“اذهبْ داخل نفسك:”عن «رسائل ريلكه إلى شاعر شاب»



سبق أن قرأتُ «رسائل ريلكه إلى شاعر شاب» قبل أكثر من عشرين عاماً. ولا أذكر بالضبط إن كانت متضمنة في كتاب، أم متفرقة في مجلة، ونسيتها تماما. في الأيام الأخيرة عثرت على ترجمة جديدة للكتاب، فأحببت اكتشاف الرسائل مجدداً. شعرت، مستذكراً، بعض الملاحظات التي أحب استعادتها، في صيغة تساؤلات أيضاً. ثمة العلاقة الغامضة بين الشاعر المبتدئ وتجربة شاعر آخر. فقد كدنا نفقد مثل هذه العلاقة. أحياناً أخشى أن يكون جيلنا هو آخر من يلتفت باحترام لمعلميه.


٭ ٭ ٭

حميمية رسائل ريلكه تشي بالرغبة الفتية للبوح لدى الشاعر، وهذا نزوع أغنى النصوص كموضوع عام، يتجاوز المرسِل والمرسَل إليه، وربما هذا ما جعل الرسائل تنطوي على تشويق ما. غير أن عمومية المضمون، في تقديري، طاشت في فضاءات رحبة، لتتجاوز فكرة الرسائل وطبيعة الشاعر الشاب.


قاسم حداد

٭ ٭ ٭

ظني أن شطح البوح، الذي تجلى في الرسائل، فاض على الشاعر الشاب، حتى أنه اكتفى من ريلكه بالرسائل، وتخلى عن فكرة الكتابة، فتنازل عن مشروع الشاعر الشاب الذي كانَه. حتى أننا لم نعرف الكثير عن فرانز أكسافير كابوس، وهو اسم (الشاعر الشاب)، بعد ذلك. أكثر ما نعرفه عنه أنه كان تلميذاً في الكلية العسكرية، التي سبق للشاعر ريلكه الدراسة فيها، وتيسر للشاعر الشاب أن يكاتب الشاعر الشهير ريلكه. تلك كانت شهرته الشخصية أكثر من كونه شاعراً، وفي موقع «يوكيبيديا» إشارة إلى انهماك الشاعر الشاب كابوس بالعمل الصحافي كمحرر ورئيس تحرير لأكثر من جريدة، وأنه أصدر عدداً من الروايات، من بينها: «الناجون الأربعة عشر» و»السوط في الوجه» و»مارتينا والراقصون» و»الهروب إلى الحب». وقد عُرف كابوس خصوصاً بوصفه كاتب سيناريو، طوال النصف الأول من القرن العشرين.


٭ ٭ ٭

غير أن الشاب كابوس لم يواصل كتابة الشعر بحماس كتابته للسيناريو والرواية، التي يبدو أنها استغرقته فوجد نفسه في عالمها. وأخشى أن البوح الفائض الذي طاشت به رسائل ريلكه، دفع الشاعر الشاب إلى الفرار من رغبة كتابة الشعر، خصوصاً أننا لا نعرف شيئاً عن أصول رسائله الخاصة إلى ريلكه. ثمة غياب غامض لرسائل الشاب، دون أن نكون مجبرين على قبول حجة عدم أهميتها الأدبية. أكثر من هذا، فإننا بالكاد نعثر على أي إشارة مباشرة لحديث ريلكه عن تجارب ونصوص ما كان يكتبه كابوس من شعر. حتى أننا نريد أن نصدّق بأن ثمة شاعراً شاباً كان.


٭ ٭ ٭

فقط، في بداية رسالته الأولى، يشير ريلكه إلى عدم تمكنه من مناقشة أبيات كابوس، بل إن ريلكه، في إشارته تلك، يكاد ينفي الطابع الذاتي من أبيات الشاعر الشاب، ليواصل منخرطاً في البوح الوعظي العام، بعيداً عن الكتابة. أنا، لو كنت مكان الشاعر الشاب، سوف لن أجرؤ على الكتابة بعد ذلك. لقد كان يقول له: «اذهبْ داخل نفسك. على الأقل، لن أكتب الشعر إلا إذا شعرت بأنني سأموت إذا لم افعل ذلك، حسب نصيحة ريلكه. الرسالة الأولى فقط تخاطب شاعراً كمشروع محتمل. ولا أعرف، لماذا يتوجب علينا كقراء اعتبار مواعظ ريلكه الإنسانية العامة، تقتصر على مخاطبة (شاعر شاب). الشاعر، لن يحتاج للنصائح، والشاب، سوف يشيخ سريعاً إن هو لم يكتب. ربما أبدع ريلكه في عرضه الفلسفي الإنساني، الذي أصغى له الشاب كابوس، واعتنى بنشره كما ينبغي. لكن يبدو أن ذلك كله لم يشجع الشاب على الشعر، فوجد ذاته في كتابة أخرى.


٭ ٭ ٭

في مقالة نادرة بقلم بولا مارفيللي، قام بترجمتها الصديق أمين صالح، نجدها تتطرق إلى كتاب الرسائل مستشهدةً بمقاطع طويلة من الرسائل، كما أشارت إلى أن للشاعر الشاب كتابات في الشعر والرواية والسيناريو، لكنها لا تشير، على التعيين، لإحدى هذه الكتابات، مما لا يساعد بحثي عن نصوص منشورة لكابوس. فأتمنى على من يعثر على نصوص شعرية من تأليف الشاب كابوس إبلاغي بالأمر لكي ألاحظ معه الفائدة الأدبية التي استقاها من رسائل ريلكه إليه.

٭ ٭ ٭

ومن يقرأ ريلكه، من يعرفه، يمكن أن يتفادى كتاب (الرسائل) دون أن يخسر شيئاً. هذا مجرد اقتراح، لكي نعتبر النبيذ أجمل من الحقل.


62 عرض