أمبرتو إيكو وحدود (التأويل المضاعف)


أمبرتو إيكو

مع كل انشغال جديد لنا في مناقشة أي أطروحات تأويلية مستجدة على الساحة الثقافية، لا يبدو أننا قادرون على تجاوز الجدل (القديم / الجديد) المثار حول مشروعية التأويل الحرّ للنصوص، ومدى سلطة المؤول أو القارئ، وهو ما يضفي اعتباراً خاصاً على استعادة المقولات التي اقترحها كتاب (التأويل بين السيميائيات والتفكيكية).

يضمّ الكتاب ٣ محاضرات ألقاها الناقد والروائي الإيطالي أمبرتو إيكو (١٩٣٢ - ٢٠١٦م) في جامعة ييل الأمريكية، إلى جانب فصلين من كتابه (التأويل والتأويل المضاعف)، أما الفصل الأخير فكتبه الناقد التفكيكي الأمريكي جوناثان كولر بعنوان (دفاعاً عن التأويل المضاعف).

ولنا، بدايةً، أن ننوّه بجودة الترجمة التي أنجزها الناقد المغربي سعيد بنگراد للكتاب، وإحكام لغتها، وضبط الإحالات الواردة فيها.

تدور مباحث الكتاب، بشكل أساسي، حول استراتيجيات تأويل النصوص بين اتجاهين: الاتجاه السيميائي، وبالتحديد سيميائية تشارلز بورس، والاتجاه التفكيكي مرتكزاً على أفكار ريتشارد رورتي وجاك ديريدا.

في عودة استدعائية للإرث الفلسفي اليوناني، يستلهم إيكو التصورات الهرمسية والغنوصية بوصفها أنوية مبكرة لممارسات القراءة المفتوحة غير المحدودة للنصوص (متاهات التأويل).




وانطلاقاً مما أسماه (السميوريس) الهرمسية، يمر إيكو على أعراف ومقاييس تفسير النصوص استناداً إلى قواعد التذكر والمماثلة (والتداخل الكوني) السائدة في القرن السادس عشر لدى هرمسيّي عصر النهضة الأوروبية والمقاربات اللاحقة التي مالت إلى تجاهل قصدية الكاتب لصالح قصدية القارئ وقصدية النص، ويكرس إيكو الفصل الثالث لتعميق جدلية (المؤلف والنص) متخذاً من روايتيه (اسم الوردة) و (بندول فوكو) أنموذجين لتحليل آليات اشتغال الاستراتيجيات النصية والقرائية، وربما يكون هذا الفصل أكثر فصول الكتاب إمتاعاً، حيث عارض فيه إيكو موقفه كمؤلف وفي مواجهة تأويلات القراء الآخرين، وقد اعترف في مواضع كثيرة بأن القارئ انتصر على الكاتب .


من هذه الزاوية، يستخلص إيكو تصورين مختلفين للتأويل، يفتش أحدهما عن الطابع الموضوعي للدلالة، فيما يذهب الآخر إلى أن (النصوص تحتمل كل تأويل)، ويرى أن هذين التصوّرين ينطويان على (تعصب إبستمولوجي) ينبع إما من أشكال واقعية ميتافيزيقية تسعى للمطابقة بين الفكر والأشياء، أو من صيغة متطرفة من السمويزيس الهرمسية التي تحوّل عملية التأويل إلى متاهة مفتوحة لا نهائية تنتقل من مدلول إلى آخر (دون ضابط أو رقيب).


يجد إيكو في موضوعة (المتاهة الهرمسية) مدخلاً لتناول سيميائية بورس القائمة على مفهوم (التوالد الإيحائي) للدلالات، وهي إيحاءات تنتشر على جسد النص بشكل سرطاني، ولا غابة لرحلتها (اللولبية) بين العلامات والأشياء، كما يشرح إيكو، سوى اللذة نفسها. وقد خصص فصلاً كاملاً للكشف عن طاقة الإيحاء في الاستعارة ودورها في خلق عوالم ممكنة للتأويل.


فيما يخص الممارسة التفكيكية، يبدو أن المتاهة المفتوحة، انطلاقاً من أفكارا رورتي، تشجع على تبني فرضية أن التأويل التفكيكي إنما هو شكل من أشكال السميوزيس اللامتناهية كذلك، لكن دون أن يذهب إلى حد الزعم بوجود تطابق في المفاهيم بينهما؛ ذلك أن (دريدا نفسه هو أول من يعترف بوجود معايير للتأكد من صحة تأويل نص ما).


مع ذلك، ينتقد إيكو التأويل الذي قدّمه دريدا لسيميائية بورس، فعلى الرغم من أن التأويل اللامتناهي هو أمر ممكن عند بورس، انطلاقاً من مفاهيم الهشاشة والامتداد والالتباس، وعلى الرغم كذلك من أن إثبات مبدأ (السياقية) الذي تحدث عنه (لا يستنفد مجموع التحديدات الأخرى غير المتناهية)، على الرغم من ذلك كله، ثمة (أفكار أخرى تدمر القراءة التي قدّمها دريدا)، كما يقول إيكو، فما دام الموضوع النصي مطروحا على طاولة التأويل، فإن النص سيكون له حضور مباشر عبر ماثوله وموضوعه اللذين بحضورهما يكون موضوعه ( الديناميكي) غائباً، وهذا الموضوع لا يمكن إلا أن يكون متجسداً في شكل من الأشكال، وتقود السلسلة اللا نهائية من التمثيلات (المؤولات) إلى نهاية السلسلة، وهو ما يسميه إيكو (التأويل المنطقي النهائي) أو (العادة) التي يؤدي تشكلها إلى كبح جماح السميوزيس اللانهائية لفعل التأويل، ولو مؤقتاً.


إن السميوزيس - بهذا المعنى - سيكفّ عن كونه (قراءة حرة) يجترحها المؤولون بطريقة استعمالية غرضية؛ بغية الوصول بالنص إلى (الشكل الذي يرضي نواياهم)، لكنه في الوقت ذاته لا يخضعه إلى قراءة مفضلة واحدة، فللنصوص دائماً هشاشة تجعلها عرضة لتعددية التأويل.


جاك ديريدا

وهكذا، يقف أمبرتو إيكو مدافعاً عن سيميائية بورس الجريئة، وعن الانفتاح الدلالي للنص، وهشاشته، وقابليته للامتداد والتعدد والتداعي، ويقرّ - بالتالي - للقارئ بسلطته الكاملة في إنتاج المعنى، ولكن من دون أن يبلغ حدّ الوثوق بمشروعية التأويل الحرّ المضاعف، وهذا ما سيكون موضوع نعي جوناثان كولر في الفصل الأخير من الكتاب، معبراً عن وجهة نظر التفكيكيين الأمريكان.


يبرز الكتاب حالة الحذر التي تنتاب المؤول السيميائي حيال أنماط التأويل المفتوحة التي تحاول القفز على قصدية المؤلف وسياقية النص بشكل مطلق، بنفس القدر الذي تعلن فيه إدانتها الصريحة للتصورات القرائية التي تتغيّا حبس النص داخل دائرة وعي المؤلف وشروط إنتاج النص.


بعد ثلاثة عقود من صدوره، مازالت جدليات الكتاب تتحرك في قلب الإشكاليات الحيوية ذاتها التي يكابدها قارئ اليوم.


———————-

16 مشاهدة