الأب جالسٌ على غيمة ينتظر




الأب هو شخصٌ تجتمع فيه صلابة الجبال، وعظمة الأشجار، وصفاء السماء، ودفء الشمس، وسكون الليل، وحكمة السنين، وبهجة الصباح في الربيع، وقوة النسر، وصبر الدهر.

هو يدمدم بشفتيه حين يكون سعيداً، ويضحكُ بأعلى صوته حين يكون خائفاً إلى حد الموت، هو يعطي ولا يأخذ، يكتم الشكوى ولا يذرف الدمع. يمثل دور القوي الصلب في حين ترتعد فرائصه خوفاً بالداخل.

هو المشرّع، الملجأ الآمن، ولكن في نظر طفله لا يستحق أن يصل إلى مراتب التبجيل، وفي نظر ابنته لا يستحق أن يكون البطل الذي تحلم به، وفي نظر ابنه ليس المثل الذي يقتدي به في الحياة. وهذا ما يثير قلق الأب، لذا فهو يعمل بكد كي يعبّد الطريق الوعر لأولئك الذين يتحمل مسئوليتهم.


الروائي عبدالقادر عقيل

الأب هو شخصٌ يُجبر أحياناً على الذهاب إلى ساحات الحرب. أو يُجبر على الهرب منها. أو تكون الحرب عمله الوحيد في الحياة، معتقداً أن العالم سيكون مكاناً أفضل لأطفاله وليس له.

الأب يشيخ بسرعة، لأنه، في حروبه اليومية الأخرى، عليه أن يقف في محطات القطار ملوحاً بيده مودعاً أحبابه، وفي حين تستطيع ألأم أن تظهر دموعها متى ما طفرت، يظهر الأب جلداً خارجياً بينما هو يموت بالداخل.

الأب هو شخصٌ يسلم ابنته، بكل استسلام، إلى رجل آخر، ولا ينتظر منهما سوى أن ينجبا طفلاً لا يشبهه أحد.

الأب يحارب التنين المتوحش في كل يوم، هو أول من يسرع للدخول إلى حلبة الصراع اليومي، الذي عادة ما تكون على هيئة مكتب أو مصنع أو حقل. إنه يواجه حربه مع التنين وعادة لا ينتصر في حروبه اليومية، ورغم الإنهاك اليومي، والعمل المضني، والرتابة القاتلة إلا أنه لا يتنازل أبداً.

الأب هو شخصٌ يخشى المرض، والبطالة، والشيخوخة، والعجز، وحين ترتفع روحه إلى السماء سيجلس على غيمة منتظراً الفتاة التي أحبها، والأطفال الذين أنجبتهم، وسيكون منشغلاً، طوال يومه، بتزيين النجوم، وفتح الأبواب، وتعبيد الطرق الوعرة لأسرته.

125 مشاهدة