«إنقاذ الأمل» كتاب جديد للدكتور نادر كاظم





كان المستعرب البريطاني تيم ماكنتوش-سميث يقول إن تاريخ العرب الحديث، منذ منتصف القرن العشرين أي منذ ثورة يوليو 1952 حتى الآن، هو تاريخ تعاقب سريع بين الأمل والإحباط واليأس. أطلق ماكنتوش-سميث على العصر الناصري/البعثي اسم "عصر الأمل"، فيما سمّى الحقبة الزمنية منذ نكسة 1967 "عصر اليأس". إلا أن التأمل في تاريخ العرب الحديث على مدى قرنين من الزمان يقود إلى هذه الحقيقة: إن تاريخ العرب الحديث كان يتأرجح بين الأمل واليأس منذ عصر النهضة حتى الآن، وأن ما كانت الأجيال السابقة تظنه "مهرجانها الأخير"، أو "هاويتها النهائية"، لم يكن سوى محطة من محطات تاريخ سيظل يواصل تقدمه وتحركه وتأرجحه دون توقف.

خلال الأيام القليلة الماضية، صدر عن دار «سؤال» اللبنانية، كتاب للمفكر وأستاذ الدراسات الثقافية في جامعة البحرين الدكتور نادر كاظم تحت عنوان «إنقاذ الأمل ..قراءة عميقة لتعاقب الأمل واليأس في تاريخ العرب الحديث». ويتضمن قراءة في تاريخ تاريخ العرب الحديث، منذ منتصف القرن العشرين أي منذ ثورة يوليو 1952 حتى الآن، هو تاريخ تعاقب سريع بين الأمل والإحباط واليأس.


وتأتي الطبعة الجديدة لكتاب "إنقاذ الأمل" لنادر كاظم لتقدم قراءة عميقة لتاريخ هذا التأرجح بين الأمل واليأس في تاريخ العرب الحديث منذ العام 1826 عندما كان ذلك الشيخ العربي – رفاعة الطهطاوي - مدهوشاً بما كان يراه في باريس من مسارح ومطاعم وفن وأدب وسياسة حكم حتى ما بعد انتفاضات الربيع العربي الذي جاء كتتويج لذاكرة الأمل الضاربة بجذورها على مدى قرنين من التاريخ العربي الحديث، وهي ذاكرة انتظمت في مسار تاريخي طويل تعاقبت عليه ثلاث موجات كبرى من الآمال العربية الجماعية. فقد راهنت الموجة الأولى على أمل التنوير والنهضة، وذلك حين شرع جيل التنويريين العرب الأوائل في الخطوات الأولى على هذا "الطريق الطويل" مع مطلع القرن التاسع عشر، حيث تراءى لهذا الجيل أنه كان قادراً على إنجاز النهضة والتنوير والتقدّم والإصلاح وبناء مجتمعات متمدنة وحديثة ومؤهلة للانتظام في الطريق الذي سلكه ركب العالم المتحضّر (الغرب).

ليشير بأن هذا هو الأمل العربي الكبير الأول في العصر الحديث، لكنه كان، أيضاً، الأمل العصي على التحقق بحيث تعذّر إنجازه على الرغم من اتساع مداه الزمني (حوالي قرن ونصف)، وعلى الرغم من تعاقب أجيال عديدة (خمسة أجيال في الحدّ الأدنى) انخرطت في مجراه بدءاً من رفاعة الطهطاوي وانتهاءً بعلي عبد الرازق وسلامة موسى وطه حسين، ومروراً بخير الدين التونسي وبطرس البستاني وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وقاسم أمين وأحمد لطفي السيد وعبد الرحمن الكواكبي وشبلي الشميل وفرح أنطون وآخرين. لقد كانت هذه الحقبة واعدة جداً، حتى إن ألبرت حوراني أطلق على هذه الحقبة اسم "العصر الليبرالي" في تاريخ الشعوب العربية. إلا أن انعطافة كبيرة ومهمة حصلت مع منتصف القرن العشرين. وقد جرى تفسير هذه الانعطافة على أنها انتكاسة، إلا أن النخب السياسية والفكرية الصاعدة حديثاً على المشهد كان لها رأي مغاير، ومؤدى هذا الرأي هو أن الحقبة المنصرمة لم تكن ليبرالية، وأن مشروعات التنوير والنهضة والتحديث كانت عصيةً على التحقق على مدى قرن ونصف. ومن أجل تفسير ذلك فقد كانت الإجابة جاهزة لدى الجيل الذي احتلّ المشهد مع منتصف القرن العشرين، وهو الجيل الذي قاد موجة الأمل الثوري، وتوصّل إلى قناعة بأن تحديث المجتمع وتنويره وإصلاحه يتطلب تغييراً جذرياً وشاملاً في بنية الدولة العربية التي كانت مرتهنة، آنذاك، لمعوقين أساسيين من معوقات نهضة هذه الأمة: الاستعمار الأجنبي والاستبداد "الرجعي" المحلي. وعلى هذا، كان لا بدّ من الرهان على التحرر الوطني الذي سوف يصوّب الضربة القاضية إلى الاستعمار من جهة، وعلى الثورة التي ستقضي على أعوان الاستعمار "الرجعيين" في المنطقة من جهة. والمسألة، في نظر هؤلاء الثو

ريين، لا تتطلب قرناً أو يزيد، بل كان يمكن الوصول إلى النهضة بقفزة سريعة واحدة تأخذ هذه المجتمعات مباشرة إلى نهاية الطريق، وذلك من خلال الثورة بما هي تحويل سريع وجذري وشامل لبنية الدولة والمجتمع معاً.

إلا أن الثورة كما قرأها الدكتور نادر لم تكن سوى قفزة في الفراغ، وبقي الأمل الثوري – كما كان سلفه – عصيّا على التحقق، بل الأسوأ أن هذا الأمل الثوري قد قاد هذه البلدان إلى مزيد من الانتكاسات على أصعدة عديدة. وذلك على الرغم من الاستقلال الاسمي الذي نالته كل الأقطار العربية عدا فلسطين، وعلى الرغم، كذلك، من كل الانقلابات المتلاحقة والثورات "التقدمية" التي أطاحت بأنظمة عديدة في المنطقة، وقيل إنها كانت أنظمة "رجعية" بدءاً من النظام الملكي بمصر الذي أطيح به في العام 1952، وانتهاء بالنظام الملكي بليبيا الذي أطاحت به "ثورة الفاتح من سبتمبر" في العام 1969، ومروراً بثورة التحرير في الجزائر في العام 1954، و"ثورة 14 تموز" بالعراق في العام 1958، و"ثورة 26 سبتمبر" اليمنية في العام 1962. والمفارقة أن كل هذه الثورات والانقلابات قد أطاحت بأنظمة مستبدة لتبني، على أنقاضها، أنظمة عسكرية تسلّطية تمهّد، هي بدورها، الأرضية لانقلابات وثورات لاحقة تستهدف الإطاحة بها! وذلك في مشهد تعيد فيه الديكتاتوريات إنتاج نفسها باستمرار. بما يذكّرنا، كل مرة، بكلمات أمل دنقل، في "كلمات سبارتكوس الأخيرة": "وليس ثمة من مفرّ، لا تحلموا بعالم سعيد!، فخلف كلّ قيصر يموت: قيصر جديد، وخلف كل ثائر يموت: أحزان بلا جدوى“!

ليرى بأن موجة الأمل الثوري في المنطقة انكسرت حين ارتطمت بحائط هزيمة 1967، وبدأت الحاجة ملحة، آنذاك، إلى مساءلة هذه الهزيمة وهذا الفشل البنيوي المزمن في هذه المنطقة. وحين تبيّن أن الأنظمة الثورية "التقدمية" لم تجلب لهذه البلدان لا الحرية ولا النهضة، بل أسّست، بدلاً من ذلك، دولة تسلطية بوليسية خنقت أنفاس الجميع، ومثّلت أكبر عائق صار يحول دون التحوّل الديمقراطي في هذه البلدان، عندئذٍ صعدت موجة الأمل الكبرى الثالثة، والتي تأسست على الاعتقاد بأن إنجاز النهضة يتطلب تحويلاً ضرورياً في بنية هذه الدولة التسلطية، إلا أن التحويل المطلوب هذه المرة ليس تحويلاً ثورياً أو عنيفاً كما كان إبان الزمن الثوري، بل هو تحويل ديمقراطي سلمي، وهو تحويل أو تحوّل يتطلب وجود مجتمع مدني عربي قوي ومعافى بحيث يضطلع بدوره في هذه المهمة التاريخية المزدوجة وهي إنقاذ هذه البلدان من الاستبداد ونقل هذه الدول التسلّطية إلى الديمقراطية من جهة، وتحديث هذه المجتمعات التقليدية من جهة أخرى. وكأن هذا الجيل كان يريد أن يحقق ما عجزت عنه موجتا التنوير والثورة معاً ودفعة واحدة.

ليذهب بأن هذا الجيل قد سلّم بالفكرة القائلة بأن عصر الثورات انتهى، وأن من واجبه البحث عن بديل يحلّ محل الثورة. وتصادف أن هذا البحث انطلق في وقت كان العالم يمرّ بموجة من التحول الديمقراطي سمّاها صمويل هنتنغتون بـ"موجة الدمقرطة الثالثة". فما كان من هذا الجيل إلا أن علّق كل أمله على هذه الموجة التي كانت تجتاح العالم مع مطلع التسعينات من القرن العشرين، والتي اعتقد هذا الجيل أنها لن تنكسر أو تنحسر قبل أن تضرب بلدان المنطقة، وخاصة أن كثيرين كانوا قد توهّموا أن المنطقة باتت مهيّأة للتحول الديمقراطي بعد كارثة العدوان العراقي على الكويت وحرب الخليج الثانية 1990/1991.

إلا أن التسعينات انقضت دون أن تتحول حتى دولة عربية واحدة نحو الديمقراطية. بل إن التراجع كان عاماً بحيث تعاظمت الفجوة الديمقراطية بين العالم العربي وبقية مناطق العالم منذ أوائل التسعينات، وتوسّعت الدولة التسلّطية بصورة مخيفة. الأمر الذي كان يوحي بوجود شيء ما فريد واستثنائي في هذه المنطقة. هذا لا يمنع أن يكون هناك من اكتفى بتصيّد أي إصلاح هنا أو انتخابات هناك من أجل أن يقنع نفسه بأن المنطقة كانت تمرّ بالفعل بحالة من التحول الديمقراطي. إلا أن الحاصل أن انحسار موجة المدّ الديمقراطي قد تسببت في صعود موجة مضادة من خيبة الأمل والإحباط من هذا الاستعصاء المزدوج المزمن ديمقراطياً وحداثياً (مدنياً)، والذي بدا وكأنه عجز بنيوي عصيّ على الإصلاح وميؤوس منه في هذه المنطقة. وهو العجز الذي فسّره بعض الدارسين الغربيين على أنه "استثنائية عربية". وكان هذا التفسير مناسبةً مواتية لاستحضار كامل الإرث الاستشراقي والعنصري والاستعلائي والجوهراني ضد المجتمعات العربية التي ألصقت بها أقذع الأوصاف وأقبحها، إذ قيل عنها بأنها مجتمعات كسولة ومتخلّفة ومتعّصبة وقاصرة معرفياً وعاجزة سياسياً وغير مؤهلة مدنياً وحضارياً...إلخ. وكان كل هذا سبباً كافياً ليقتنع البعض لا بأن عجز هذه المجتمعات ديمقراطياً ومدنياً هو الفصل الأخير في مسيرة تطورها فحسب، بل إن هذا العجز المزمن والعميق ليخفي وراءه حقيقة أعمق وهي أن تطور هذه المجتمعات قد تجمّد إلى الأبد، أن زمن هذه الشعوب قد توقّف عند القرن الخامس الهجري!

من سيقرأ كتاب نادر كاظم سيعاين مسيرة الأمل في التاريخ العربي الحديث على مدى القرنين المنصرمين كما لو كانت سباق المسافات الطويلة الذي انطلق مع "موجة التنوير"، ومرّ بـ"موجة الثورة"، وانتهى عند "موجة التحول الديمقراطي". كانت محطة الانطلاق الأولى قد ابتدأت مع مطلع القرن التاسع عشر، ثم وصل المتسابق، بعد مسيرة قرن ونصف، إلى محطة منتصف القرن العشرين وهو في غاية الإنهاك والتعب وبدا عاجزاً عن استكمال السباق إلى نهايته. ثم جرى تبديل المتسابق بآخر، لتبدأ، بعد ذلك، انطلاقة جديدة قوية، وما هي إلا عقود قصيرة حتى خارت قوى هذا المتسابق الجديد، وكان لا بد من استبداله والانطلاق، مرة ثالثة، مع متسابق جديد لعله يتمكّن من مواصلة السباق إلى نهايته، إلا أن حظ هذا الأخير لم يكن بأفضل من سابقيه، فسرعان ما أنهك وخارت قواه. وهكذا في مشهد يذكّر بعبارة وليام موريس، الكاتب الاشتراكي الإنجليزي في عمل "حلم جون بول"، حين قال: "حينما أتأمّل في كل هذه الأشياء، وكيف يناضل الناس ويخسرون المعركة، ثم يتحقّق ما ناضلوا من أجله بالرغم من هزيمتهم، فيما يتبيّن لهم أن هذا ليس هو ما ناضلوا من أجله، وأن على أناس آخرين أن يناضلوا من أجل ما قصده أولئك السابقون تحت اسم آخر"!

لقد كانت البدايات مفعمة بالأمل، إلا أن النهايات كانت تعمّم ذلك الإحساس العام بالخيبة والإحباط وبأن شيئاً حقيقياً لم يتحقّق، وبأننا قد وصلنا إلى نهاية الطريق المسدود، وكأن كل مسافات السباق الطويلة على مدى قرنين كاملين لم تكن إلا مراوحة في نفس المكان، فلا النهضة تحققت ونقلت مجتمعاتنا إلى مجتمعات متمدنة ومتحضرة، ولا الثورة جاءتنا بالديمقراطية، ولا الرهان على المجتمع المدني تمكّن من التحويل الديمقراطي لهذه الدول التسلطية.

106 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email