أمهلوني فَواقُ ناقة



في مستهل كل حديث نشرع بسرد الأحداث بدءا بأكثرها إثارة وصولا إلى أقلها وقعا، وهي في مجملها أفعال، والأفعال في صيغها المعروفة؛ الماضي، والمضارع، ، هي البنى التحتية الأساسية لوضع صيغ الفاعل، مثال على ذلك:"جلس جالس" أي أن الفعل متبوعا بالفاعل وهو الجالس. وهذا التصنيف هو أحد أشكال القياس اللغوي التي نستعين به عند الحديث في تسهيل تصريف الأفعال ووضعها في مكانها الصحيح عند صياغة الجمل، فلا يجوز تقديم الفاعل على الفعل، كأن نقول "أحمد قام" أو "أحمد يقوم" بل نقول "قام أحمد" و"يقوم أحمد". وتقديم الفعل على الفاعل له دلالات كثيرة في قواعد اللغة العربية ، أولها أن الفاعل يشتق من الفعل حتى وإن أضفنا اسم الفاعل "أحمد" أو غيره فلا يتغير من الأمر شيئا، فالفاعل هو نفسه على النحوين: "أحمد" أو الذي يحل في صيغته هو كضمير مستتر.

وهكذا يأتي الفاعل استكمالا للفعل وتعريفا به في شخص "أحمد" متبوعا بتعريف نوع الفعل، مثال: قام "أحمد للصلاة" أو "قام أحمد من على كرسيه" والفرق بين الاثنين، الأول شروع في فعل، في حين أن الآخر هو إنهاء لفعل ماضٍ مستمر وهو الجلوس، وقد ارتبطت الأفعال ارتباطا وثيقا بالوقت، أو دعنا نسميه المكوث، فلكل فعل بداية ونهاية، أو بمعنى آخر بداية مكوث ثم نهاية، اذن المكوث مرتبط بالأفعال بل وداخل في نسيجها، وهي وإن اختلفت في قياس المكوث إلا أنها لا تخرج عن هذا الإطار، وهكذا عندما شرع الأولون في قياس المكوث أو الوقت بدءا باليوم، فالأسبوع، فالشهر، فالفصل، فالسنة، ثم دخلت لاحقا وحدات قياس أصغر كالساعة والثانية شأنها في ذلك شأن الأطوال الهندسية الرقمية وقد دخلت الأخيرة (الأرقام) في كل أشكال وحدات القياس وصولا إلى وحدات الوقت الفائقة في الصغر كالثانية مرورا بوحدات أصغر وهي الجزء من الثانية، ولكن حتى هذا التقييم الجديد للوقت لم يغير من المعادلة الأصلية. نقطة بداية مكوث ونقطة نهاية.

السيد عدنان الموسوي

وقد احتار البشر في تعريف الوقت المجتزأ على مر العصور ففي واقعة صفين الشهيرة طلبوا من الإمام علي (ع) وقف القتال والقبول بمسألة التحكيم فبعث للأشتر بوجوب التوقف عن القتال نزولا على رغبة المقاتلين من الطرفين، فقال الأشتر: "أمهلوني فَواقاً "فإني قد أحسست بالفتح! (1) فقالوا :لا قال : فأمهلوني عدوة الفرس (2) فإني قد طمعت بالنصر، فإذا رجعنا إلى نمط التفكير في ذلك الوقت يمكننا أن نتخيل وحدات القياس تلك ومدى فهم الناس لها بمعنى قرابة اثنتين إلى ثلاث ثوان كحدٍ أقصى في عُرفنا الحالي المحكوم بأدوات القياس الحديثة، أوربما قصد الأشتر: أمهلوني قليلا، وبالمثل عند اختيار قياس الأطوال كأن نقول المسافة بين البلد (أ) والبلد (ب) مسافة نصف يوم على جواد سريع، أو أربعة أيام على ظهر ناقة.

وإذا أوغلنا في التاريخ القديم نجد أن الفلاسفة قد تنبهوا إلى مسألة الوقت فوضعوا له قواعد بسيطة، نقطة بداية، ونقطة نهاية، والزمن المحصور بينهما قد يطول أو يقصر كما أسلفت، ولكن بسبب تداخل الوقت بالأحداث أو ما يعرف بالأفعال كقول الأشتر:"إمهلوني فَواقُ ناقة" ويقصد الأشتر بذلك إمهلوني بعض الوقت، أي المكوث المطلوب، وفَواقُ الناقة ليس سوى قول عام، فلكي يحقق النصر فإنه يحتاج إلى قدر من المكوث هو بعض الوقت وليس بالطويل، وفي غياب المكوث لا يتم الفعل والأفعال بيت القصيد هي التي استدعت حصر المكوث من الأساس وتعريفه بالوقت، فأنا أحتاج إلى عشرين دقيقة بالسيارة لكي أصل إلى المنامة، وهذا المثال يستخدم في عرفنا الحاضر.

أما أرباب فلسفة الأتما يوغا فهم يرون الأمر على نحو مختلف تماما، ولهم رؤى مختلفة بمعنى أن الإنسان عندما يقوم بفعل ما فإنه يؤدي ذلك الفعل بدون تفكير في الفعل ساعة أدائه، مثال: عندما نمشي نحرك اليد اليمني للأمام مع الرجل اليسرى لا إراديا ونفس الأمر، اليد اليسري مع الرجل اليمنى بالتناوب، وأيضا لا إراديا وهذا للتوضيح فقط، ولكن إذا تأملنا في الأمر نجد أن هذا الأمر ينطبق على كل الأفعال حتى أصغرها، كرفّة جفن أو التفاتة سريعة، فإذا كان الفعل لا إراديا ولا يمكنك التفكير فيه إلا بعد انقضائه، كأن تقول:"عملت كذا وكذا" فإنك لا تستطيع أن تطلبه لنفسك بمعنى أن هذا لا يجعلك الفاعل! وأمر آخر حيث تتباين أحاسيسنا ومشاعرنا بتباين ردود الأفعال، وخاصة تلك اللصيقة بالمشاعر، فالترقب والألم يجعل الوقت أطول، وقضاء الوقت بسعادة مع الحبيب يجعله يمضي أسرع كما أن أحلام المنام تخنزل ساعات وأيام وربما شهور في وقت زمني قصير هي فترة الحلم الذي يتماهى فيه عاملا الزمان والمكان فتغدو الأشياء أطول من حقيقتها، وبالتأكيد لا تتناسب مع فترة الحلم الحقيقية والتي قد لا تتعدي الساعة أو دونها أو ربما دقائق معدودة كوقت نوم القيلولة.

وقد عرف فلاسفة الأتما يوغا الوقت عندما وضحوا آلية انتقال المعرفة، فكيف تتم المعرفة؟ تنتقل الأهداف وهي الصور المرئية والمسموعة والمحسوسة بالشم والتذوق واللمس من حقل المكان عن طريق أعضاء الحواس إلى العقل الذي يختزلها إلى حيز أصغر وهو الفكرة، ثم من حيز العقل إلى الوعي النقي أو المطلق العظيم فتتحول الفكرة إلى معرفة. هذه المتلقيات المختلفة والتي تصغر أو تختزل إلى مجرد أفكار في العقل هي مصدر الوقت. مثال:"يصحو أحمد من النوم عند الساعة التاسعة صباحا" هذه فكرة و"يخلد إلى النوم عند الساعة التاسعة مساءً". هذه فكرة أخرى فعندما نوصلهم ببعض ينشأ عامل الوقت اثنا عشر ساعة، وقس هذا الأمر على اختلاف المتلقيات واختلاف المسافات بينها، ولكن هناك أمر آخر فإذا كان الوقت الذي نقضيه في أمر سعيد يبدو قصيرا وغير مساوٍ لنفس الوقت الذي نقضيه في أمر حزين أو خوف أو وجل أو معاناة. فكيف نساوي بين الاثنين؟ ولذلك طال انتظارالمسلمين للإمام علي (ع) للوصول إلى قرار وقف الحرب مع أن الوقت لم يتجاوز الـدقائق كحدٍ أقصى.

ولذلك توصل الفلاسفة إلى أن الوقت غير حقيقي؟! فإذا أضفنا إلى ذلك انتفاء صفة الفاعل بدعوى أن طلبك الفعل بعد انقضائه كأن تقول أنا فعلت كذا وكذا لا يجعلك الفاعل فكيف نصنٍّف الوقت اللصيق بفعل لا يملك صاحبه الفاعل أهلية الانتساب إليه "الفعل"؟ وعليه، فقد خلصوا كما أسلفت إلى أن الوقت غير حقيقي وما نحن إلا في عجلة متتابعة لا تتوقف من المتلقيات المختلفة من المهد الي اللحد، الأمر الآخر أن هذه المتلقيات ترصد في حالة اليقظة، وحالة النوم، وحالة النوم العميق بمعنى، إذا كانت كل المتلقيات والمشاعر والأفكار تُرصد أول بأول وفي جميع الحالات من اليقظة والنوم، والنوم العميق وبدون توقف أو استراحة بواسطة الوعي النقي أو المطلق العظيم، فإن ذلك يضعنا أمام أمر سؤال محيّر! كيف يتم ذلك؟ وإليك التفسير؛ عند التلقي تنتقل الصور المرئية والمسموعة وغيرها من أعضاء الحواس الأخرى إلى العقل الذي يختزلها إلى مجرد أفكاركما أسلفت ولكن ما الذي يحدث؟ تلتقي هذه الأفكار وتندمج مع بعضها البعض (والتي هي خلاصة كل تلقياتنا الحسية والفكرية ) وللتوضيح عند اتصال كل فكرة بالأخرى ينشأ عامل الزمن أو ما يعرف بالوقت كما أسلفت ، وعليه، أصبحنا نصنّف نشاطنا البدني والذهني والفكري على ضوء هذا التواصل وللتوضيح نقول: صحوت الساعة الخامسة وتوضأت، وصليت الساعة الخامسة والربع ثم لبست ملابسي ووو.. الخ.. وقس على ذلك باقي النشاطات الأخرى المرصودة والموصولة ببعضها البعض بسلسلة حتى تصل إلى سنوات أو تقصر حتى تصبح ثواني، تسمى في عُرفنا اللغوي الأول الزمن، والثاني الوقت.

وتخلص فلسفة الأتما في الإجابة على تعريف الإنسان الحقيقي ..من أنا؟.أنا لست الجسد ،أنا لست العقل، أنا لست أعضاء الحواس لأن هذة الاشياء غير ثابتة ومتغيرة علي الدوام ، نولد صغاراً فنكبر ونشيخ ، فمن هو الأنسان ؟ أنا ذلك الشيء الثابت على الدوام ألا متغير لكل شيء متغير، والمتلقي لجميع الأفكار والمشاعر، وفي جميع الأحوال حالة اليقظة، وحالة النوم، وحالة النوم العميق، وبدون توقف أو استراحة! فماذا عن الغيبوبة أو التخدير؟ عندما يكون هناك هدف يتلقى الوعي النقي ذلك الهدف أو الفكرة، وفي غياب أي هدف أو فكرة يبقى الوعي قائم بذاته.

وذلك يضعنا أمام لغز كبير وسؤال أكبر فبعد أن عرفنا الإنسان ومن يكون؟ أين موضع الوعي النقي أو الذات الحقيقية من العقل البشري؟ وهل "العقل" من الأساسيات والموجبات للوصول إلى الحقيقة؟ والجواب: ترى الأتما يوغا أن الوصول إلى الكشف الروحي أوالحقيقة "حقيقة الإنسان" يحتاج التلميذ أو الباحث إلى الاثنين؛ القلب والعقل معا، وبالطبع أستاذ حي يرزق ليأخذ بيد التلميذ إلى آفاق الحقيقة، في حين أن الشيخ الأكبر محي الدين إبن عربي يركز على القلب، بل ويرى تقديم القلب علي العقل أمر أساسي لبلوغ الكشف الروحي حتى يكاد أن يلغي العقل ويسقطه. !

  1. الفواق بالضم وبالفتح . الوقت ما بين الحلبتين يقال انظرني فواق ناقة

  2. عدوة الفرس في الأصل عدو الفرس

  3. العودة الي كتاب وقعة صفين لإبن مزاحم المنقري الصفحة 491

131 مشاهدة