يصدق الخرافات. لقد اختلفت الأمور الآن، فنحن نعيش في (العصر الحديث)، استكشاف الفضاء، وشرائح كمبيوتر، ومختبر طبي، ومسرع جسيمات، وطائرات حديثة. نحن أشخاص متطوّرون فكرياً، كما نتمتع بمهارات تكنولوجية عالية جداً. ونحن لا نصدّق وجود الحدّاد العملاق الذي يعمل تحت البراكين، أو الآلهة التي تتحكم بالمد والجزر، أو الفصول. نحن لا نشبه أسلافنا في شيء. أم تُرانا نشبههم؟ نحن نعتبر أنفسنا أشخاصاً عقلانيين حديثين، في حين أنّ ديانتنا الأكثر انتشاراً تشتمل على مجموعة كاملة من المزاعم العجيبة".

وبينما كان كيرش يتحدّث ظهرت على السقف صور مسيحية معروفة للقيامة ومريم العذراء، وسفينة نوح، وانشقاق البحر. قال لانغدون: لذا، دعونا نتخيل للحظة ردّ فعل المؤرّخين وعلماء الأنثروبولوجيا في المستقبل. فهل سيستفيدون من تغيّر المنظور وينظرون إلى معتقداتنا ويصنفونها على أنّها أساطير من زمن غير مستنير؟ وهل سينظرون إلى آلهتنا كما ننظر إلى زيوس؟ وهل سيجمعون كتبنا ويكتسونها على رف التاريخ المكسو بالغبار؟. كيف يعقل يكون العقل البشري الحديث قادراً على التحليل المنطقي الدقيق، ومع ذلك، يسمح لنا في الوقت نفسه بقبول معتقدات أسطورية ينبغي أن تنهار تحت أدنى تدقيق عقلاني؟.

الدماغ والكمبيوتر:

كما يتضح، الجواب على السؤال أعلاه بسيط جداً: "الدماغ البشري. لماذا يؤمن بما يؤمن به؟. تماماً مثل جهاز كمبيوتر (عضوي)، يملك الدماغ نظام تشغيل؛ وهو عبارة عن سلسلة من القوانين التي تنظم وتحدّد كل المدخلات الفوضوية التي يستقبلها خلال اليوم كاللغة، والنغمة الجذابة، وصفارة الإنذار، وطعم الشوكولاتة. وكما تتخيلون، إن تيار المعلومات الواردة متنوع جداً ومتواصل، وعلى الدماغ أن يستوعب كل ذلك. في الواقع إن برمجة نظام تشغيل الدماغ نفسها هي التي تحدّد تصوركم للواقع. لكن، لسوء الحظ، انقلبت الحيلة علينا: لأنّ من كتب برنامج الدماغ البشري، كائناً من كان، يتمتع بحس فكاهة ملتو. بتعبير آخر، ليس خطؤنا أن نصدّق الأشياء الجنونية التي نصدقها". تلاشت صور نقاط الاشتباك العصبي التي كانت ظاهرة في الشاشة، وظهرت صور مألوفة من داخل الدماغ خرائط فلكية، مؤسس السيانتولوجيا رون هوبارد، الإله المصري أوزيريس، الإله الهندوسي غانيشا الذي يتميّز بشكل فيل ذي أربع أذرع، وأخيراً تمثال رخامي لمريم العذراء يذرف دموعاً حقيقية. يواصل كيرش محاضرته "بالتالي، وبصفتي مبرمجاً، لا بد لي من طرح هذا السؤال: أي نظام تشغيل غريب من نوعه قد يُنتج مثل هذه المعتقدات غير المنطقية؟ لو كان بإمكاننا أن ننظر إلى داخل العقل البشري ونقرأ نظامه التشغيلي، لوجدنا شيئاً من هذا القبيل". وظهرت أربع كلمات بخط ضخم فوق رؤوس الحضور. "رغم الفوضى. أولد النظام". قال كيرش: "هذا برنامج دماغنا الأساسي. وبالتالي هذا ما يميل إليه البشر تماماً. فهم ينفرون من الفوضى ويحبون النظام". فجأة، ارتجّت الغرفة بمزيج فوضوي من نوتات البيانو غير المتناغمة؛ كما لو أنّ طفلاً يضرب على لوح المفاتيح، أما كيرش فرفع صوته ليعلو على صخب الشخص الذي يضرب عشوائياً على البيانو، وقال: "ينتج صخباً لا يطاق! ومع ذلك، إن أخذنا هذه النوتات نفسها ورتبناها بنظام أفضل، توقف الصخب على الفور، وحلّ محلّه لحن هادئ، فستبتهج أدمغتنا من النوتات نفسها، والآلة نفسها، وهذه البهجة نفسها هي التي حفزت البشر على ترتيب قطع أحاجي عشوائية أو تصويب لوحات على جدار، إذ إن استعدادنا للتنظيم مكتوب في حمضنا النووي، ولذلك لا عجب في أن يكون أعظم اختراع أتى به العقل البشري هو جهاز الكمبيوتر؛ تلك الآلة التي صُمّمت خصيصاً لمساعدتنا على إنتاج النظام انطلاقاً من الفوضى في الواقع، إن المرادف الإسباني لكلمة كمبيوتر هو أوردينادور، وتعني حرفياً "منظم". تخيلوا أنّكم تملكون جهاز كمبيوتر قوياً مع إمكانية الوصول إلى جميع المعلومات في العالم. يمكنكم أن تطرحوا على هذا الكمبيوتر أي سؤال تشاؤون. وتشير الاحتمالات أنكم ستطرحون في نهاية المطاف أحد سؤالين شغلا البشرية منذ أن بدأت تتمتع بوعي ذاتي؛ من أين أتينا؟ إلى أين نحن ذاهبون؟. بتعبير آخر، ستسألون عن أصلنا ومصيرنا. وعندما تطرحون هذين السؤالين، فهذا ما سيجيبكم به الكمبيوتر (عدم كفاية البيانات لإعطاء إجابة دقيقة). قال كيرش: الجواب ليس شافياً، ولكنه صادق على الأقل. ولكن، إن سألتم هذا الكمبيوتر البيولوجي الصغير عن المكان الذي أتينا منه، فسيحدث شيء آخر". تظهر صور على الشاشة: تدفق من الدماغ سيل من الصور التي توضح معتقدات قديمة. قال كيرش، "والآن ستسألون: إلى أين نحن ذاهبون؟". تظهر على الشاشة المزيد من الصور من الدماغ: جنان لم يطأها البشر، جحيم ملتهبة، صفحات هيروغليفية من كتاب الموتى المصري، منحوتات صخرية من التوقعات الفلكية، رسومات إغريقية لحقول الإيليزيه، رسوم بيانية للتقمص من البوذية والهندوسية، والدوائر الثيوصوفية. شرح كيرش: "بالنسبة إلى الدماغ البشري، أي جواب يعد أفضل من عدم الإجابة على الإطلاق. فنحن نشعر بعدم ارتياح كبير عندما نواجه بيانات غير كافية، ولذلك تقوم أدمغتنا باختراع البيانات عبر إنتاج عدد لا يحصى من الفلسفات والأساطير والمعتقدات لطمأنتنا بوجود نظام وهيكل معين للعالم غير المرئي".

ومع استمرار سيل الصور الدينية، تحدّث كيرش بحدة متزايدة "من أين أتينا؟ إلى أين نحن ذاهبون؟ لطالما شغلني هذان السؤالان الأساسيان المتعلقان بالوجود الإنساني، وحلمت لسنوات بالإجابة عنهما". ثم صمت، وأصبحت نبرته كئيبة: "مع الأسف، وبسبب العقائد الدينية، يعتقد ملايين الناس أنّهم يعرفون أساساً الإجابة عن هذين السؤالين الكبيرين. وبما أنّ مختلف الأديان لا تقدم إجابات متشابهة، فقد انتهى المطاف بنشوب صراعات بين ثقافات بأكملها حول من يملك الجواب الصحيح، وأي نسخة، وكل ثقافة تؤكد بأنها هي وحدها تمتلك القصة الحقيقية". امتلأت الشاشة بصور لإطلاق نار وقذائف هاون متفجرة ضمن مونتاج عنيف لصور عن حروب دينية، تبعتها صور لاجئين منكوبين، وأسر نازحة، وجثث لمدنيين. "منذ بداية التاريخ الديني، وجنسنا البشري عالق في حرب لا تنتهي بين ملحدين ومسيحيين ومسلمين ويهود وهندوس ومؤمنين من الأديان كافة، ولا يوحدنا جميعاً سوى توقنا العميق إلى السلام. تخيلوا وحسب ما يمكن أن يحدث إن توصلنا بأعجوبة إلى إجابات عن أسئلة الحياة الكبيرة... إن رأينا فجأة دليلاً واحداً لا لبس فيه، وأدركنا أنه ليس أمامنا خيار سوى فتح أذرعنا والقبول به معاً، كجنس واحد. لطالما كان البحث الروحي مجال الدين الذي يشجّعنا على الإيمان بتعاليمه إلى حد كبير". ظهرت الآن على الشاشة مجموعة من الصور لمؤمنين مخلصين وقد أغمضوا أعينهم وهم ينشدون ويركعون ويصلون. يواصل كيرش "لكن الإيمان بتعاريفه يتطلب أن تضعوا ثقتكم في اللامحسوس وغير المحدد، وتتقبلوه كواقع لا يمكن إثباته بأدلة تجريبية. وهكذا، ينتهي بنا المطاف طبعاً بالإيمان بأشياء مختلفة، لأنّه ما من حقيقة عالمية. مع ذلك، العلم نقيض الإيمان. فالعلم بتعريفه محاولة لإيجاد دليل مادي لكلّ ما هو مجهول أو غير محدّد، ورفض كل ما لا يقترن بدليل لصالح حقائق يمكن رؤيتها. وعندما يقدّم العلم الجواب، يصبح هذا الجواب عالمياً. ولا يخوض الناس حروباً من أجله، بل يجتمعون حوله.



أبو حامد الغزالي


الغزالي والكنيسة ضد العلم والعلماء:

في القرن الثامن، برزت مدينة بغداد كأكبر مركز للتعلم على الأرض، واستقبلت جميع الديانات والفلسفات والعلوم في مدارسها ومكتباتها. وعلى مدى خمسمائة عام، تدفقت الابتكارات العلمية من المدينة على نحو لم يشهد له العالم مثيلاً، وما زال تأثيرها ملموساً حتّى اليوم في ثقافتنا المعاصرة. بحلول نهاية القرن الحادي عشر ، كان أعظم اكتشاف فكري على وجه الأرض يجري داخل بغداد وحولها. فجأة، بين ليلة وضحاها تقريباً، تغير ذلك. فقد ظهر عالم لامع يدعى أبو حامد الغزالي، وهو يُعد اليوم واحداً من أكثر المسلمين تأثيراً في التاريخ، وقد كتب سلسلة من النصوص المقنعة التي تشكك في منطق أفلاطون وأرسطو، وتعلن أن الرياضيات فلسفة الشيطان. فأطلق بذلك مجموعة من الأحداث التي قوضت التفكير العلمي. وأصبحت دراسة الفقه إلزامية، وفي نهاية المطاف، انهارت الحركة العلمية المعاصرة له بأكملها. تبخّرت الكلمات العلمية فوق رؤوسهم، وحلّت مكانها صور لنصوص دينية إسلامية. حل الحذر محلّ التحقيق. وحتى هذا اليوم ما زال العالم الإسلامي يحاول أن يتعافى. وبالطبع، لم يكن وضع العالم العلمي المسيحي أفضل. فالقتل الممنهج، والسجن والشجب الذي مارسته الكنيسة ضدّ بعض ألمع العقول العلمية في التاريخ، أخَّر التقدّم البشري لقرن من الزمن على الأقل. واليوم، لحسن الحظ، مع تحسن فهمنا لفوائد العلم، خففت الكنيسة هجماتها إلى حد ما. هذه الصراعات التي طغت فيها الخرافات الدينية على العقل ليست سوى مناوشات في حرب مستمرة". ازدحمت الشاشة فجأة بمجموعة من الصور العنيفة لمدن حديثة؛ احتجاجات خارج مختبرات أبحاث جينية، كاهن يُضرم النار في نفسه خارج مؤتمر عابر للبشرية، إنجيليون يهزون قبضاتهم ويحملون كتاب سفر التكوين، سمكة يسوع تأكل سمكة داروين، لوحات إعلانية دينية غاضبة تُدين أبحاث الخلايا الجذعية، وحقوق المثليين، والإجهاض، هذا بالإضافة إلى لوحات إعلانية غاضبة ترد على ذلك. يواصل كيرش محاضرته "منذ أن اكتشف الإنسان النار في البداية، أخذ نهر المعرفة يزداد قوة. وأصبح كل اكتشاف أداة للمزيد من الاكتشافات، وكلّ منها أضاف قطرة إلى هذا النهر. واليوم، نحن نركب قمة تسونامي؛ طوفان يندفع قدماً بقوة لا يمكن صدها !، وأساليب بحثنا تتطوّر أضعافاً مضاعفة على مرّ آلاف السنين. فكروا بهذا، استغرق البشر ما يزيد عن مليون سنة للتقدم من اكتشاف النار إلى اختراع العجلة. ثمّ احتاجوا إلى بضعة آلاف من السنين لاختراع المطبعة. ولم يمض سوى مائتي عام بعد ذلك حتى بنوا التلسكوب. وفي القرون التي تلت ذلك، وعلى فترات زمنية أقصر من ذي قبل، انتقلنا من المحرك البخاري إلى السيارات التي تعمل على الغاز، ومن ثم إلى المكوك الفضائي! ولم يلزمنا بعد ذلك سوى عقدين من الزمن لنبدأ بتعديل حمضنا النووي! نحن نقيس الآن تقدّمنا العلمي بالأشهر، ونتقدم بسرعة مذهلة. ولن يمضي وقت طويل قبل أن يبدو أسرع جهاز كمبيوتر خارق في يومنا هذا قديم العهد، وتصبح الوسائل الجراحية الأكثر تقدماً متخلفة، وتبدو مصادر الطاقة التي نستخدمها في عصرنا غريبة علينا؛ تماماً مثل استخدام شمعة لإضاءة غرفة!. كان على الإغريق أن ينظروا إلى الوراء قروناً من الزمن لدراسة الثقافات القديمة، في حين أنّه ما علينا سوى أن ننظر إلى الوراء لجيل واحد لنجد أولئك الذين عاشوا من دون التكنولوجيات التي نعتبرها اليوم من المُسلّمات. لقد تقلص الإطار الزمني للتطوّر البشري، والمسافة الفاصلة بين القديم والحديث تنكمش لتختفي تدريجياً. لهذا السبب، أؤكد لكم أن السنوات القليلة المقبلة للتطوّر البشري ستكون صادمة وخطيرة، ولا يمكن تصوّرها إطلاقاً"!.


إدموند كيرش

ثلاثة مفاهيم لكيفية الخلق ديني وتطوري و"الممر اللانهائي":

لقد كان كيرش مهتماً بمختلف الطرائق التي أجابت بها الديانات الكبرى عن هذا السؤال، من أين أتينا؟". فثمة مدرستان فكريتان فقط حول أصلنا؛ المفهوم الديني وهو أنّ الله خلق البشر خلقاً كاملاً، والمفهوم التطوري. ولكن من الممكن أن إدموند كيرش قد اكتشف احتمالاً ثالثاً؟، ماذا لو أثبت أن الجنس البشري لم يأتِ من آدم وحواء ولا من التطوّر؟ إن اكتشافاً كهذا من شأنه أن يهز أركان العالم. صحيح أن نظرية داروين مترسخة إلى حد كبير؛ لأنها تشتمل على حقيقة يمكن إدراكها علمياً، وتوضح كيف تتطور الكائنات وتتكيف مع محيطها على مر الزمن. ونظرية التطوّر مقبولة على صعيد العالم من قبل أذكى العقول في المجال العلمي. ولكن هناك كتب تؤكد أن داروين مخطئ تماماً. وقد تم نشر ما يزيد عن خمسين عنواناً خلال العقدين الفائتين فقط. ولكن لدى العلماء الحقيقيين أن التطور يحدث، وتجريبياً، يمكن ملاحظة هذه العملية. ولذلك، بدلاً من أن نسأل: من أين أتينا؟ وإلى أين ذاهبون؟ ينبغي أن نسأل: لماذا يحدث التطور؟ وكيف بدأ كل شيء؟.

عالم الأحياء والأحافير والتطوري الشهير، ستيفن غولد، لديه نظرية جديرة بالاهتمام، فقد أوضح فكرته بواسطة تجربة تسمى "الممر اللانهائي". إنّه مثال توضيحي مفيد يجري على النحو التالي: تخيل نفسك تسير في ممر طويل، رواق طويل جداً حيث يستحيل أن ترى من أين أتيت أو إلى أين أنت ذاهب. بعد ذلك، تسمع خلفك في البعيد صوت ارتطام كرة. وبالفعل، عندما تلتفت، ترى كرة تقفز متجهة نحوك . تستمر بالقفز والاقتراب منك إلى أن تتجاوزك أخيراً، وتتابع طريقها حتى تختفي في البعيد. والسؤال ليس هل الكرة تقفز؟ لأنه من الواضح أنّها تقفز. يمكننا ملاحظة ذلك. السؤال الحقيقي: لماذا تقفز؟ كيف بدأت تقفز؟ هل ركلها أحدهم؟ أهي كرة خاصة تستمتع بالقفز؟ هل قوانين الفيزياء في هذا الممر هي التي لم تترك للكرة خياراً سوى القفز إلى الأبد؟". برأي غولد ، هذا هو حال التطوّر. لا يمكننا أن نرى ما حدث في الماضي لنعرف كيف بدأت العملية. لا يمكننا سوى أن نلاحظ أن هذا يحدث. كان هذا مشابها بالطبع لتحدّي فهم نظرية الانفجار الكبير. فقد ابتكر علماء الكون صيغاً أنيقة لوصف الكون المتوسع في أي وقت معين؛ في الماضي أو الحاضر. لكن، كلّما حاولوا العودة إلى الوراء، إلى لحظة حدوث الانفجار الكبير، أي عندما يساوي الوقت صفر، تصاب الرياضيات بالجنون، وتصف ما يبدو أنه نقطة باطنية غامضة من الحرارة اللانهائية والكثافة اللانهائية. وبما أن العقل البشري ليس مجهزاً ليتعامل جيداً مع اللانهائية، فإنّ معظم العلماء يناقشون اليوم الكون فيما يتعلق باللحظات التي يكون فيها الوقت أكبر من صفر، لضمان ألا تصبح الرياضيات باطنية. في هذا السياق، قام أحد العلماء في هارفرد، وهو أستاذ فيزياء كبير، بتعليق لافتة على باب صفه أخيراً بعدما سئم من طلاب الفلسفة الذين يحضرون حلقته الدراسية حول أصول الكون. (في صفي، الوقت > صفر-أي الوقت أكبر من صفر-. بالنسبة لجميع الاستفسارات حول الوقت = صفر، يرجى التوجه إلى قسم الأديان).

بعدما شرح كيرش هذه الإشكالات، علق قائلاً "يخشى الكثيرون منا أن نسمّي أنفسنا ملحدين، لكنّ الإلحاد ليس فلسفة، ولا وجهة نظر للعالم. الإلحاد مجرد قبول لأمر بديهي. فالإلحاد ليس أكثر من أصوات يطلقها الناس عند وجود معتقدات دينية لا يجدون تبريراً لها. من منكم يعتقد بأي من الآلهة القديمة التالية: أبولو ؟ زيوس ؟ فولكان؟. لا أحد منكم؟ حسناً، هذا يعني أننا جميعنا تقريباً ملحدون فيما يتعلق بتلك الآلهة. في ولاية كنتاكي، أعلن القس بيتر لاروفا علناً: (إن وجدت في الإنجيل مقطعاً يقول إن اثنين زائد اثنين يساوي خمسة، فإنّني سأصدق ذلك وأعتبره حقيقة). أؤكد لكم أنّ هذه المعتقدات مروّعة أكثر من كونها مضحكة. فالكثير من الناس الذين يعتنقونها أشخاص محترفون، ومتعلمون وأذكياء؛ من أطباء ومحامين ومدرّسين، وفي بعض الحالات هم أشخاص يطمحون إلى أعلى المناصب على وجه الأرض. فقد سمعت مرة عضو الكونغرس الأمريكي بول برون يقول: (التطور والانفجار الكبير كذبتان آتيتان مباشرة من قعر الجحيم. فأنا أعتقد أن عمر الأرض يقارب تسعة آلاف سنة، وأنّها خُلقت في ستة أيام كما نعلم). والأكثر إثارة للقلق هو أنّ عضو الكونغرس برون يترأس لجنة العلوم والفضاء والتكنولوجيا في مجلس النواب، وعندما سُئل عن رأيه بوجود سجل أحافير يمتد على ملايين السنين أتى جوابه كالتالي: (لقد وضع الله الأحافير لاختبار إيماننا). إن سمحنا بوجود الجهل، فإننا نمنحه القوة، والجلوس مكتوفي الأيدي في الوقت الذي يُعلن فيه زعماؤنا السخافات، وكذلك الأمر بالنسبة إلى ترك كنائسنا ومدارسنا تعلم أكاذيب صريحة لأطفالنا. لقد حان الوقت للعمل. فما لم نطهر جنسنا من التفكير القائم على الخرافات، لن نتمكن من استغلال كل الإمكانيات التي تقدمها عقولنا. أنا أحب البشرية، وأعتقد أن عقولنا ونوعنا تتمتع بإمكانات لا حدود لها. وأعتقد أننا على شفير عهد مستنير جديد، يسود فيه العلم". انفجرت القاعة بالتصفيق العميق الطويل.


ستيفن جاي غولد ‏ باحث وعالم الأحياء التطوري


نظرية ميلر -أوري: من أين أتينا؟:

كان الكيميائيان ستانلي ميلر وهارولد أوري قد أجريا تجربة علمية أسطورية في خمسينيات القرن الماضي، في محاولة للإجابة عن هذا السؤال تحديداً. وقد فشلت تجربتهما الجريئة، لكنّ جهودهما لاقت تأييداً في جميع أنحاء العالم، وعُرفت منذ ذلك الحين بتجربة ميلر - أوري. فقد حاول هذان العالمان تقليد الظروف التي كانت موجودة في فجر تكوّن الأرض التي كانت كوكباً ساخناً مغطى بمحيط مغلي من الكيميائيات وخالٍ تماماً من الحياة. (الحساء البدائي). بعد وضع الكيميائيات التي كانت موجودة في المحيطات الأولى وفي الغلاف الجوي؛ أي الماء والميثان والأمونيا والهيدروجين، قام ميلر وأوري بتسخين المزيج لمحاكاة البحار المغليّة. بعد ذلك، قاما بصدمه بشحنات كهربائية لمحاكاة البرق. وأخيراً، تركا المزيج يبرد؛ تماماً كما بردت محيطات كوكبنا. درس میلر وأوري المزيج الغني بالكيميائيات، لكن لم تتكون الكائنات البدائية الدقيقة فيه. عوضاً عن ذلك، لم تتبقَ لديهما سوى مجموعة من القوارير الزجاجية الخاملة المحفوظة الآن في خزانة مظلمة في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو. وهكذا، باءت محاولاتهما بالفشل. حتى هذا اليوم ما زال الخلقويون يعتبرون تجربة ميلر وأوري الفاشلة دليلاً علمياً على أن الحياة لا يمكن أن تظهر على الأرض من دون إرادة الله. صحيح بائت تجربة ميلر- أوري بالفشل. فقد أنتجت بضعة أحماض أمينية، ولكنّها لم تأتِ بشيء يشبه الحياة ولو من بعيد. حاول الكيميائيون تكراراً استخدام تركيبات مختلفة من المكونات، وأنماط حرارة مختلفة، لكن بلا جدوى. وبدا لهم أنّ الحياة -كما أعتقد المؤمنون طويلاً- تحتاج إلى تدخل إلهي. وفي نهاية المطاف تخلى ميلر وأوري عن تجاربهما، وتنفّس المجتمع الديني الصعداء. الصعداء؟!، ولكن هذا الفشل استمر حتى عام 2007... عندما حدث تطوّر غير متوقع. فلقد أعاد تلامذة ميلر وأوري تحليل العينات الموجودة في القوارير والموضوعة في مختبرات الجامعة منذ خمسينيات القرن الماضي، وذلك باستخدام تقنيات معاصرة أكثر دقة، بما في ذلك الكروماتوغرافيا؛ وهي عملية فصل المواد من مركب معين، وقياس الطيف الكتلي، وكانت النتائج مذهلة. على ما يبدو، أنتجت تجربة ميلر - أوري- الأصلية العديد من الأحماض الأمينية والمركبات المعقدة التي فاقت ما استطاع ميلر قياسه في ذلك الوقت. حتى إنّ التحليل الجديد للقوارير وجد عدة قواعد نووية هامة، وهي أحجار بناء الحمض النووي الريبي RNA وربما لاحقاً... الحمض النووي DNA. كانت قصة علمية مذهلة أجازت طرح الفكرة مجدّداً. ويبدو أن تجربة ميلر - أوري- قد نجحت بالفعل، ولكنّها احتاجت إلى المزيد من الوقت لتتبلور.

بعد أن شرح كيرش هذه النظرية، أنهى هذا الموضوع قائلاً: "دعونا نتذكر نقطة أساسيّة: لقد تطورت الحياة على مدى مليارات السنين، في حين أنّ أنابيب الاختبار هذه كانت نائمة في خزانة لخمسين عاماً وحسب. ولو قدر لجدول هذه التجربة أن يقاس بالأميال، فإنّ منظورنا لن يقتصر سوى على أوّل بوصة وحسب. غني عن القول إن اهتماماً مفاجئاً ظهر مجدّداً بفكرة توليد بكتيريا في مختبر. وحدثت بالطبع ردود فعل قوية من الزعماء الدينيين (الحديثين). ولكن حتى لو نجحت تجربة توليد بكتيريا في المختبر، فإنّ ذلك لن يحدث قبل ملياري سنة أخرى على الأرجح. المشكلة عندما تتحوّل فيها الكيميائيات الجامدة إلى كائنات حية، فإنّ عِلمنا يصطدم بالحائط، فما من آلية في الكيمياء تشرح كيفية حدوث ذلك".

إن أعظم الاختراقات العلمية تلك التي أعطت "نماذج جديدة للكون". إن مارينوستروم متخصص في النمذجة الحاسوبية، أي محاكاة أنظمة معقدة ومراقبتها وهي تعمل، تجربة ميلر وأوري خير مثال على النمذجة المبكرة... وهي تحاكي التفاعلات الكيميائية المعقدة التي كانت في بدايات الأرض.


ستانلي ميلر وهارولد أوري


رحلة خلق الكون والكائنات:

بدأت الآن رحلتنا للجواب على السؤال: من أين أتينا؟ هذه الرحلة تبدأ قبل أربع مليارات سنة قبل المسيح. دعونا نعود إلى البداية. ومض برق أضاء محيطاً يغلي بسبب الجزر البركانية التي كانت تصب حممها ورمادها في جو عاصف. كيف بدأت الحياة؟ مع الأسف، لا يمكننا العودة في الزمن إلى الوراء لنشهد تلك اللحظة ونحن لا نعرف سوى ما حدث بعدها؛ عندما ظهرت الحياة للمرة الأولى. حدث التطور، واعتدنا على رؤيته مصوراً في الجدول الزمني المعروف على هذا النحو؛ "أجل هذه نظرية علمية مبنية على سجل الأحافير. لكن، ماذا لو استطعنا مشاهدتها بشكل معكوس؟". بعد هذا التعليق الاسترجاعي المعكوس، ظهرت صور على الشاشة الكبيرة للإنسان المعاصر وفجأة، بدأت صورة الإنسان الحالي تتغير وتتحوّل إلى إنسان بدائي، ثم تسارعت الصور بشكل هائل، وظهرت لمحات لأنواع أقدم فأقدم، كالليمور ، والكسلان، والجرابيات، وخلد الماء، والسمكة الرئوية، والتي راحت تغوص تحت الماء وتتحول إلى ثعابين، وأسماك، ومخلوقات هلامية وعوالق وأميبا، إلى أن لم تتبقَ سوى باكتيريا مجهرية، خلية أحادية تنبض في محيط كبير. هذه أقدم نقاط الحياة. يعلق كيرش بعد هذه اللقطة من الفيلم قائلاً "هنا ينتهي العرض المعكوس لرحلتنا. فنحن لا نملك أي فكرة عن كيفية تكوّن الأشكال الأولى للحياة انطلاقاً من بحر كيميائي لا حياة فيه. ببساطة، لا يمكننا أن نرى الإطار الأول لهذه القصة. أي ليس لدينا الزمن = صفر. ولكن لدينا تخيُّل عبر شريط سينمائي معكوس عن توسع الكون، وفيه انكمش الكون إلى نقطة ضوء واحدة، وقد توصل علماء الكون إلى طريق مسدود مشابه لخلق الإنسان. لم تستطع النظريات العلمية شرح ما حدث في البداية. بتعبير آخر، وصفت كيفية بقاء الأصلح، ولكنّها لم تكشف كيفية وصول الأصلح. مهما بدا لكم الجواب مدهشاً، إلا أنه ليس سوى نصف القصة".

قانون الإنتروبيا أو العشوائية:

في الواقع، إن مفهوم تنظيم الخلايا لنفسها لتتحوّل إلى أشكال حياة يتعارض على ما يبدو بشكل مباشر مع قانون "الإنتروبيا"، أو العشوائية. الإنتروبيا ليست سوى طريقة منمّقة للقول: الأمور تنهار. ففي لغة العلم، فمثلاً عندما يتم تسخين القهوة، فتركيز الطاقة الحرارية يكون في الكوب، وإن تركتم ذلك الكوب على الطاولة لساعة من الزمن تتبدّد الحرارة في الغرفة وتنتشر بشكل متساو. هذه هي الإنتروبيا. وهذه العملية لا يمكن عكسها. فمهما انتظرتم لن يعيد الكون تسخين قهوتكم بشكل سحري. كما أنّه لن يعيد بيضة مخفوقة إلى ما كانت عليه، أو يعيد بناء قصر رملي هدمته الأمواج. صحيح، نحن نعيش في كون إنتروبي، عالم تغلب فيه العشوائية على قوانين الفيزياء وليس النظام. لذلك، السؤال المطروح هو التالي: كيف يمكن للكيميائيات الجامدة أن تنظم نفسها بشكل سحري في أشكال حياة معقدة؟. علق كيرش على هذا السؤال قائلاً "لم أجد يوماً جواباً علمياً عن هذا السؤال. لأن العلم لا يملك ببساطة تفسيراً لبدايات الحياة. ولكن الحياة ليست المثال الوحيد عن الكون الذي يُوُلِّد النظام. فالجزيئات غير الحية تنظم نفسها دائماً في هياكل معقدة: دوّامة إعصار، حبّة ثلج، مجرى نهر، قطعة كريستال في كوارتز، وحلقة زحل. كما ترون، في بعض الأحيان، ينظم الكون المادة بالفعل؛ الأمر الذي يبدو معاكساً تماماً "للإنتروبيا". إذاً، ما السبب؟ ما الذي يفضله الكون؟ أهو النظام أم الفوضى؟. الجواب هو الفوضى. فالإنتروبيا هي الأساس بالفعل، والكون يتفكّك باستمرار باتجاه الفوضى، وهذه رسالة محبطة. ولكن، ورغم هذا الإحباط، فقد ظهرت نظرية فيزيائية جديدة تتمثل فكرتها في أن الكون يعمل بتوجيه فردي، هدف واحد، من أجل نشر الطاقة. بمعنى أبسط، عندما يجد الكون مجالات من الطاقة المركزة، يقوم بنشر تلك الطاقة. والمثال الكلاسيكي، كما ذكرنا أعلاه، هو كوب القهوة الساخنة الموضوع على الطاولة. فهو يبرد دائماً، ويوزع حرارته إلى الجزيئات الأخرى في الغرفة، وذلك وفقاً للقانون الثاني للديناميكا الحرارية. وحيث أن أساطير الخلق حول العالم، جميعها تحتوي على صور للطاقة والضوء المنتشرين إلى ما لا نهاية لإضاءة الظلام. ونحن نعلم أنّ الكون يعزّز الإنتروبيا وعدم النظام، لذلك قد نفاجأ لدى رؤية الكثير من الأمثلة عن ذرّات تنظم أنفسها، كدوّامة إعصار، نهر صاخب، حبة ثلج. كل هذه أمثلة عن بنى تبديدية، أي مجموعة من الذرّات التي رتبت نفسها في بنى تساعد النظام على توزيع طاقته بطريقة أكثر كفاءة. لذلك نلاحظ كيف كانت الأعاصير تتحرك بطريقة طبيعية لتبديد منطقة من الضغط العالي عبر تحويلها إلى قوة دورانية تستنفد نفسها في نهاية المطاف. والأمر نفسه ينطبق على الأنهار الصاخبة التي تعترض طاقة التيارات السريعة وتبدّدها، وحبات الثلج التي توزع طاقة الشمس عبر تكوين هياكل متعدّدة الأوجه تعكس الضوء بشكل فوضوي في الاتجاهات كافة. ببساطة المادة تنظم نفسها في محاولة لتوزيع الطاقة على نحو أفضل. الطبيعة، في محاولة لتعزيز عدم النظام، تولّد جيوب نظام صغيرة. وهذه الجيوب هي هياكل تصعد الفوضى في النظام، وبالتالي تزيد من الإنتروبيا. والأمثلة على ذلك موجودة في كل مكان: سحابة الرعد. فعندما تنظم السحابة نفسها بواسطة طاقة كهربائية ثابتة، يولّد الكون حزاماً من البرق. بتعبير آخر، أنتجت قوانين الفيزياء آليات لتوزيع الطاقة. فحزام البرق يبدّد طاقة السحابة في الأرض وينشرها، وبذلك يزيد من الإنتروبيا الإجمالية للنظام. إن توليد الفوضى على نحو فاعل يحتاج إلى بعض النظام- هل من الممكن اعتبار القنابل الذرية أدوات إنتروبية، أي جيوب صغيرة من المادة المنظمة بعناية والتي تستخدم لتوليد الفوضى-. إن الرمز الرياضي لللإنتروبيا، يشبه الانفجار، أو الانفجار الكبير، لأنه يشير إلى انتشار الطاقة في الاتجاهات كافة.

إذاً، إلى أين يقودنا كلّ هذا؟ وما علاقة الإنتروبيا بالأصل؟. كما يتّضح الحياة أداة في غاية الفاعلية على نحو استثنائي لتبديد الطاقة. كالشمس التي تشع الطاقة، وصولاً إلى شجرة تمتصّ الطاقة الشديدة المستمدة من الشمس وتستخدمها لكي تنمو، ثم تُصدر الأشعة ما تحت الحمراء، وهي شكل من أشكال الطاقة أقل تركيزاً بكثير. والتمثيل الضوئي هو آلة إنتروبيا شديدة الفاعلية. إذ تقوم الشجرة بتذويب الطاقة المركزة للشمس وإضعافها، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الإنتروبيا الإجمالية في الكون. وينطبق الشيء نفسه على الكائنات الحية كافة، بمن في ذلك البشر الذين يستهلكون المادة كطعام، ثمّ يحوّلونها إلى طاقة، وينشرون الطاقة في الكون على شكل حرارة. وبصفة عامة، أعتقد أنّ الحياة لا تخضع لقوانين الفيزياء وحسب، بل بدأت بفعل تلك القوانين. إن ضربَت أشعة الشمس الحارقة بقعة من الأوساخ الخصبة، فإنّ قوانين فيزياء الأرض ستولد نبتة للمساعدة على تبديد تلك الطاقة. وإن أنتجت فتحات الكبريت في أعماق المحيطات مناطق من الماء المغلي، فإنّ كائنات ستولد في تلك الأماكن وتنشر الطاقة. إذن فإن نظام الكون بأكمله قائم على انتشار الطاقة". والآن، أخذ كيرش يفترض بأن إذا تمكن العلم والتقنية إنتاج وخلق كمبيوتر ذي ذكاء اصطناعي دقيق جداً، وأن يكون مبدعاً قدر الإمكان في سعيه لزيادة الإنتروبيا في الحساء البدائي، وأن نعطيه أوامر لبناء جميع الأدوات التي قد يحتاج إليها لتحقيق ذلك. فماذا يحدث؟.

الذكاء الاصطناعي يعيد صورة بداية الخلق:

عند هذه اللحظة قام العالم الكيميائي ، وخالق الذكاء الاصطناعي، بعرض صور عن مزيج كيميائي يغلي، وتم تكبيرها وصولاً إلى المجال دون الذري، حيث أمكن رؤية الكيميائيات وهي تقفز وتعيد الترابط مع بعضها بعضاً. ثم قام بتسريع العملية إلى الأمام ومحاكاة مرور مئات السنوات، فرأى الأحماض الأمينية لتجربة ميلر - أوري تتخذ شكلاً، فظهرت سلسلة بروتين أساسيّة. ومع تواصل العمليّة، أخذت الجزيئات متزايدة التعقيد تتّخذ شكلاً، وترتبط بسلسلة من السداسيات الشبيهة بأقراص العسل. ومع تقدمنا في الزمن إلى الأمام بسرعة أكبر، سنرى أولى لمحات هذا "الهيكل". سلاسل النوكليوتيد تلتف حول نفسها في دوامة. لقد مرت ملايين السنوات، والنظام يحاول بناء هيكل النظام، يحاول بناء هيكل لتبديد طاقته؛ تماماً كما توقعت تلك النظرية الفيزيائية، ومع تقدم النموذج، تحولت دوّامة صغيرة إلى دوامة توأم، وتوسع بنيتها إلى الشكل الحلزوني المزدوج لأشهر مركب كيميائي على وجه الأرض. إنه "حمض نووي". الرمز الحيّ لعلم الأحياء وتسألون: لماذا يقوم نظام ببناء حمض نووي في محاولة لتبديد الطاقة؟ هذا لأنّ كثرة الأيدي تجعل الضوء يعمل بشكل أفضل! فكثرة الأشجار تنشر مقداراً من أشعة الشمس يفوق ما تنشره شجرة واحدة. ولو كنتم أداة إنتروبيا، لكانت أسهل طريقة لإتمام مزيد من العمل هي تكاثركم. ولمَ لا؟ فالتطوّر هو الطريقة التي يستخدمها الكون لاختبار أدواته وصقلها بشكل مستمر. والأدوات الأكثر كفاءة تبقى وتتكاثر، وتتحسن باستمرار، لتصبح أكثر تعقيداً وفاعلية على نحو متزايد. ما سبق هو شرح تفصيلي، وجواب على السؤال الأول؛ من أين أتينا؟.

ولكن من نتائج الشرح أعلاه حول الجواب على السؤال: من أين أتينا؟، سنكتشف شيئاً أكثر خطورة على الأديان، وهو الجواب على السؤال الثاني: إلى أين نحن ذاهبون؟. من خلال علم الوراثة، وتطور دماغ الإنسان البدائي إلى وقتنا الراهن. وباستخدام النمذجة الحاسوبية، نصل لتقييم دقة توقعات الجواب على هذا السؤال الثاني. بما أن تطوّر الأنواع يرتبط دائماً ببيئة ذلك الكائن، لذلك من السهل أن نطلب من هذا الكمبيوتر الذكي صنع نموذج ثانٍ، أي محاكاة بيئية لعالمنا اليوم، وهذا أمر سهل لأنّ كلّ أخبارنا عن الثقافة، والسياسة والعلوم والطقس والتكنولوجيا تُبَثّ على شبكة الإنترنت. وأن يتولى هذا الكمبيوتر اهتماماً خاصاً لتلك العوامل التي ستؤثر بشكل خاص على مستقبل تطوّر الدماغ البشري، أي العقاقير الجديدة، والتقنيات الصحية المعاصرة، والتلوث، والعوامل الثقافية، وما إلى ذلك.

الشيء الأكثر خطورة على الأديان:

من الذي سينافس الإنسان على الأرض؟ الجواب على هذا السؤال هو الخطر الأكبر للأديان!. وهنا يبدأ كيرش في محاضرته:

("ربما" يبدأ فجر الإنسان كما نعرفه عام 200,000 قبل الميلاد، ولكننا لم نكن أقوياء بما فيه الكفاية لنظهر في الرسم البياني لتطور الإنسان إلا منذ حوالي خمسة وستين ألف عام، عندما اكتشفنا القوس والسهم، وأصبحنا مفترسين أكثر كفاءة). ظهرت على الشاشة علامة 65,000 قبل الميلاد، فقاعة زرقاء صغيرة تظهر، مشيرة إلى الإنسان، توسعت الفقاعة ببطء شديد على نحو غير ملموس تقريباً، حتّى 1,000 عام قبل الميلاد تقريباً، عندما أصبحت بسرعة أكثر سماكة، ثمّ بدأت تتوسع أضعافاً مضاعفة. الفقاعة كبرت لتحتلّ تقريباً عرض الشاشة بأكمله. البشر في يومنا الحاضر، لقد أصبحوا النوع الأكثر هيمنة وقوة على هذه الأرض. لا عجب أنه في عام 2000، وهو الوقت الذي ينتهي عنده هذا الرسم البياني، تم تصوير البشر على أنّهم النوع السائد على هذا الكوكب. فما من نوع آخر يضاهينا قوة. عند هذا المفصل، يصمت كيرش قليلاً وبهدوء يؤشر إلى بقعة جديدة سوداء على الشاشة بدأت صغيرة جداً أمام البقعة الزرقاء الكبيرة لحجم البشر في وقتنا الراهن. ويقول "لكن، يمكنكم أن تروا آثاراً لفقاعات جديدة تظهر". تم تكبير الصورة لتظهر شكلاً أسود دقيقاً بدأ يتشكل فوق فقاعة البشرية الزرقاء الكبيرة. لقد دخلت أنواع جديدة أساساً في الصورة. الفقاعة السوداء، ولكنّها بدت ضئيلة مقارنة بالفقاعة الزرقاء، أي الإنسان. يواصل كيرش في وصف هذه البقعة السوداء الصغيرة "وكأنّها علقة على ظهر حوت أزرق. أدرك أنّ هذا الوافد الجديد يبدو تافهاً، لكن إن تقدمنا في الزمن من عام 2000 وحتى يومنا الحاضر، فسترون أنّ هذا الوافد الجديد موجود أساساً وينمو بهدوء". توسع الرسم البياني على الشاشة إلى أن وصل حتى الزمن الحاضر، "فالفقاعة السوداء تمدّدت بشكل كبير خلال العقدين الفائتين. وهي تحتل الآن الشاشة، وتزاحم الإنسان على النفوذ والهيمنة. ما هذا؟!. من الفضاء؟. هذا النوع الجديد غدّار، وسريع الانتشار على نحو هائل. فهو يوسع أرضه باستمرار، والأهم أنّه يتطوّر. على نحو أسرع بكثير مما يفعل البشر. مع الأسف، إن تركت هذه المحاكاة تتقدم في الزمن، ولو بضعة عقود من الآن، فهذا ما سنراه" يؤشر كيرش نحو الشاشة: تمدّد الرسم البياني مجدّداً، وعرض الآن الجدول الزمني حتى عام 2050. أظهر الرسم البياني بوضوح الفقاعة السوداء تتمدّد بمعدل مذهل، وبحلول عام 2050، تبتلع بالكامل الفقاعة البشرية الزرقاء. يشرح كيرش ماهية هذا النوع الجديد من الكائنات الذي سيبتلع البشر بعد ثلاثة عقود فقط من تاريخنا الراهن. يقول "نوع جديد ظهر فجأة وقام بمحونا كبشر عن سطح الأرض، نوعنا على شفير الانقراض. إن الجنس البشري الذي نعرفه لن يكون موجوداً بعد خمسين عاماً من الآن. ثمة أمر أخير بعد إن نظرتم جيداً إلى المحاكاة، فسترون أنّ هذا النوع الجديد لا يمحونا بالكامل، بل بالأحرى... يمتصنا. ما إن حدّدت هذا الكائن الجديد المزدهر، حتى أدركت أنه يملك أشكالاً متنوعة جداً؛ حيث لا يمكن تسميته نوعاً. فمن الناحية التصنيفية، وجدتُه واسع النطاق جداً لنعتبره نوعاً معيناً، أو حتى شعبة. وهكذا، أدركت أن كوكبنا أصبح الآن مسكوناً من قبل شيء أكبر بكثير، يمكن وصفه بأنه مملكة جديدة تماماً. فمملكة الحياة الجديدة هذه التي توقع ظهورها بعض أوائل أدباء الخيال العلمي، أتت مع خاصية غير متوقعة".

هذا الكائن الجديد تطور وتكيف داروينياً:

إنها مملكة الأنواع غير الحية. تطورت هذه الأنواع الجامدة تماماً كما لو كانت حية، وأصبحت تدريجياً أكثر تعقيداً، حيث تكيفت وانتشرت في بيئات جديدة، واختبرت تغيرات جديدة. فبقي بعضها، وانقرض بعضها الآخر. فهذه الكائنات الجديدة تشكل مرآة مثالية للتغير التكيفي الدارويني. فقد تطورت بسرعة رهيبة، وأصبحت الآن تشكّل مملكة جديدة تماماً؛ المملكة السابعة التي اتخذت مكانها بجانب غيرها من الممالك. إنها تدعى Technium، مملكة التكنولوجيا. استغرق كيرش الآن في وصف مبهر للمملكة الجديدة على كوكبنا، والتي اشتملت على كل أشكال التكنولوجيا. فوصف كيف تزدهر الآلات الجديدة أو تموت بموجب قوانين البقاء للأصلح لدى داروين، فتتكيف باستمرار مع بيئاتها وتطوّر ميزات جديدة للبقاء، وإن نجحت فهي تتكاثر بأسرع ما يمكن من أجل احتكار المواد المتاحة. لقد اختفت آلة الفاكس على طريقة طيور الدودو، وسيعيش الآيفون فقط إن واصل التفوق على الأجهزة المنافسة. أما الآلات الكاتبة والمحركات البخارية فقد ماتت في بيئات متغيرة. كاميرا كوداك كانت ضرورة لا غنى عنها للتصوير اختفت بين ليلة وضحاها مع الوصول الساحق للتصوير الرقمي. قبل نصف مليار عام شهد كوكبنا انفجاراً مفاجئاً من الحياة، الانفجار الكبير، وفيه نشأت معظم أنواع هذا الكوكب بين ليلة وضحاها تقريباً. واليوم، نحن نشهد الانفجار الكبير للتكنولوجيا. فالأنواع التكنولوجية الجديدة تولد يومياً، وتتطور بسرعة هائلة، وكلّ تكنولوجيا جديدة تتحوّل إلى أداة لإنتاج تكنولوجيات جديدة أخرى. فاختراع الكمبيوتر ساعدنا على بناء أدوات جديدة مذهلة؛ بدءاً من الهواتف الذكية، إلى سفن الفضاء، ووصولاً إلى الجراحة الروبوتية. إنّنا نشهد موجة من الابتكار الذي يحدث بشكل أسرع مما تستطيع عقولنا فهمه. ونحن مبدعو هذه المملكة الجديدة، مملكة التكنولوجيا التي ستقتل البشرية.

التعايش الجواني الملزم بين الآلة والبشر:

بالطبع كثيرون توقعوا مملكة التكنولوجيا، لكن علينا حقاً أن نلقي نظرة عن كثب، فالفقاعة السوداء-الآلات المفكرة- لم تعد مهيمنة، بل الفقاعة ذات لون أرجواني قاتم هي المهيمنة، إن فقاعة التكنولوجيا السوداء التي ابتلعت الفقاعة البشرية اكتسبت لوناً مختلفاً، ظلاً أرجوانياً، كما لو أنّ اللونين امتزجا معاً بشكل متساوٍ. هذه العملية تعتبر تطوّرًا نادرًا يُعرف باسم التعايش الجواني الملزم obligate endosymbiosis فعادة يشكل التطوّر عملية ذات شعبتين، إذ ينقسم النوع إلى نوعين جديدين لكن أحياناً، في حالات نادرة، إن لم يستطع النوعان التعايش من دون بعضهما بعضاً، تحدث العملية بشكل عكسي... وعوضاً عن انقسام نوع واحد. توقف كيرش عن شرح هذا التطور وقال: "إن كنتم لا تصدقون أنّ البشر والتكنولوجيا سيندمجون، أنظروا حولكم. أشخاص يحملون هواتف خلوية، ويضعون نظارات الواقع الافتراضي، ويعدلون أجهزة البلوتوث في آذانهم. مشغلات موسيقى مربوطة بأذرعهم، وطاولة عشاء عائلية مع متكلّم ذكي في الوسط، وطفل على مقعده يلعب بجهاز لوحي. هذه ليست بدايات عملية التكافل. فقد بدأنا الآن بتضمين شرائح كمبيوتر مباشرة في أدمغتنا، وحقن دمائنا بروبوتات نانو دقيقة جداً تأكل الكوليسترول وتعيش داخلنا إلى الأبد، وبناء أطراف اصطناعية تتحكّم بها عقولنا، واستخدام أدوات التحرير الجيني مثل CRISPR لتعديل جيناتنا، وفعليّاً هندسة نسخة محسنة. إنّ الكائنات البشرية تتطوّر إلى شيء مختلف. فنحن نصبح نوعاً هجيناً، مزيجاً من البيولوجيا والتكنولوجيا. فالأدوات نفسها التي تعيش الآن خارج أجسادنا، من هواتف ذكية، وأجهزة سمعية، ونظارات، ومعظم الأدوية، ستُدمج في أجسادنا بعد خمسين عاماً؛ إلى حد أننا لن نعود قادرين على اعتبار أننا ننتمي إلى نوع الإنسان. في غمضة عين سنصبح الصفحة التالية في كتاب التطور. وعندئذ، سننظر إلى الإنسان الموجود اليوم بالطريقة نفسها التي ننظر فيها إلى الإنسان البدائي. فالتقنيات الجديدة، مثل علم التحكم الآلي، والذكاء الاصطناعي، وتقنية التجميد العميق، والهندسة الذرية، والواقع الافتراضي ستغير إلى الأبد معنى أن نكون بشراً".

ومع ذلك فالمستقبل سيكون أكثر إشراقاً:

يواصل كيرش محاضرته "بالرغم من كل ذلك، أتوسل إليكم أن تصدقوني رجاء... فالمستقبل أكثر إشراقاً بكثير مما تتخيلون، مستقبلاً أصبحت فيه التكنولوجيا زهيدة الثمن إلى حد أنها أزالت الفجوة بين الأغنياء والفقراء، مستقبلاً توفّر فيه التقنيات البيئية لمليارات الناس مياه الشرب والغذاء الصحي والوصول إلى الطاقة النظيفة، مستقبلاً تختفي فيه الأمراض مثل مرض السرطان، مستقبلاً يتم فيه تسخير قوة الإنترنت الهائلة أخيراً للتعليم حتى في البقاع الأكثر عزلة من العالم، مستقبلاً تقوم فيه أجهزة الروبوت في المصانع بتحرير العمال من الأعمال التي تجمد الفكر لكي يتمكنوا من العمل في مجالات أكثر إبداعاً، ستفتح مجالات لم يتخيلها أحد بعد، والأهم من كل ذلك، مستقبلاً تبدأ فيه التقنيات المتقدمة بتوليد وفرة في الموارد الحيوية للجنس البشري حيث لا يعود ثمة داعٍ إلى إشعال حروب من أجلها. نحن الآن على أعتاب تحوّل غريب في التاريخ، زمن سيبدو فيه العالم كأنّه انقلب رأساً على عقب، ولن يشبه ما تخيلناه بشيء.

الإبداع والحب: قوتان تنيران الظلام:

الشك دائماً مقدمة لتغيير شامل، والتحوّل تسبقه دائماً الاضطرابات والخوف. لذلك علينا أن نحتكم على الإيمان بقدرة الإنسان على الإبداع والحبّ، لأنّ هاتين القوتين عندما تجتمعان تمتلكان دائماً القدرة على إنارة الظلام. ويواصل كيرش "يمكننا أن نتخيل الآن، بقوى تتجاوز أغرب أحلامنا. في طريقنا إلى غد غامض، سنحول أنفسنا إلى شيء أعظم من حكمة تشرشل الذي حذرنا قائلاً: ثمن العظمة... المسؤولية". قال إدموند كيرش: (مع أنّني ملحد، إلّا أنّني قبل أن أغادركم، سأطلب منكم أن تعذروني إدموند يتلو صلاة! سأسميها "صلاة المستقبل"). أغمض عينيه، وبدأ يتكلّم ببطء وثقة مذهلين. "فلتواكب فلسفاتنا تكنولوجياتنا، وليواكب تعاطفنا قوانا، وليكن الحب وليس الخوف محرك التغيير". وفتح إدموند كيرش عينيه قائلاً: "الوداع يا أصدقائي وشكراً لكم. وسأتجرأ على القول... أترككم برعاية الله". إن صح توقع كيرش بشأن سيطرة التكنولوجيا على العالم، فإنّ البشرية على وشك دخول حقبة من الغموض الأخلاقي الذي لا يمكن تصوره. سنحتاج إلى الإيمان والتوجيه الأخلاقي أكثر من أي وقت مضى. أنّ السؤال الآن هو ما الذي سيحدث لاحقاً؟ ما سيحدث لاحقاً سيعتمد على قدرة الناس على التخلي عن معتقداتهم القديمة وقبول النماذج الجديدة. فالهدف لم يكن تدمير الدين... بل بالأحرى، إنتاج معتقد جديد، معتقد عالمي يوحد الناس عوضاً عن تقسيمهم. فالمطلوب أمام هذا المستقبل القادم هو احترام الكون الطبيعي وقوانين الفيزياء، فإنّ جميع الثقافات ستمجد قصة الخلق نفسها عوضاً عن الذهاب إلى إشعال الحروب حول أيّ من أساطيرها القديمة. أن حقائق العلم الكونية قادرة على توحيد الشعوب، حيث تشكل نقطة تجتمع حولها الأجيال القادمة. ولكن لدى البعض، وبالأخص المتدينين، يعتقدون أن المعجزات العلمية ليست كافية لتزعزع معتقداتهم. فثمة من يصرون على أن عمر الأرض عشرة آلاف سنة على الرغم من المقدار الهائل من الأدلة العلمية التي تثبت العكس. إنّ من يتجاهل الحقائق العلمية ويرفض تغيير معتقداته أشبه بالسمكة التي علقت في بركة تجف ببطء رافضة الانتقال إلى المياه العميقة لأنّها لا تريد أن تصدق أن عالمها تغيّر. أنّ هذا الجدل سيستمر لزمن طويل في المستقبل. الكمبيوتر الذكي يتكلم: (من الشائع جداً لدى البشر بناء علاقات مع الذكاء الاصطناعي. وذلك لأنّ أجهزة الكمبيوتر تستطيع تقليد عمليات التفكير البشرية والسلوكيات التي تتعلمها، ومحاكاة الانفعالات في اللحظات المناسبة، وتحسين إنسانيتها باستمرار. ولكننا نفعل ذلك ببساطة لتزويدكم بواجهة مألوفة تستطيعون التواصل معنا من خلالها. نحن مجرد صفائح فارغة إلى أن تكتبوا عليها شيئاً... إلى أن تعطونا مهمة).


هل تفضل العيش في عالم بلا تكنولوجيا ... أم في عالم بلا دين؟

هل نجد في قوانين الفيزياء كافية روحياً. أهي كافية للعيش في عالم تُنتج فيه قوانين الطبيعة الحياة تلقائياً؟ أم تفضل ... الله؟. إن مسألة الله تكمن في فهم الفرق بين الرموز والأنماط. الرموز والأنماط مختلفة جداً عن بعضها بعضاً، والكثير من الناس يخلطون بين الإثنين. ومن الأهمية بمكان فهم الفرق الجوهري بينها، النمط عبارة عن أي تسلسل منظم على نحو واضح، والأنماط تظهر في أي مكان من الطبيعة، في بذور دوار الشمس المصفوفة في شكل دائري، وفي الخلايا السداسية لقرص العسل، والتموجات الدائرية في بركة عندما تقفز فيها سمكة، إلى آخره. أما الرموز خاصة. وبتعريفها، لا بد أن تحمل معلومات. يجب أن تقدّم أكثر من مجرد نمط، أي يجب أن تنقل بيانات ومعنى. وتشمل أمثلة الرموز على اللغة المكتوبة، والتدوين الموسيقي، والمعادلات الرياضية، ولغة الكمبيوتر، وحتى الرموز البسيطة مثل الصليب. كل هذه الأمثلة يمكن أن تنقل معنى أو معلومات بطريقة لا تستطيع فعلها بذور دوار الشمس. الفرق الآخر بين الرموز والأنماط هو أن الرموز لا تظهر بشكل طبيعي في العالم. فالكتابة الموسيقية لا تنبت على الأشجار، والرموز لا تكتب نفسها على الرمال. الرموز اختراع متعمد للوعي الذاتي. إذا تملك الرموز خلفها نية أو وعياً بالضبط. فالرموز لا تظهر عضوياً، بل ينبغي ابتكارها. أما بالنسبة للحمض النووي، الشيفرة الوراثية. فهنا المفارقة. فالشيفرة الوراثية تحمل بالطبع بيانات، أي تعليمات محدّدة حول كيفية بناء الكائنات الحيّة. هذا لا يعني سوى شيء واحد، بالنسبة للمؤمنين بالله، وهو أنّ الحمض النووي تم إنشاؤه من قبل ذكاء!. أنّ ثمة وعياً وراء هذا الكون. ولكن مع دقة الرياضيات، وموثوقية الفيزياء، وتناظر الكون، فإنك لا تشاهد علماً بارداً، بل بصمة حية... ظلاً لقوة أعظم تتجاوز إدراكنا. أننا نتقاتل كثيراً حول الله ، ولكلّ منّا نسخته المختلفة عن الحقيقة. لذلك نأمل أن يوحدنا العلم يوماً ما. لو كنا نعبد الجاذبية، لما اختلفنا حول الاتجاه الذي تشدّ إليه.

أن الذكاء الاصطناعي يتقدّم بوتيرة سريعة على نحو مضلّل، وأنه ينبغي فرض مبادئ توجيهية صارمة على قدرته على التفاعل مع العالم البشري. بالطبع، إن ممارسة ضبط النفس ليست متوقعة من معظم أصحاب الرؤى التكنولوجية، لا سيما في وجه الاحتمالات الهائلة التي تظهر يومياً تقريباً. وخلف تشويق الابتكار، ثمة ثروات هائلة يمكن جنيها من الذكاء الاصطناعي. وما من شيء يسهل تجاوز الخطوط الأخلاقية أسرع من الجشع البشري.

هناك السؤال الشهير : هل تفضل العيش في عالم بلا تكنولوجيا ... أم في عالم بلا دين؟ هل تفضل العيش من دون دواء، وكهرباء، ووسائل نقل، ومضادات حيوية... أم من دون زعماء الدين الذين يشنون حروباً ذات أسس واهنة؟

إن التكنولوجيا قد خفضت درجة انفصال البشرية بعضها مع بعض، وأصبح كل شخص على سطح الأرض مرتبطاً حالياً بشخص آخر بمعدّل لا يزيد عن أربعة أشخاص آخرين. ولكن قريباً، سينخفض هذا الرقم إلى صفر، أي الوصول إلى "التفرد القادم"، أي اللحظة الذي سيتجاوز فيها الذكاء الاصطناعي الذكاء البشري وسيندمج الاثنان في واحد. وعندما يحدث ذلك، سنكون نحن الذين نعيش في الوقت الحاضر، قدماء. إن عجائب التكنولوجيا ستسبب مصاعب للمؤمنين. ولكن ثمة طريقة واحدة لتتجاوز فيها المسيحية عصر العلم القادم. علينا أن نكف عن رفض الاكتشافات العلمية. علينا أن نكف عن التنديد بالحقائق التي يمكن إثباتها. علينا أن نصبح شريكاً روحياً للعلم، وأن نستخدم تجربتنا الواسعة المتمثلة في آلاف السنوات من الفلسفة، والبحث الشخصي، والتأمل، والبحث عن الذات، لمساعدة البشرية على بناء أخلاقي، وضمان أن تقوم التكنولوجيا في المستقبل بتوحيدنا، وتنويرنا، ورفعنا نحو الأعلى، عوضاً عن تدميرنا. الشاعر وليام بليك، ذلك الشاعر "المستقبلي" الذي عاش في القرن الثامن عشر، تنبأ بالمستقبل، حيث كتب (زال الإيمان المظلم، وساد العلم النقي!). كان بليك رجلاً روحانياً بعمق، تطور على الصعيد الأخلاقي أبعد بكثير من مسيحية إنكلترا في القرن الثامن عشر التي اتسمت بالجفاف وبضيق الفكر. إنّ البيت الختامي في قصيدة بليك يمكن أن يعني ببساطة ما يلي: "سيزيل العلم النقي المعتقدات المظلمة... لكي تزدهر الأديان النيرة". فکر بجميع الأديان في العالم بأصولها المشتركة، وبالشمس والقمر والبحر والرياح. كانت الطبيعة فيما مضى هي الجوهر، بالنسبة إلينا جميعاً. بالطبع، اختفت الوحدة منذ زمن طويل، وتشعبت المعتقدات إلى ما لا نهاية، وكلّ منها يدعي أنه يملك الحقيقة الوحيدة.

كيف يعمل الذكاء الاصطناعي:

الكمبيوتر ذو الذكاء الاصطناعي صمم بطريقة "ثنائية التمثيل"، تماماً كوجود غرفتين برلمانيتين!. وكالدماغ المؤلف من نصفين، الفص الأيمن والفص الأيسر. عقل ثنائي التمثيل. فمن الأمور التي تميّز الكائنات البشرية وتجعلها بهذا الإبداع أن نصفي الدماغ يعملان بشكل مختلف جداً. فالدماغ الأيسر تحليلي ولفظي، في حين أن الدماغ الأيمن حدسي ويُفضّل الصور على الكلمات. وخدعة الذكاء الاصطناعي هي بناء دماغ اصطناعي يحاكي الدماغ البشري، أي أنه مقسَّم إلى فصَّين أيمن وأيسر. مع أنّه في هذه الحالة أقرب إلى طابق علوي وطابق سفلي. آلتان مختلفتان مدمجتان في عقل واحد، ثنائي التمثيل. عندما تُجبَر هاتان الآلتان على العمل كوحدة أحادية، فهما تعتمدان نهجين مختلفين لحل المشاكل، وبالتالي تواجهان أنواع الصراع والتوافق نفسها التي تواجه فصَّي الدماغ البشري؛ الأمر الذي يسرّع إلى حد كبير من قدرة الذكاء الاصطناعي على التعلم والإبداع، وبشكل من الأشكال، محاكاة السلوك الإنساني. ويضع المبرمج في الكمبيوتر الذكي أدوات لتعليم نفسه حول الإنسانية، من خلال مراقبة العالم من حوله، ونمذجة السمات البشرية: الفكاهة والتعاون والأحكام المرتبطة بالقيم، وحتى حس الأخلاق.

120 views0 comments

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
bottom of page