الأسود البشرة في ضوء النقد الثقافي




يعد كتاب الناقد الدكتور (نادر كاظم) (تمثيلات الآخر صورة السود في المتخيل العربي الوسيط، ط1، 2004م) من روائع الدراسات النقدية العربية في هذا المجال؛ هذا لأنه اشتغل على مفاهيم النقد الثقافي الذي يحفر عميقا في المتواري من خطابات اندرج بعضها في المؤلفات التي سوّق أصحابها فكرة التعاطي مع هؤلاء، وكيفية التعامل معهم، عبر صفاتٍ ذميمة تخرج بهم عن إطار البشر، إلى إطار البهائم من الحيوانات، من كتب تاريخ وجغرافيا ورحلات، وكتب أدبية تضمنت أخبارًا وأحاديث عن سلوكيات السود من البشر، فضلا عن الشعر العربي الذي قيل فيهم، أو الذي صدر عنهم بوصفه تمثيلاً مضادًّا - بحسب تعبير الناقد- تؤتي أُكُلها، في تركيز صورة ذهنية/ نمطية في مخيال الجماعات عن هذه الفئة من البشر؛ لتسويغ طريقة مستهجنة - فيما لو تُعرض على موازين الشرع أو العقل- للتعامل معهم، على عادة "العقلاء" في "شرعنة" الأساليب التي ينتهجونها للتعامل مع الٱخر المُستٓضعٓف؛ الأمر الذي أباح للناقد أن يستعير أدوات النقد ما بعد الكولونيالي ومفاهيمه من قبيل: الهجنة، الهيمنة، التمثيل، الاختلاق .. الخ ولأن المعرفة - في منظور النقد ما بعد الكولونيالي مستفيدا من طروحات ميشال فوكو- سبيلٌ لاحتواء الٱخر، وجعله مكشوفًا من كل الجهات ومفتوحًا على مصاريعه للجهة العارفة/ الخبيرة، بما يعزِّز قوتها، ويشرعن لها فرض سلطتها وإرادتها على الٱخر المُستضعٓف، وهذا ما أكده ماركس في (برومير الثامن عشر للويس بونابرت) بقوله: ((إنهم عاجزون عن تمثيل أنفسهم، ينبغي أن يُمثّٓلوا)) كان للناقد نادر كاظم، أن يقف عند تلك الخطابات التي تناثر بعضها في مدوّنات الرحّالة من العرب (مثل رحلة ابن فضلان، ت: 960م)، وفي مدونات كتب الجغرافيا، وبعضها في كتب التاريخ (مثل: مروج الذهب للمسعودي: 346هـ)، او التي جمعت بين التاريخ والجغرافيا مثل (ٱثار البلاد وأخبار العباد) للقزويني (ت: 682هـ) وكتب الأنساب، فضلا عن كتب اللغة والبلاغة،


الدكتور نادر كاظم

وكتب تفسير القرآن والأحاديث النبوية، بل حتى الكتب التي يظهر من عنوانها تحيّز مؤلفيها للبشرة الداكنة مثل (فخر السودان على البيضان) ضمن رسائل الجاحظ (ت: 255هـ) كل تلك الخطابات المتناثرة هنا وهناك تمثلُ مسرحًا واسعًا لاشتغال الناقد نادر كاظم في تقصِّيه الصورة النمطية للسود، وما يقف وراءها من مرجعيات اجتماعية، ودينية، باعتبار أن المخيال الجمعي، لا يقتصر نسيجه على خطابٍ من دون ٱخر، بل ينفتح بطبيعته التكوينية على جميع الخطابات المتداولة عبر (الفضاء العام) فتشترك مرجعيات عدة نختصر عنوانها بالثقافية؛ لكون الثقافة بحسب تعريف تايلور في كتابه "الثقافة البدائية" الصادر عام 1871 بأنها "تلك الوحدة الكلية المعقدة التي تشمل المعرفة والإيمان والفن والأخلاق والقانون والعادات، بالإضافة الي أي قدرات وعادات أخرى يكتسبها الإنسان بصفته عضواً في مجتمع"، وليس بعيدًا أن يتّكئ مفهوم المتخيل الثقافي على المفهوم العام للثقافة، فيُستخدم ((بوصفه ذاكراً جمعيةً، وخزّانًا رمزيًّا، وشبكةً واسعةً من الصور والثيمات والمرويّات والخطابات والقيم والرموز المتداخلة،

والتي هي بمثابة الإطار المرجعي لهوية المجتمع الثقافية)) [تمثيلات الٱخر: 39] إذن لم يكن الناقد نادر كاظم، في تقصّيه صورة الأسود عبر كل تلك الخطابات في تراثنا العربي على اختلاف مشاربه المعرفية، على نحوٍ من الترف العقلي، بل لأنّ كل تلك الخطابات تصنع باندماجها نسيج تلك الصورة في المخيال الجمعي، ومع ذلك لم يقف عند جميع الشواهد التي اشتملتها الظاهرة، بل ثمة شواهد كثيرة فاتت المؤلِّف الوقوف عندها، أو أشار إلى شواهد أُخَر من التراث باختصار من دون إخضاعها لمشرط التحليل؛ لوقوفه على ما يُماثله في هذه الدراسة، والوقوف على جميع الشواهد إنّما هو أمرٌ يخرج عن حدود السيطرة لأي دراسة أكاديمية محكومة بضوابط العُرف الأكاديمي في البحث العلمي، ومن الشواهد التي نجد فيها اختزالاً لصورة الأسود، التي كان للمؤلِّف أن يعقّب عليها باختصار، ما ورد في كتب المقاتل عن (جون) أحد الذين برزوا للقتال دفاعًا عن الإمام الحسين (ع) في كربلاء، إذ يروي صاحب (الملهوف على قتلى الطفوف) الخبر: ((ثم برز جون مولى أبي ذر، وكان عبداً أسوداً. فقال له الحسين: «أنت في إذنٍ مني، فإنما تبعتنا طلباً للعافية، فلا تبتل بطريقنا» فقال: يا بن رسول الله أنا في الرخاء ألحس قصاعكم وفي الشدة أخذلكم، والله إن ريحي لمنتن وإن حسبي للئيم ولوني لأسود، فتنفس علي بالجنة، فيطيب ريحي ويشرف حسبي ويبيض وجهي، لا والله لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم. ثم قاتل حتى قتل، رضوان الله عليه فوقف عليه الحسين عليه السلام وقال: اللهم بيِّضْ وجهه، و طيِّبْ ريحه، واحشره مع الابرار، وعرِّفْ بينه وبين محمد وآل محمد)) يمرُّ القارئ – والسامع أيضًا لما يُتلى عليه من أخبار يوم عاشوراء في الذكرى السنوية من كل عام- على هذه الرواية، مؤبِّنًا موقفَ هذا الشجاع الذي ضحّى بنفسه لأجل أنْ يقي الإمام الحسين ويُدافع عنه، ولكنه لم ينتبه - عبر هذا الخطاب- أنّه تمَّ تنميط الأسود، بعدَّة صفات لا يحق لصاحبها أنْ يتمرَّد عليها ويخرج من شرنقتها، فيكون إنسانًا له الحق في اختيار الموقف الصواب الذي يُخلِّدهُ، وبحسب تعبير الدكتور نادر كاظم معقّبًا على هذا الخبر ((فمن كان أسود اللون فذلك قدْرُهُ وقدَرُهُ، ومن تغيّر لونهُ إلى السواد فذلك بما اقترفته يداه من كبائر الإثم والذنوب)) [تمثيلات الآخر: 140] بل يُراد له أنْ يبقى

ميشال فوكو

رهين الصورة النمطية (الخدمة) التي تفترض أنْ يكون صاحبها مُؤثِرًا مصلحته الشخصية على مصلحة من يخدمهُ، ثم لم يكتفِ الخطاب بذلك، بل أضاف له عبر اعتراف ذلك العبد بوصفٍ هو ألصق بالكلب من الحيوانات، وهو (لحس القِصاع) ممّا يُضفي عليه دلالة المهانة، ثم أضيفت رتوشٌ أُخَر على تلك الصورة التي رسمها الخبر بدقّة، بدأت باعتراف العبد أنَّ ريحه مُنتِنٌ، وبحسبه اللئيم – دلالة على وضاعته- ولونه الأسود، وتمضي الرواية إلى آخر المشهد، بوقوف الإمام على مصرعه، داعيًا له بما كان يتمنّاه ذلك الأسود، من أنْ يبيضَّ وجهُهُ، ويطيب ريحُهُ.. وهذا الخبر يُوافق المتخيّل الجمعيَّ عمّا راكمه من صورٍ عن الأسود البشرة، ولا يهمُّه بعد ذلك من أنْ يكون مثل هذا الخبر فيه ما فيه من دلالة الإدانة لفعل الإمام الذي يعدُّ الأكثر فهمًا للدين الذي أرسى مبادئ المساواة وذلك فيما ورد في القرآن الكريم، وهو قوله: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)) [الحجرات: 13] فضلا عن الحديث النبوي المعبِّر هو الآخر عن مُراد الوحي، وما قول النبي : ((أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى)) إلا دليل يؤكّد تطابقه مع النص القرآني، أما الأخبار فهي ليست معنيّة بمطابقتها تلك المضامين الإسلامية، بقدر ما تعمل على صياغة المتخيّل الجمعي لصورة الأسود باعتباره محدودًا بهذه السمات الدنيئة في سلَّم القيّم لا غير، وينطبق على هذا المورد ما ذكره الناقد نادر كاظم في تحليله خبرًا عن الإمام الرضا فيه ما فيه من تقويلٍ له ينسبُهُ إلى (أكاذيب الثقافة) وذلك حين ((تلجأ الثقافات إلى الكذب لتعزيز أعرافها ودعم فرضياتها واعتقاداتها [...] ومن هنا فهذه الحكاية من أكاذيب الثقافة على المستوى الواقعي الفردي الذي يقوّل علي بن موسى بهذا الرد، لكنها صدقٌ من حيث مطابقة الحكاية والرد لأعراف الثقافة واعتقاداتها وفرضياتها الجماعية)) [تمثيلات الآخر: 128] ولهذا نجد (جون) في الخبر آنفًا ليس من حقِّه أنْ يتمرّد على تلك الشرنقة التي وضعه فيها ممثِّلو الثقافة المهيمنة من ذوي البشرة البيضاء، ومعلومٌ أنَّ الثقافة المهيمنة ((تتحدّث بصوتٍ واحد، وهي تحتكر سُبُل الحديث، وتسعى إلى امتلاك أدوات التمثيل امتلاكًا كلّيًا، بحيث لا تُتيح فرصةً لأي صوتٍ مُعارض آخر أنْ يستفيد منها في تمثيل ذاته بذاته)) [تمثيلات الآخر: 450] وإذا سَمَحت تلك الثقافة الأحادية التي بيدها صناعة الرأي العام وتدشين المتخيّل الجمعي للأمّة، للآخر المختلف عنها، فهو سماحٌ مرتهنٌ برضا تلك الثقافة عمّا تُمرِّرهُ لخطاب الآخر (الأسود) ولأنه يؤدّي خدماتٍ جليلة في ركاب الثقافة المهيمنة بما يُرسِّخ من هيمنتها، ويوسِّع من امتداده، فتتبنّاه ويكون حينها شاهدًا تقوِّي به سلطة خطابها في تمثيل الآخر من باب (وشهد شاهدٌ من أهلها)، وهو بالضبط ما نلمسه في خطابات المستشرقين الذين يحرصون كل الحرص في مدوّناتهم على توثيق الصور أو المعلومات التي تؤكِّد للرأي العام أنَّ الآخر (المستَعمَر) بحاجة للمستعمِر، ويرى فيها المثال المشرق لقيم الإنسانية والتسامح؛ لأجل تسويق ذلك الخطاب، وفرض مشروعية على مجمل سياستهم في العالم، فكلُّ ما ذُكِر عن الأسود في الخبر السابق لم يكن إلا اعترافًا من الأسود – صاحب الشأن- بهذه الصفات اللصيقة به تكوينًا بما يميّز هويته عن الآخر (الأبيض) وعليه لا يحقُّ له إلا أنْ يكون تابعًا ذليلاً يستحقُّ تلك النظرة المُغرقة في دونيّتها من صاحب البشرة البيضاء، وليس له من أمنيات – يستحيل تحقيقها في الدنيا لكونه من سنخ تكوينه- في الآخرة، إلا أنْ يكون ريحُهُ طيبًا، ولونُهُ أبيضَ مثل لون بشرة "أسياده" من البشر، والمتأمِّل في الخبر، يتأكّد لديه أنَّ هذا العبد لم يختر هذا الموقف، لظلامةٍ رآها وقعت بحق مولاه، أو لدينٍ يدفعه لنيل الشهادة، بل لأجل أنْ يكون ذلك الموقف سبيلاً لتحقيق ما يتمنّاه من تغيير لون بشرته وريحه العطِن الذي سئم الحياة وهو في هذه البشرة وهذا الريح الذين لن يفارقاه، وبهذا كان الخبر محبوكًا بدرجة عالية من الذكاء،

كارل هانريش ماركس

حيث سمح له بالنفوذ عبر الخطاب التاريخي الذي يُحيي ذكره المسلمون كل عام، غاضًّا الطرف عن موقف الإمام الذي يظهر لنا في الرواية مقرِّرًا كل هذه الصفات التي أدلى بها العبد، وليس ثمّة من يُذكّره بما للإسلام من موقفٍ يؤكِّد المساواة بين جميع الناس، ويستهجن كل الخطابات العنصرية، ويقف منها بالضدِّ تمامًا..! وكأنَّ الإمام – عبر هذا الخبر الساكت عمّا ينبغي له أنْ يكون من موقفٍ إسلامي/ إنساني- يُسلِّم بهذه الفروق..! ويقينًا للمُنصِف أنْ يقطع بأنَّ للإمام الحسين خلاف هذا الموقف، بما ينسجم وموازين الشرع والذوق الإنساني الرفيع الذي تحلّى به رموز الإسلام وقادته. ولكن التاريخ - كما هو معلوم- في أخباره ومرويّاته، لم يكن معصومًا من التلاعب فيه بما ينسجم وذوق العامّة من الناس، ناهيك عن إرادة السلطة التي تسعى بكل ما لديها من قوّة، لتجعل من التاريخ شاهدًا يلبّي رغباتها، ولعل واحدة من تداعيات مثل هكذا مرويات في ذهن المخيال الجمعي للناس، أنْ تعمل على ترسيخ الصورة الدونية لذوي البشرة الداكنة، وجعل سواد بشرتهم سُبّةً للنيل منهم، وقد لا تقتصر هذه السُبّة على العامة من الناس، ممّن لا حظّ له في الثقافة الدينية، بل تجدها كذلك عند من يدّعي العلم والثقافة الدينية؛ لأنّه يستمد مشروعية هذه السُبّة من هذا الخبر الذي ينمّ عن إدانةٍ واضحة لأصحاب البشرة السوداء، وأنَّ إمامًا رفيع الشأن في الإسلام، يدعو لصاحب تلك البشرة بأنْ يخلِّصه الله من تلك البشرة وتلك الرائحة الكريهة اللصيقة بتلك البشرة، لدليلٌ واضحٌ يأخذه كل من يرى في ذلك الموقف إدانة لكل من كان على هذه الصفة، فيُطلقُها سُبّةً تندرج بين صفاتٍ أخلاقيةٍ ذميمة لا يختلف أحد على كون تلك الصفات خارجة عن إطار المسلم الملتزم دينيًا أو الإنسان السويّ في أخلاقه وسلوكياته، وهذا ما يؤكِّد لنا أهمية هذه الدراسة التي اشتغلت على كشف الأنساق الثقافية المتوارية عبر الخطاب الذي اشتغل الناقد نادر كاظم على قراءته وفق مقتربات النقد الثقافي، بما يؤكّد خطورة ذلك النسق، وقدرته – بحسب الغذامي- ((على تحويل أي خطاب، مهما كانت إنسانيته وكلّيته، إلى تحويله إلى نصٍّ مجيّر لمصلحة النسق وحسب منطقه [...] من أجل إعطاء المعاني الثقافية النسقية قوةً قدسيةً ومن ثم تأكيد وظيفتها وإدامة تأثيرها)) [تمثيلات الآخر، المقدمة: 10] وبهذا تكتسب دراسة الناقد نادر كاظم؛ بما اشتغلت عليه من مفاهيم النقد الثقافي، ومن تراثٍ معبّأ بالجميل بلاغيًا ولكنه يُضمر خطابات الكراهية والعنف والإقصاء الرمزي، أهميةً قصوى، بما ينبغي للناقد الحصيف من الوقوف عليها والتنبيه على خطورة استفحال تلك الأنساق في تلك الخطابات.