اكذب، ثم اكذب، حتى يصدقك الناس


خفايا الحرب الفيتنامية



الحقيقة هي أولى ضحايا الحروب، والحروب خدعة، وتضليل، وزيف، وتعتيم على الحقائق، وخلطٌ هائلٌ بين الواقع والخيال،

كلّ الحروب مهّد لها بالكذب، وكان الكذب دائماً مقدمة للشرور التي هزت العالم؛ فمنذ أن عرفت البشرية فكرة القتل الجماعي جرى استخدام الكذب والوسائل النفسية للتأثير على العدو ولإخافته، ولزرع الرعب في النفوس قبل بدء المعارك.

وفي العصر الحديث باتت الوسائل التكنولوجية في مجالات علوم الاتصال والإعلام هي الأشد تأثيراً وقدرة في مجالات الحرب.

في عام 500 قبل الميلاد كتب (سان تسو) في كتابه "فن الحرب": (إن العمليات النفسية والمخابرات تعدّ من أهم أركان القوة، سواء في وقت السلم أو الحرب، لأن هذين السلاحين لهما الدور الفعال لدعم القوى العسكرية في الاستيلاء على ممتلكات عدوه بكل ما فيها، بدلاً من تدميرها وخسارتها، بعد أن يتعرف على السلبيات النفسية لدى عدوه، ويلعب عليها حتى يستسلم).

وكان (الإسكندر الأكبر)، الذي غزا كل العالم في عصره عام 300 قبل الميلاد، يستخدم هذا السلاح النفسي لكي يبث الرعب في جنود الأعداء، من خلال نشر الإشاعات عن براعته وشجاعته وبسالته في القتال، وكان يأمر حاملي الدروع بأن يحملوا معهم دروعاً إضافية عملاقة، لشخص ضخم يبلغ طوله حوالي مترين ونصف، وأثناء الليل تترك هذه الدروع والخوذات العملاقة في ميدان المعركة، بحيث يظهر لعدوه قبل لقائه، فينزل في نفوسهم الرعب ويستسلموا.

واستخدم (جنكيز خان) في عام 1258 قوافل التجار وكلفهم بنقل أخبار كاذبة عن جيشه وقوته وبطشه، واستطاع أن ينزل الرعب في جيش الأعداء، ويضعف معنوياتهم قبل غزوهم.

أما القائد الفرنسي (شارل مارتل) فقد استطاع أن يوقف تقدم الجيش الإسلامي نحو نهر اللورد بفرنسا، بأن أوصى جواسيسه بنشر شائعة سرقة الغنائم التي جمعها المسلمون من خيامهم؛ فتفرقوا نحو مكان الغنائم وكانت الهزيمة.

في الحرب العالمية الأولى انتشرت الإشاعات والقصص الملفقة التي كانت تقول إن الألمان يقطعون أيدي الأطفال، وأنهم يغلون جثث الموتى، ويصنعون منها الصابون، وأنهم يصلبون أسرى الحرب.

وفي الجانب الألماني كانت تنتشر شائعات تقول إن الحلفاء يستخدمون الغوريلات والبشر المتوحشين من أفريقيا وآسيا لقتل الألمان.

وتعتبر الصورة التي تظهر جندياً سوفييتياً يلوّح بعلم المطرقة والمنجل فوق الرايخستاغ في برلين، من أشهر الصور المزيفة في الحرب ضد النازية، فقد اعترف المصور (يافينجي خالدي) بإخراج الصورة وتوجيه جنديين روسيين هما الجورجي (ميليتون كنتاريا) و(ميخائيل بيغوروف)،حتى انه جلب للعسكري العلم ليلوّح به من أعلى البناية، وأزال ساعة من يد العسكري الذي يمدّ بالعلم لزميلة بناءً على تعليمات رئيس تحرير مجلة (أوغانيوك)، والذي لاحظ ارتداء الرقيب (عبدالحكيم اسماعيلوف) لساعتين في يديه مما يعني سرقته لواحدة منهما.


جندي سوفييتي يلوّح بعلم المطرقة والمنجل فوق الرايخستاغ في برلين، من أشهر الصور المزيفة في الحرب ضد النازية

وضمن التحقيق في خفايا الحرب الفيتنامية اعترف (دانيال إيلسبرغ) بأنه بناءً على تكليف القيادة السياسية والعسكرية في وزارة الدفاع الأمريكية، عكف في عام 1965على إعداد مجموعة من القصص المزيفة التي تتهم الفيتناميين بارتكاب المجازر، وكان الهدف من ذلك هو تبرير استخدام أسلحة التدمير الأمريكية ضدهم، وقد اعترف الرجل بأن كل القصص التي أعدها، وروجتها وسائل الإعلام الأمريكية لم تكن صحيحة، وكانت جميعها من صنع مخيلته.

الصورة المزيفة كانت دائماً وسيلة من وسائل الماكينة الإعلامية الدعائية، وسيتذكر العالم طويلاً قرار (ستالين) الشهير بمحو صورة القائد الثوي (تروتسكي) من أرشيف الثورة البلشفية في روسيا، أما في عصرنا الحالي حيث الكاميرا الرقمية أصبحت وسيلة أرخص وأسرع وأسهل لنشر الصور والتلاعب فيها لأغراض سياسية ودعائية كاذبة، فإن الماكينات الإعلامية تتلاعب في تعتيم الحقيقة عن الرأي العام، فبإمكان الصور المزيفة أن تظهر الرئيس الأمريكي يخطب في حشود مزيفة تم تضخيمها مرات عديدة، أو أن تتلاعب صحيفة لوس أنجلوس في عام 2003 في صور الجنود البريطانيين في البصرة، أو أن يقدم وزير الخارجية الأمريكي السابق (كولن باول) في خطابه أمام مجلس الأمن في فبراير 2003 لمجموعة من صور الأقمار الصناعية المفبركة عن مختبرات بيولوجية عراقية، متهماً العراق بامتلاكه أسلحة دمار شامل، يمكن أن تصل إلى المدن الغربية خلال 45 دقيقة، ومن ثم يستخدم هذه الصور لتبرير الحرب على العراق، وللتأثير على الرأي الأمريكي والبريطاني.


ليون تروتسكي

من الأمثلة الأخرى على استخدام الصور المزيفة أنه عندما زار (جورج بوش) العراق في عيد الشكر، تم وضع صورة مزيفة لديك رومي في حين كان الجنود يأكلون من الوجبات اليومية المعتادة، كما أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لديها تاريخ طويل في فبركة الصورة مثل صور الحشود العراقية على الحدود السعودية في عام 1990، وصور القواعد العسكرية في غرينادا، والادعاء بوجود مقاتلات ميغ السوفياتية في نيكاراغوا في منتصف الثمانينيات.

يذكر مؤلف كتاب (الصدمة والرعب) الصادر في أواخر عام 1996 أن حروب المستقبل ستدار أساساً بالإعلام أكثر من أي سلاح آخر، وأن نشر الرسالة الإعلامية على أوسع نطاق سيربك العدو ويشتت قدراته، ويحقق النصر النهائي، لذا تعتمد الحكومات اعتماداً كبيراً على الشركات الضخمة للدعاية والإعلام والعلاقات العامة، فهي تنظم المظاهرات الزائفة، وتروّج لبرامج الأحزاب السياسية، وتنشر أكاذيبها في المواقع الألكترونية. وفي حالة الحرب على العراق سخرت الرموز الثقافية الأمريكية واستوديوهات السينما وحدائق الترفيه، والمراكز الرياضية والمطارات والموانيء والجسور والمقار الرئيسية للمؤسسات الاقتصادية الكبرى لتعبئة الشارع الأمريكي لقبول فكرة الحرب تحت إطار ما يسمى بالحرب على الإرهاب مستثمرين تداعيات الحادي عشر من سبتمبر 2001.


هيرمان غورينغ مؤسس الجهاز السري (الجستابو)، وقائد قوات الطيران الألمانية، خلال الحرب العالمية الثانية.

يقول (هيرمان خورينك) اليد اليمنى لهتلر عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية: "بالطبع لا يوجد هناك شعب يعشق الحرب، لكن القادة يستطيعون كسب عقول الناس وقلوبهم، إذا أحسنوا ممارسة سياسة إعلامية ناجحة موجهة لذلك الشعب".

في وقتنا الحالي أصبح الزيف أكثر تعقيداً من قبل، فكل الأطراف بدأت تتلاعب بالصور الفوتوغرافية، ومثال على ذلك قام تنظيم القاعدة في الفلوجة بنشر صورة مفبركة لجنود أمريكان يغتصبون سيدة عراقية، ونشروا صوراً لعناكب عملاقة قالوا إنها ستمنع دخول قوات الاحتلال إلى الفلوجة.



وكشفت وكالة رويترز أن المصور اللبناني (عدنان حاج) زوّر صورتين من صور العدوان الإسرائيلي على لبنان، باستخدام برنامج الفوتوشوب، إحدى الصورتين كانت للضاحية الجنوبية بعد هجوم إسرائيلي في 5 أغسطس 2006، وقام المصور بمعالجتها حتى يضمنها سحابات دخان أكثر قتامة، والصور الأخرى كانت لشعلة قذيفة، تسقط على الجنوب اللبناني من طائرات حربية إسرائيلية فجعلها ثلاث شعلات، واضطرت وكالة رويترز إلى سحب الصورتين ونشر الأصل بدلاً منهما، واضطرت إلى طرد المصور ومحو جميع صورة (920 صورة) من أرشيفها.

في عام 2015 نشرت مجلة (ناشيونال ريفيو) مقالة عن الاشتراكية في فنزويلا، وتضمنت المقالة صورة تظهر رفوف متجر فارغة من البضائع، وعنونت المقالة (اسأل الفنزويليين ماذا فعل نظام ساندرز الاشتراكي بهم) لكن الحقيقة أن صورة الأرفف الخالية التقطت في ذروة إعصار (ريتا) عام 2005 من قبل المصور (جاي جاينز) الذي أظهر قسم اللحوم في الممر 35 من أسواق (والمارت) فارغاً تماماً من البضائع.


٥٧ مشاهدة