الاستئناس بالذئب الذي لم يأكل يوسف في متاهات "نسيان ما لم يحدث"







الاستئناس بالذئب الذي لم يأكل يوسف في متاهات "نسيان ما لم يحدث"الجزء الثاني من ثلاثية قراءة "نسيان ما لم يحدث""وعوى الذئب فاستأنست بالذئب الذي عوى ..." الأحيمر السعدي

كنت قد كتبت في مقدمة مقالتي التي حملت عنوان "البحث عن الذئب الذي لم يأكل يوسف في متاهات نسيان ما لم يحدث" أنه من بين أصدق وأبلغ الأحكام النقدية في الأدب العربي ما صدر عن جرير حول الأخطل: "أدركت الأخطل وله ناب واحد ولو أدركت له نابين لأكلني." وأقرب وأكثر في الزمان والمكان أجد من أجمل وأصدق الأحكام النقدية في الأدب السوداني ما سمعته من الأستاذ محمد علي عمارة، صادراً من زعيم وشاعر المرغوماب الشيخ عبد الله ود حمد ود شوراني وهو يستدعي صولاته وجولاته مع أنداده من فحول شعراء البُطانة الذين كانت له معهم مجادعات ومساجلات.

فقد عرف أنه من حين إلى آخر يلتقي فرسان الفعل وسادة الكلم فيتباطنوا بسياط الفصاحة، إذ يبدأ أحدهم شاديا برباعية من الدوبيت ويصبح لزاماً على الآخرين مجاراته دون تمهل على ذات الوزن وكامل القافية وتمام الروي. وتعتبر النفس الرعوية المرهفة، التي تسمع قبل أن ترى، الذي يعجز عن المجاراة خاسراً، ولكنها لن تصرخ بذلك، بل ولن تصرح، وغاية ما تفعله هو التلميح لأنها تعي تماماً قواعد اللعبة التي من شأنها أن تجعل من مغلوب اليوم غالباً في الغد. ويحكي عمارة أنه سأل ود شوراني، وفي باله الصادق ود آمنة وأحمد عوض الكريم أبو سن: "أشعركم منو؟" ويضيف عمارة: أطرق ود شوراني قليلاً، ثم قال: "أنا، إن بديت!" ورغم مرور السنين لا زلت مأخوذاً ببلاغة الاختزال وهو يجزل، وبروعة الادعاء وهو يجمع في رسن واحد كلمات تعير عن قيم الفخر والصدق، والزهو والزهد، والمباهاة والتواضع. فمن جهة يمتلئ الرد بثقة الشيخ الشاعرفي نفسه، ومن جهة أخرى يعكس وعي الشاعر الشيخ بالمعطيات الموضوعية التي تمنح الأفضلية للذي يبتدر المجادعة، لأنه يكون بالضرورة قد أعد عدته لها، وتهيأ لها بتوخي القافية الحرون أو سهلة القياد، والفكرة المستعصية أوالطيعة، وما يحيط بكل ذلك من مفردات ومعان وقواف وجميع ما يعينه على أن يقول شيئاً يلامس ذرى المساديرالتي كان الحردلو يتغنى بها جاعلا النجوم تخر من شاهق وهي تطارد شياطين الشعر في مشارق البطانة ومغاربها.

(2)

من جهتي لم أستطع أن أسأل عيس الحلو يوماً ما سأله عمارة لود شوراني لعلمي أنه لن يكون بمقدوره أن يرد بما قاله ود شوراني، ليس لأنه أكثر تواضعاً أو اي شيئ آخر مقارنة بالشيخ الشاعر، ولكن لأن المجال الذي أصدر فيه ود شوراني حكمه لا يتيح نفسه في ساحات القصة والرواية والنقد. ومع هذا كلما استحضرت مسهامات عيسى الحلو الفذة أجدني استعيد كلمات ود شوراني في وصف جمله العنافي وقد حاز قصب السبق في أحد مضامير البطانة. كنت استرجع تلك الأبيات وكأني اقولها لعيسى الحلو:

يـا اللَّخَدَرْ عَنانيِف الجَري النُدَّارْ

وجَنْ وراك دايرات خلاس التارْ

وكتين جَرنْ مَيسْ العِنادْ الحَارْ

جِيتْ وشك خلا وضهرك وراهُ كُتَّارْ

نعم في ساحة الأدب السوداني التي تزدحم بعنانيف القصة والرواية والنقد يأتي عيسى الحلو كل مرة "ووشه خلا وضهره وراه كتار."


نجيب محفوظ

(3)

كما كنت قد ذكرت في الجزء الأول من هذه الثلاثية التي أحاولها ساعياً لاستجلاء كنه بعض العلاقات المتداخلة بين السرد والخطاب في "نسيان ما لم يحدث" عدة أشياء مررت عليها مروراً عابراً، وأعود إليها هنا معتقداً أنني قد تجاوزت مرحلة "البحث عن الذئب الذي لم يأكل يوسف" ووصلت إلى مرحلة "العثور" عليه، والذي قلت أنه قد يكون أمراً ممكناً إذا أحكم المرء التأمل وأجاد الكتابة وأحسن الإصغاء. وأظنني قد حاولت، ولا أدعي أكثر من ذلك. كما كنت قد حاولت تبرئة ساحة عيسى الحلو مما أرى أنه آفة النقد السوداني وهو الابتسار الذي له أعراضه وظواهره وخباياه التي تتخفى مرات في سره وتتبدى مرات أخرى في علانيته. وعيسى الحلو ينسل كما تنسل السبيبة من بين عجين الابتسار المكون من طحين اللغو ممزوجاً بمرق الملق.

(4)

وعيسى الحلو يستخدم في مساهماته النقدية لغة على مستوى عالٍ من الجاذبية والتعاطف والبصيرة والحساسية. هذا على مستوى الإفصاح والتعبير. أما على مستوى التقنيات والأهداف والغايات فهو لا يلوك الاجترار، ولا يحرص على إعادة التدوير، ويتجنب تهنئة الذات. ولا يرتاح متكئاً على العمومية Generic التي تصطنع الخصوصية تمويهاً باعتماد حيلة اختيار مقتبسات نقدية يمكن أن تلصق بأي نص دون مسوغٍ أو مبرر لتطبق عليه "البروكرستية"، والتي هي القولبة الجبرية، وإيجاد التطابق المتعسف، وفرض الأحكام المبيتة التي قد تنطبق على نص بعينه كما يمكن أن تنطبق على سواه. ومدلول هذه الممارسة مأخوذ من اسم بروكرست الذي هو شخصية من الميثولوجيا الإغريقية حيث كان حداداً وقاطع طريق من أثيكا يهاجم الناس ويقوم بمط أجسادهم أو قطع أرجلهم لتتناسب أطوال أجسامهم مع سريره الحديدي. وكما يفر عيسى الحلو من البروكسرتية كما يفر من الأسد، فإنه يفر أيضاً من الكرونولجية والتي هي ممارسة يستعيد فيها كامل تاريخ الرواية السودانية كلما تحدث عن عمل روائي، فيتحدث عن ملكة الدار محمد عبد الله، ويشير إلى عثمان محمد هاشم ويتوقف عند خليل عبد الله الحاج وغيره قبل أن يصل أخيراً ومتأخراً إلى النص الذي هو بصدد الحديث عنه.

(5)

هذا ما ظل يفعله عيسى الحلو مع الآخرين، ولكن هل هذا هو ما يفعله الآخرون معه؟ ودون طويل تفكير يمكن القول إن ما يفعله معه الآخرون لا يوازي ما يفعله هو مع الآخرين، ولكن ليست هنالك جدوى في الشكوى من ذلك. فالذي يأتي منهم خيول مُهداة. وكما تقول النصيحة الإنجليزية القديمة Don’t look a gift horse in the mouth أي لا تنظر إلى فم الحصان المُهدى إليك. ذلك أنها كانت عادة قديمة لهم فتح فم الحصان لمعاينة طول أسنانه لتقدير سنوات عمره قبل شرائه. فحسبما كانوا يرون تزداد أسنان الحصان طولاً مع تقدمه في السن. هذا مع أن أسنان الحصان لا تطول، ولكن لثته هي التي تتقلص مع مرور السنين لتبدو الأسنان وكأنها صارت أكثر طولاً. ومع وجود قليل النقد الذي يشفي الغليل يمكن الزعم أن كثيراً مما يأتي المبدع من النقاد إما بضاعة مُزجاة لا يليق ردها، وإما خيول مُهداة لا فائدة تُرجى من النظر إلى أسنانها. ولا أدل على ذلك أكثر من أن معظم الذين تناولوا الرواية قدموها على أنها "نسيان مالم يحدث"، دون أن يعبأوا بالفصل بين ما ولم. ومن بين الذين فعلوا ذلك من المنافذ الإعلامية وهم لا يخشون في الفتك باللغة لومة لائم: "الراكوبة" و"كليك برس" و"آفاق نيوز" و"الشاهد" و"البيان" و"إذاعة جمهورية السودان"، وسلمت من ذلك "السياسي و"وكالة سونا للأنباء"، وإن لم تسلما من تقديم الحلو على أنه "القاص والروائي المعروف". وفي هذا الإطارلا أتخيل للحظة أن الصحافة الإنجليزية ستتحدث عن صدور رواية "للروائي المعروف" سلمان رشدي، أو أن تتحدث الصحافة المصرية عن صدور رواية "أولاد حارتنا" "للقاص والروائي المعروف نجيب محفوظ". والتحية هنا لنشرة "مداميك" التي حاولت شيئاً مختلفاً عندما أضافت :

" يقول ناشر الرواية على غلافها الأخير: “هذه الرواية تشتغل في فضاء التجريب. في محاولة لتجاوز تقنيات وأشكال الكتابة الروائية التقليدية الراسخة، واكتشاف طرائق سردية جديدة عن طريق الاختراع والمغامرة في المجهول. وذلك لاكتشاف نص لديه قدرة أكبر في التعرف على الراهن والكشف عن الأزمنة القديمة والجديدة. كتابة تتجاوز تسجيل الواقع وتفض غلاف الممكن والمحتمل لتكشف الطريق السردي الذي يعبر عن عصرنا الراهن."


جورج لوكاش

(6)

وفي الحديث عن عيسى الحلو الناقد اعترف أنني أجده يقول أحياناً أشياء لا أدرى تماماً ماذا أصنع بها. وأنا لا استنكر عليه ذلك، ولكني أنتظر أن أتحدث معه مرة عنها. ولكن إن استوعبت أو لم أستوعب، وإن قبلت أو رفضت، فالرأي عندي أنه يأخذ الأدب مأخذ الجد، والأدب ينبغي أن يؤخذ كذلك. فعيسى الحلو يدرك أن في قلب ذلك الكيان الهائل، وبين وجيب خافقه ووسط خلجات أنفاسه تكمن الرواية التي ولدت مع الإنسان "في صبيحة يوم الخليقة" وفقاً لتعبير شينوا أشيبي، وإن لم تولد معه في تلك الصبيحة فقد ولدت، كما يقول غابرائيل غارسيا ماركيز "... في ذلك اليوم الذي عاد فيه يونس إلى البيت وأخبر زوجته أنه تأخر لثلاثة أيام لأنه كان في بطن الحوت." وعلى صعيد مواز ليس هنالك دليل أكبر على أهمية كتابة الرواية وقراءتها من أن جورج لوكاش نشر "نظرية الرواية" في 1915، أي في ذات الفترة التي شهدت صدور عدد من الكتابات الكبرى مثل "رسائل سبارتاكوس" لروزا لوكسمبورغ، و"الإمبريالية كأعلى مراحل الرأسمالية" للينين، و"سقوط الغرب" لإشبنغلر، و"روح الطوباوية" لإرنست بلوخ. وقد تفاعل لوكاش وهو يبحث "نظرية الرواية" مع المساهمات الرائعة لكبار المفكرين من أمثال كانط وهيغل ونوفاليس وماركس وكيركيغارد وشيمل وويبر وهوسرل. وخرج من ذلك التفاعل بمفهوم "الواقعية النقدية" كمساهمة فذة يرى الكثيرون أنها تضاهي في عمقها وتوازي في تأثيرها ما أحدثته تلك الأطروحات الكبرى من تأثير في ساحة الفكر والوعي والإدراك.

(7)

وعلى خُطى لوكاش وباختين ولورنس، وحتى إليوت، يمضى عيسى الحلو متابعاً مشواره النقدي في مثابرة وأناة وجلد. ومع كامل الإدراك والانتباه للإنجازات الروائية العالمية المتعددة التي تمثل إلهاماً وتجسد هاجساً يتقدم في مشروعه الإبداعي ليضع الرواية - وبخاصة في "نسيان ما لم يحدث" - على مرتبة تقف فيها جنباً إلى جنب مع الأنظمة الفكرية الأخرى بما في ذلك التاريخ، والأسطورة، والدين، والقانون، والعلوم. ذلك مع احتفاظه لها بما تتمتع به من خصائص كشكل رمزي متفرد له حساسيته وله جماله وجمالياته وانعتاقه وانفلاته. وكما يقول دي إتش لورنس "إذا حاولت تثبيت كل شيى في الرواية على الأرض بالمسامير، فإما أنك ستقتل الرواية، وإما أن تنهض الرواية وتمضي مبتعدة بما علق بها من مسامير." وأنت تقرأ "نسيان ما لم يحدث" لن تشعر للحظة واحدة أن عيسى الحلو دقّ عليها مسماراً واحداً لتثبيتها على أرض المألوف أو المتوقع.

(8)

وقد أقول أنا، وربما يقول غيري ما نستطيع قوله عن "نسيان ما لم يحدث"، وفي هذا قد نصيب وقد نخطئ. ولكن حتى إن أصبنا فلا أظن أن أحدنا سيصيب في وصف الرواية كما أصاب في وصفها صاحبها. فالسرد يقول عنها أنها "تتأرجح بين الخيال والواقع وتتأرجح بين التجريد والتجسيد" (ص13). لذلك عندما يقول عيسى الحلو في الرواية ":

"هي جيوب الهزائم في التأريخ والذاكرة العربية التي كانت هي الخطوط الصادة لهجمات محاولات الفكر الكلونيالي في أوئل القرن. وهو مشروع إحتجاجي .. لكنه وحشي .. شابه التزييف والحقد والاستبداد والظلامية !! واندلعت هذه الحرب التي لم تستطع التمييز بين العدو والصليح! .. حرب غبية بلا وعي .. اشتعلت في كل مكان .. بدأت في أزمنة قديمة.. صليبية ذات وجه سافر .. استعمارية في شكل وثوب متجدد.." (ص 14).

يكون عندها الحلو في حوار جاد مع "التجريد" الذي يُعلي من شأن الرواية كخطاب فكري وجهد عقلي، والحلو يفعل ذلك كثيراً.

ولكنه عندما يعود ليقول:

"وهكذا بدأت روجينا مشوارها الشاق. والذي يعتمد على طاقة الروح وقدرتها على التحمل، وطاقة الجسد في الاضطراب بين الفوضى والتماسك. والتوازن الضروري بين التذكر والنسيان. فلم يتبق شيئاً لروجينا ليذكرها بذاتها أو بهويتها .. فأصبحت لحماً وعظماً من نبض العروق والنسيان. وكان النسيان يشمل البنت كلها من الرأس إلى القدم. وكانت تسأل نفسها .. روجينا من؟ من تكو ن؟ وكانت ترد على السؤال هامسة .. روجينا.. لا شيئ .. روجينا لا أحد! وكان النسيان يسوف كل شيئ .. ما حدث .. وما لم يحدث." (ص 39).

فإنه يستنشق هنا رَوح "التجسيد". ويراود الحكاية عن نفسها، يغريها ويغري بها، ويستدرجها ليوقع بها، ثم يشبعها شماً وضماً ولثماً، فتنقاد له مسلمة له قيادها. وهذه الحيوية المضمخة بعبق الغواية لا تترك لك كبير خيار عندما تحاول المفاضلة واختيار أي المنهجين قد آثر، وأي الجانبين قد آزر. فنظرة سريعة، حتى قبل بلوغك نهاية أطروحته الروائية، تريك أنه يضع ثقله إلى جانب "التجسيد"، إلى جانب ما يدعو إليه دي إتش لورنس واصفاً إياه بأنه "ديني العظيم (والذي) هو الإيمان بالدم، اللحم، لأنه أكثر حكمة من الفكر. يمكننا أن نخطئ في عقولنا ولكن ما نشعر به في دمنا وما نؤمن به ونقوله، هو الصحيح دائماً. فالعقل ليس أكثر من شكيمة ولجام."


ماركس

(9)