الأصنام الإلكترونية



سيأتي يوم بعد عقد من الزمان لنحكي عما عاصرناه في زمن جائحة كوفيد - 19 من خلال فايروس كورونا، كل تلك التجارب والظروف التي أجبرتنا لتغيير الكثير من أساسيات حياتنا، سنحكي عما كان بديهياً بالنسبة لنا وأصبح مختلفاَ بطريقة جذرية، عن أسلوب الحياة اليومي، وعن الروتين المعتاد بدءاً بالعمل والمدارس واللقاءات والسفر وغيره الكثير، كل ذلك تغير رغماً عنا بسبب تلك الجائحة.

فرض التباعد الاجتماعي والحجر في بعض الدول، أصبح العمل من المنزل هو الخيار المتاح والأنسب، تحول التعليم النظامي إلى تعليم عن بعد ونجح الطلبة- البعض منهم وليس الجميع - دون تقديم امتحانات حقيقية، وتم اعتماد تقييم الفصول السابقة ومراعاة الطلبة بجميع أعمارهم ومستوياتهم فلم يكن في الحسبان هذا التحول السريع.


الدكتورة مياسة سلطان السويدي

كشفت تلك الظروف عدم استعداد بعض الهيئات للتغيير المفاجئ، وتميز البعض الآخر بنجاح منقطع النظير بفعل الإدارة الناجحة ووجود القائد المتمكن من التصرف في الأزمات، وبعد انتهاء فصل الصيف وتوقع عودة المدارس والجامعات إلى سابق عهدها، استمرت (الكورونا) في الانتشار وتم إقرار التعليم عن بعد في غالب المؤسسات التعليمية حفاظاً على صحة الطلبة.


التعليم التفاعلي


التعليم الإلكتروني الذي أصبح ضرورة حتمية بسبب الوباء، بل وقبل تلك الجائحة لارتفاع عدد الطلبة وضرورة إدخال النظم التعليمية الحديثة لتطوير الأسلوب التقليدي بآخر يواكب العصر الحديث، التعلم عن بعد يعتمد على الحاسب الآلي والتطبيقات في فصول افتراضية، وأحد أهدافه تحويل العملية التعليمية من طور التلقين إلى طور الإبداع والتفاعل، فهو نظام تفاعلي يقدم للمتعلم المحتوى الدراسي باستخدام تكنولوجيا الاتصال والمعلومات ويعتمد على بيئة رقمية متكاملة لعرض المقررات عبر الشبكات الإلكترونية.

تكمن أهمية التعلم الإلكتروني في حل مشكلة الانفجار الرقمي والإقبال المتزايد على التعليم وتوسيع فرص القبول والتسجيل، بالإضافة إلى تمكين وتدريب المتعلمين دون الحاجة إلى ترك منازلهم أو موطنهم والمساهمة في كسر الحواجز النفسية بين (المعلم والمتعلم)، وإشباع حاجات وخصائص المتعلم مع رفع عائد الاستثمار بتقليل التكلفة في العملية التعليمة، هذا ما يأخذنا إلى مفهوم التعليم الذاتي أو الفردي وترسيخ هذا المفهوم في عقلية المتعلم، فجميع المعلومات متاحة وسهلة الوصول لكن على المتعلم أن يبذل مجهوداً ذاتياً في اكتسابها وعدم الاعتماد الكلي على المعلم في إطعامه إياها كما تطعم الأم أطفالها.

لو استعرضنا بعض المشاكل التي تواجه هذا التحول للتعليم الإلكتروني واستمعنا جيداً لجميع الأطراف في العملية التعليمية، ستطول القائمة بكثير من الصعوبات متعلقة بالاتصال الإلكتروني من خلال الإنترنت وانقطاعاتها على سبيل المثال، أو عدم ملاءمة هذا النوع من التعليم لبعض الحالات التي تعتمد على التركيب كما في حالات الرسم والهندسة والرياضة التي تحتاج إلى تواصل مباشر مع المعلم، وصعوبات أخرى في مراحل التقييم للامتحانات والاختبارات والتأكد من شخصية المتعلم الذي يتم تقييمه، وكذلك عدم تمكن بعض العائلات ذوي الدخل المحدود من توفير أجهزة خاصة لكل من أبنائها، وغيرها الكثير من الصعوبات التي يمكن حلها بطريقة أو بأخرى.


ثقافة التعليم الإلكتروني


السؤال الأهم الذي يطرح نفسه، هل نمتلك تلك الثقافة الإلكترونية التي تمكننا من التطبيق الأمثل والواعي للتعليم الإلكتروني؟ قد تكشف لنا الكثير من المواقف عدم استعدادنا وعدم امتلاكنا لتلك الثقافة، فرض استخدام الكاميرات لتسجيل الحضور والتأكد من استماع الطالب للدرس والتفاعل بالمشاركة قد يتعلق بكشف عورة البيوت، وتصوير الأهل من الداخل في الغرف الخاصة وتسجيل الأحاديث المنزلية في غفلة من الطالب حينما ينسى الميكروفون مفتوحاً دون أن ينتبه، كسل بعض الطلبة واستسلامهم للنوم أثناء الدرس كما انتشر فيديو في وسائل التواصل الاجتماعي عن (شخير) طالب نسى ميكرفونه مفتوحاً واستسلم لقيلولة عميقة ليصدح (شخيره) في كافة الأجهزة وليحاول الجميع إيقاظه دون جدوى.

وشخصياً تعرضت في أحد الفصول الإلكترونية التي يتواجد بها ما يقارب الثلاثين طالباً جامعياً، وكاد التفاعل من قبل الطلبة أن يكون معدوماً رغم التشجيع المستمر لحثهم على استخدام المايك والحديث والتعليق على المادة المشروحة إلى أن وصلت لحالة من اليأس، ولكني قمت بتقديم الشرح دون أي مشاركة تذكر من قبل الطلبة، وكأني أتحدث إلى (أصنام إلكترونية) ومجرد صور تعريف متماثلة لا أستطيع أن أفرق بين طالب وآخر، وبقي التساؤل بداخلي: يا ترى ما الذي يمنعهم من التحاور والتفاعل المطلوب منهم والذي يفاجئني حين أصل إلى آخر المحاضرة فتنهال رسائلهم المكتوبة تشكرني في الدقائق الخمس الأخيرة.


تفاعل مشترك

بين الطالب والمدرس


من وجهة نظري الخاصة أن القصور ليس تقنياً ولا في قدرة المؤسسات التعليمية على توفير منصات التعليم عن بعد، إنما في التطبيق وتقبل واستيعاب عملية التعليم الإلكتروني بشكل أكبر، والتنويع بين (الإلكتروني المتزامن) والذي يتمثل في البث المباشر، ويتطلب الالتزام والتقيد بالوقت من قبل الطالب والمدرس الذي يجب أن يتواجد مع طلبته في ذات الوقت للمناقشة والحصول على تغذية راجعة مباشرة، ويتم استخدام أدوات مختلفة مثل اللوح الأبيض الإلكتروني والكاميرا لتسجيل حضور الطالب الفعلي والحقيقي أثناء الدرس، بالإضافة إلى توفير التعليم الإلكتروني غير المتزامن وهو تعليم غير مباشر ولا يتطلب تواجد المتعلمين في نفس الوقت إنما يستطيع المتعلم أن يختار الوقت المناسب له وإمكانية العودة للمادة المسجلة والرجوع لها حسب حاجته، لكن أحد سلبيات هذا الأسلوب افتقاره للتغذية الراجعة من المعلم أو المحاضر وعدم التفاعل الحقيقي لأنه يعزل الطالب عن أقرانه في المحيط التعليمي، كما يحرم الطالب من اكتساب مهارات التواصل فهو أسلوب قد يؤدي إلى الانطوائية إذا تم تطبيقه منفرداً.

التزامن والإستراتيجيات الأنسب

لهذا ومن أجل إنجاح العملية التعليمية يتم اعتماد النظامين معاً المتزامن وغير المتزامن على حسب النشاطات المقترحة والأهداف المرجوة، ومن هنا تأتي أهمية دراسة وتحديد الأهداف التعليمية لتكون أهدافاً واضحة وقابلة للقياس وبها نوع من المرونة واختيار الإستراتيجية الأنسب، واستمرار التعديل والتطوير على حساب حاجات التعليم ونوعيته مع مراعاة عمر المتعلم ومستواه ونوع المادة المطروحة للتدريس.

من المهم استيعاب أن الصف الإلكتروني ليس صفاً حقيقياً، ولا يمكن استخدام نفس التقنيات والتطبيقات ذاتها، فقد أثبتت الدراسات أن الطلبة في الصف الإلكتروني قد يفقدون تركيزهم بعد فترة تحدد بين 15 و25 دقيقة من التحدث المستمر، لهذا يجب كسر روتين الكلام بمناقشة أو بعرض تفاعلي يعيد انتباه الطلبة ويعينهم على المتابعة لهذا الدرس الإلكتروني، بالإضافة إلى ضرورة تبسيط المحتوى وجعله منظماً ومباشراً وبصورة منسقة حتى لا يرتبك الطالب في توافر مواد إلكترونية لا يعرف بأيها يبدأ.


النجاح من خلال التحدي


تمثل الثقافة الحالية للطلبة والمدرسين التحدي الأهم لاجتيازه لإنجاح العملية التعليمية واستعداد كل من الطالب والمدرس للتأقلم مع التغيير الحاصل، دمج التكنولوجيا في عملية التعليم والتعلم مطلباً حيوياً لتطوير البنى والهياكل التربوية، هذا التغيير الكبير في استخدام التكنولوجيا واختلاف التطبيقات من (بلاك بورد، وزووم وتيمز) وغيرها من التطبيقات التي ارتفعت نسبة استخدامها خلال العام الحالي بطريقة خيالية، يتم من خلالها اختصار الوقت والجهد في تحقيق الأهداف التعليمية بكفاءة عالية، إضافة لتوافر مصادر ثرية للمعلومات واعتماد المُتعلم على ذاته في اكتساب الخبرات والمعارف وحصوله على أدوات التعلم الفعالة، مما يحفز لدية مهارات التعلم الذاتي وتحقيقه بطريقة مشوقة وممتعة تتناسب مع خصائص (المُتعلم الذاتية)، ويعد الأسلوب الأمثل لتهيئة جيل المستقبل للحياة العلمية والعملية بما يتناسب مع معطيات العصر التقني، والمواكبة العالمية لسوق العمل.

14 مشاهدة