top of page

يتحاجزان



قد يستدعينا واقع الاحتدام والتحاجز بين الثقافي والسياسي، إلى إعمال الجهد العميق لإخراج أحدهما من الآخر، أو بالأحرى تحريرهما من سلطات لم تزل تفتك بهما، مدعومة من شأن ثالث هو الشأن الاجتماعي، بوهم عدم فعاليتهما بمعزل عن سلطة الآخر وشرطه.


٭ ٭ ٭


ليس القول بالحق في صياغة الواقع هو شأن سياسي، يدور في تخوم ديمقراطية الحريات، لكنه شأن أخلاقي، تتوقف عليه أهلية الإنسان وجدارته في نيل حصة كريمة وكاملة من جمال الحياة وخيرها، دون ابتذال الذات بالسعي الدوني والمطالبة المهينة بهذا الحق. فليس لأي سلطة في الكون حق منع أو حصر أو منح هذا الحق عن الإنسان بوهم الحكم والمفاضلة. الأخلاق الإنسانية هي الفعل الأول الثابت الذي تنشأ على أساسه الاجتهادات السياسية المتغيرة. الإنسان هو الحدث الأول، جاءت بعده ومن أجله الحقوق والواجبات وتلتها القوانين، والسياسة بالتالي هي نتاج يصوغه الإنسان بنفسه لنفسه.


٭ ٭ ٭


الواقع لا يصبح واقعاً إنسانياً منجزاً مكتمل العناصر والتكوين، إلا بإسهام الإنسان الفعال بمخيلته النشيطة في تكوين هذا الواقع. وليس ثمة واقع، يمكن الإنسان بقماشته إلا إذا تسنى للإنسان المشاركة في صياغته وتنويع حدوثه، وفي ما عدا ذلك يظل الحدث خارج حدود النص الإنساني، وبالتالي هو في حكم فرض قوة على الكائن الأضعف غير المعني بالحدث، المتأثر فيه، والمتضرر منه، لغيابه عن حدوثه وانعدام مسؤوليته عن ذلك الحدوث.


٭ ٭ ٭


ففي لحظة إنسانية مثل هذه، يتوجب علينا أن نرى الثقافة مناسبة للحوار الرصين الفعال في حقل التنمية البشرية. فالطبيعة الحيوية للثقافة لا تجعلها صالحة كميدان للمجابهات، بل حقلا للتفاهم الكوني الذي يضع العناصر الإنسانية بوجهات نظرها المنوعة، سبيلا يفتح المزيد من آفاق المستقبل.

16 views0 comments