الاستعارة التصورية: قراءة في الأدبيات المعرفية

بول ريكور


يحدثنا بول ريكور في مفتتح كتابه سطوة الاستعارة بأن المفارقة التاريخية لمشكل الاستعارة هي أنها تصل إلينا من خلال مجال معرفي مات قرابة منتصف القرن التاسع عشر، حين كف عن أن يكون جزءًا من مقررات الدراسة الجامعية بالكليات. وأن هذا الارتباط بين الاستعارة ومجال ميت هو مصدر ارتباك شديد: أليست عودة المفكرين المعاصرين إلى مشكل الاستعارة تلزمهم بمشروع ميئوس منه لبعث البلاغة من رمادها؟ ويضيف ريكور أننا لا ‘‘نتلقى نظرية المجاز من مجال ميت فحسب، وإنما أيضًا مقطَّع الأوصال’’. (Ricoeur, 1977, p 8)

إن هذا التوصيف من قبل ريكور ينطوي على تصور يقرن بين الاستعارة والبلاغة بوصفها الحقل الجامع للخطابة والشعرية على النحو الذي تلقيناها به من أرسطو. وقد ظلت الاستعارة لما يربو عن ألفيتين تُعاين، في أغلب أحوالها انطلاقًا من هذا المنظور فيما عدا استثناءات بالغة المحدودية. استثناءات يمكن أن نلمحها لدى فيلسوف استثنائي مثل نيتشه، أو بلاغي عبقري مثل عبد القاهر الجرجاني. أما أن تتحول الاستعارة لتصبح موضوعًا مجاوزًا لحقل البلاغة واللغة وتغدو آلية من آليات التفكير الإنساني جديرة بأن تُدرَس من أجل الكشف عن آليات عمل هذا الأخير، فقد كان لا بد لها من توفر شروط معينة تتجاوز سطوة البلاغة، وكأنه إذا ما كان لنا أن نعود إلى اقتباس ريكور، فقد كان لا بد لها من موت البلاغة بمعناها التقليدي لكي ما يمكن لها أن تُبعث من رمادها، وبعيدًا عن مركزيتها. وهو ما يمكن القول إنه قد بدأ يتحقق مع مولد العلم المعرفي، وتولد اللغويات المعرفية، والدلاليات المعرفية معهما.


د.طارق النعمان

من الموضوعية إلى المعرفية

لم تتجاوز اللغويات المعرفية عقدها الرابع بعد، ومع ذلك فإن الآثار التي ترتَّبت عليها تبدو مهولة، إذ إنها أخذت تتحدى العديد من الثنائيات والفرضيات التي هيمنت طويلاً على الوعي الإنساني، مثل ثنائية العقل والجسد، واللغة الحرفية واللغة المجازية، والاستعاري في مقابل الكنائي، والمفهومي في مقابل الخيالي، والموضوعية في مقابل الذاتية وسواها. إن مارك جونسون في كتابه الجسد في العقل يوجز لنا هذا المشهد الذي ينفصل ويستقل فيه العقل عن الجسد، والخيال عن الإدراك والفهم والتفكير، أو معالجة الدلالة والذي ظل سائدًا ومهيمنًا على أغلب النظريات والمقاربات اللغوية، إذ يرى أن الغياب الكامل لدراسة وافية عن الخيال في أكثر نظرياتنا فعالية عن المعنى والبنية الذهنية لهو عرض لمشكل عميق في رؤانا الراهنة للإدراك الإنساني. والإشكال، من منظوره، ليس مجرد نوع من الغفلة؛ بحيث إننا قد نسد الفجوة ببساطة بإضافة فصل هنا أو هناك عن الخيال في نظرياتنا عن العقل واللغة والمعرفة. بل إن المشكل أكثر إزعاجٍا بكثير، لأنه يتعلق بتوجهنا الكامل إزاء هذه القضايا، وكأنه توجه مؤسَّس على مجموعة من الافتراضات المسبقة المشتركة على نطاق عريض، افتراضات تنكر أن للخيال دورًا مركزيًا في تكوين العقلانية. (Johnson,1987,p ix) كما يرى أن التصور الخاص بالموضوعية وبهذه الحزمة من الفروض المباطنة لها هي التي قادت إلى هذا العمى إزاء الخيال.

وقد اتسع هذا التصور بصور معقدة إلى حد كبير لدى فلاسفة ولغويين وسيكولوجيين، وعلماء كومبيوتر على نحو عام. بيد أن الموضوعية ليست مجرد مشروع عويص لفيلسوف، بل إنها تلعب دوراً مهماً في كل حيواتنا. ففي تجليها غير المعقد، وكمجموعة من التصورات المشتركة في ثقافتنا تتخذ الشكل العام التالي: إن العالم يتكون من موضوعات ذات خصائص وهي تقف في علاقات متنوعة مستقلة عن الفهم الإنساني. فالعالم كما هو ولا أهمية لما يتصادف لأى شخص أن يعتقده حوله، وثمة "رؤية عين الله" الوحيدة الصحيحة حول الصورة التي يوجد عليها العالم فعلًا. بعبارة أخرى ثمة بنية منطقية للواقع مستقلة عن معتقدات أية جماعة إنسانية معينة، والعقل السليم يعكس هذه البنية. ولكي نصف واقعًا موضوعيًا من هذا النوع، فإننا نحتاج اللغة التي تعبِّر عن المفاهيم التي تستطيع أن ترسِّم الموضوعات والعلاقات بأسلوب حرفي، وأحادي المعنى، ومنفصل عن السياق. وفي ظل هذا فإنه يُنظر إلى البنية العقلية بوصفها مستقلة تمامًا عن الجسد. وبالطبع ما من شيء يُذكر حول الكائنات الإنسانية في أي موضع من مواضع هذا الطرح ـــ فلا قدرتهم على أن يفهموا، ولا نشاطهم الخيالي، ولا طبيعتهم ككائنات فاعلة، ولا أي شيء آخر يخصهم، ولا شك أن كل هذا يتم باسم العلم وتحت شعارات المنهج والمنهجية. وحتى في النسخ الأحدث من الموضوعية، ما من إشارة إلى التجسدن الإنساني، وإنما ينظر إلى العقل وإلى البنى العقلية بوصفها مجاوزة للخبرة الجسدية، كما يُنظر إلى المعنى بوصفه موضوعيًا، لأنه يتمثَّل فحسب في العلاقة بين رموز مجرَّدة، وأشياء (لها خصائصها وعلاقاتها) في العالم. ووفقًا لهذه الرؤية، فإن الكيفية التي يفهم بها البشر الأشياء من حولهم، والكيفية التي يفهمون بها خبرتهم في العالم، بوصفها دالة وذات معنى لا تعدو كونها عرضية بالنسبة لطبيعة التفكير والعقل الدالين. وقد تم اعتناق هذه الرؤية الخاصة بالطبيعة الموضوعية للمعنى والعقلانية لقرون من قبل الغالبية من فلاسفة التراث الغربي، كما قُدِّر لها أن تحدِّد برامج البحث المهيمنة في عدد من المجالات المعرفية المرتبطة بالموضوع. إذ نجد أنه قد تم تشغيل هذه الدلاليات الموضوعية في الفلسفة، واللغويات، وعلم النفس، وعلوم الحاسوب، وفي مجالات معرفية أخرى عديدة داخل الحقل الجديد لـ ‘‘العلم المعرفي’’ بأسلوب تقني للغاية وصارم منطقيًا.




إلا أن هذا المشهد قد أخذ يتقلقل بداية من منتصف السبعينيات، وبدأت تطرح تساؤلات جادة وعميقة على هذه الرؤية الموضوعية للمعنى والعقلانية، عبر النشاط المتنامي والمتراكم للأبحاث المعرفية، كما أخذت تتوالى الأدلة الإمبريقية لتكشف أن العديد من الظواهر تتحدى هذه الرؤية، ومن بين الظواهر الأكثر أهمية التي تم استكشافها، بوصفها متحدية للفروض الموضوعية، الظواهر التالية: التفيئة، وتأطير المفاهيم، والتعدد الدلالي، والاستعارة، والكناية، وسواها. وفي هذا السياق بدأت تتكشف بعض مغالطات عصر التنوير المزمنة، مثل معرفية العقل في مقابل لا معرفية الجسد؛ ومن ثم بدأنا نجد كتبًا من قبيل كتاب مارك جونسون الجسد في العقل ليعيد وصل ما فصله التنويريون، أو على حد عبارته يعيد الجسد إلى العقل، أو كتاب الفلسفة في الجسد لجورج ليكوف ومارك جونسون، أو كتاب مارك جونسون معنى الجسد، وسواها من الدراسات والكتب التي تؤكِّد من خلال الأدلة الأمبريقية الدامغة على معرفية الجسد ودور الخيال الإنساني في فهم وبناء الخبرة والمعنى الإنساني: ذلك أنه ‘‘بدون الخيال ما من شيء في العالم يمكن أن يكون له معنى. كما أنه بدون الخيال لا يمكن لنا على الإطلاق أن يكون لدينا معنى عن خبرتنا. مثلما أنه بدون الخيال لا يمكن لنا على الإطلاق أن نعقل معرفة الواقع’’ (Johnson,1987,p ix). وبقدر هذا الدور المعرفي الفاعل والخلَّاق للخيال في تشكيل الفهم الإنساني يحدثنا جونسون أيضًا عن محورية وعمق الجسد والخبرات الجسدية في تشكيل المعاني الإنسانية، ذلك أننا، على حد قوله، ‘‘نولد في العالم ككائنات من لحم، ومن خلال إدراكاتنا وحركاتنا، وانفعالاتنا، ومشاعرنا الجسدية يصبح المعنى ممكنًا ويتخذ الأشكال التي يتخذها. إذ إن شكلنا المحدَّد من التجسدن، منذ اليوم الذي نوجد فيه، ونحن نرفس ونصرخ في هذا العالم، هو ما يشكِّل أي شيء حافلاً بالمعنى أو كيف يمكن له أن يكون حافلاً بالمعنى’’. (Johnson,2007,p iiiix). وهكذا وفي ظل إعادة الاعتبار للجسد والخيال والخبرة الإنسانية، بدأ يعاد النظر في معاينة الاستعارة، ضمن كوكبة أخرى من الظواهر المعرفية، ومساءلة العديد من الفرضيات السائدة من قبيل اللغة الحرفية واللغة المجازية، وانحراف الاستعارة. وسواها.


جورج لاكوف

المقاربة المعرفية للاستعارة:


تمثِّل النظرية المعرفية للاستعارة والكناية مكونًا مفصليًا من مشروع الدلاليات المعرفية المندرج ضمن نطاق ما صار يُعرَف منذ النصف الثاني من السبعينيات باللغويات المعرفية. وقد كان كتاب جورج ليكوف ومارك جونسون الاستعارات التي نحيا بها، على صغر حجمه النسبي، هو فاتحة هذا الاختراق النوعي في مقاربة كل من الاستعارة والكناية. ذلك أن الاستعارة، على مدار تاريخها، ومنذ أرسطو، ظلت تُدرَس بوصفها ظاهرة أدبية بالأساس، ظاهرة تنتمي إلى مجالي الشعر والخطابة، على النحو الذي كرَّسها به أرسطو. ومن ثم، انفردت بها البلاغة أو كادت تنفرد على مدار تاريخها، فيما عدا استثناءات قليلة هنا أو هناك. وقد كان من ناتج ذلك أن ظل يُنظر إلى الاستعارة بوصفها مجرد ظاهرة لغوية، ظاهرة لغوية مجالها الحيوي هو الأعمال الشعرية والأدبية. ولذا، لم يُلتفت إلى حضورها الطاغي في اللغة اليومية، أو في المجالات النوعية الأخرى الخارجة عن نطاق الأدب. وقد استقر هذا المنظور على مدار القرون، واستقر معه وصف أرسطو لها بأنها علامة العبقرية وأن البراعة فيها هي الشي الوحيد الذي لا يمكن تعلمه من الآخرين، بحيث لم يعد يُنظَر إلا إلى استعارية الاستعارات الطازجة والجديدة. ومع ذلك فقد تم اختزالها في أنها مجرَّد مجاز مشابهة، وأنها ‘‘تكمن في إعطاء الشيء اسم ينتمي إلى شيء آخر.’’ و‘‘هذا التحويل إما أن يكون من جنس إلى نوع أو من نوع إلى جنس، أو من نوع إلى نوع، أو على خلفية التماثل’’ (Derrida, 1986,p 213). إن هذا التعريف كما يصفه دريدا، في الميثولوجيا البيضاء، يمثِّل فرضية فلسفية عن الاستعارة. وهو أيضًا خطاب فلسفي سطحه كله مشغَّل بمنظومة استعارية. (Derrida, 1986,p 232) كما يرى أن هذه الفرضية الفلسفية تنتمي إلى نسق تأويل يربط معًا الاستعارة، والمحاكاة، واللوجوس، والطبيعة. ولكيما يمكن للمرء أن يستعيد حركة هذه السلسلة عليه أن ينتبه لموضوع المناقشات الخاصة بالاستعارة في الشعرية وفي الكتاب الثالث من الخطابة بدرجة واحدة. وهو يرى أنها في كلا الكتابين تنتمي إلى نظرية اللغة، فهو في الشعرية يقول ‘‘بما أنه قد تمت مناقشة الحبكة، والشخصيات، يبقى تناول الأسلوب والفكر’’، كما توجد إشارة مماثلة في بداية الكتاب الثالث من الخطابة. وكما يلاحظ دريدا، فإنه على الرغم من أن ‘‘الفكر’’ قد ذُكِر فحسب؛ فإنه لا يُغطى إلا مدى ما هو مُعطَى للغة أو ما هو مُعطَى للمرء ليفكِّر فيه عبر اللغة، بوصفه سببًا، أو نتيجة، أو محتوى للغة، لكن ليس بوصفه فعل اللغة ذاتها. والاختلاف بين الفكر وأجزاء القول راجع إلى أن الفكر لا يكون جليًا بذاته. (Derrida, 1986 ,p 232) وهكذا ينتمي الخطاب الخاص بالاستعارة إلى المقالة الخاصة بمكونات القول. إذ توجد مكونات للقول وداخلها الاستعارة في المدى الذي لا يكون الفكر فيه جليًا بذاته، أي في المدى الذي لا يكون فيه معنى القول أو الفكر ظاهرة لذاته. فالفكر وفق ذلك، وكما يرى دريدا، ليس مرتبطًا بعد بالاستعارة، بحيث توجد الاستعارة فقط في المدى المفترض أن يصبح فيه الشخص جليًا بواسطة العبارة، إذ تبقى فكرة معينة غير ظاهرة، أو خفية، أو كامنة بالنسبة لذاتها. فالفكر يعثر على الاستعارة مصادفة، أو الاستعارة تتاح للفكر في اللحظة التي يحاول فيها المعنى أن ينبثق من ذاته لكيما يكون معلنًا، منطوقًا معرَّضًا لضوء اللغة. (Derrida,1982 ,p 233).


دريدا

في ظل هذا، يمكننا أن نفهم كيف أن الاستعارة لدى الأب المؤسِّس لدراسة الاستعارة، أرسطو، اُخْتُزِلت في بُعدها اللغوي، أو بالأحرى في بُعدها الاسمي، ليُختَم على هذا النحو، كما يرى ريكور، قدر الاستعارة لقرون قادمة، ولتصبح منذ تلك اللحظة فصاعدًا مقترنة بالشعر والخطابة، لا على مستوى الخطاب، وإنما على مستوى قسم من أقسام الخطاب، الاسم أو صيغة الاسم (Ricoeur,1977,p 14) ولتصبح مجرَّد مسألة كلمات، وتحويل ملكية اسم من شيء إلى شيء آخر. هذا فضلاً عن التصورات اللاحقة التي أخذت تختزل الاستعارة وتقلِّصها في أنها مجرد حلية أو تزيين للمعنى على نحو ما نجد لدى شيشرون في الخطابة، حيث يرى أن الاستعارة اِخْتُرِعت في البداية نتاج الفقر، و أن الاستعارة (‘‘بزغت من الضرورة العائدة إلى وطأة الفقر’’) إلا أنها أصبحت مع وفرة ونضج اللغة تزينية ونبيلة: إذ ‘‘مثل الملابس التي اِخْتُرِعت في البداية لتحمينا من البرد، ثم ما لبثت بعد ذلك أن أخذت تُستخدَم من أجل التأنق والكرامة، كذلك الاستخدام الاستعاري للكلمات بدأ بسبب الفقر، لكنه مع الاستخدام الجماهيري أصبح يُستخدَم من أجل التسلية’’ Kittay, 1987, p 1) ).

وهكذا، على حد ما يقول ليكوف، لقد أصبح مسلَّمًا تسليمًا كليًا بالنظرية الكلاسيكية للاستعارة على مر القرون إلى حد أن كثيرين لم يدركوا أنها مجرَّد نظرية. بل لم تؤخذ النظرية الكلاسيكية على أنها ‘‘حقيقية’’ فحسب، وإنما تم تناولها بوصفها تعريفية؛ وظلت تُحدَّد كلمة ‘‘الاستعارة’’ ''metaphor'' بوصفها تعبيرًا لغويًا جديدًا أو شعريًا تُستخدَم فيه كلمة أو أكثر من كلمة لمفهوم خارج معناها العرفي المعتاد لتعبِّر عن ‘‘مفهوم مشابه’’. ويتساءل ليكوف عما هي التعميمات الحاكمة للتعبيرات اللغوية المشار إليها كلاسيكيًا على أنها ‘‘استعارات شعرية’’؟ ويجيب بأننا حين نجيب عن هذا السؤال جوابًا دقيقًا يتبدى أن النظرية الكلاسيكية زائفة. ذلك أن التعميمات الحاكمة للتعبيرات الشعرية ليست في اللغة وإنما في الفكر: إذ إنها ترسيمات عامة general mappings عبر مجالات تصورية conceptual domains. وعلاوة على ذلك، فإن هذه المبادئ العامة التي تتخذ شكل ترسيمات تصورية لا تنطبق فحسب على التعبيرات الشعرية الجديدة بل على الكثير من اللغة اليومية المعتادة. (Lakoff, 1993, p 203)


سيلفيا بلاث

وفي هذا الإطار ذاته نجد ريموند جيبس في كتابه شعرية العقل ينطلق لدراسة الجوانب المجازية للغة من أجل الكشف عن البنية الشعرية للعقل. وهو يرى أن معظم النقاشات الخاصة بالتفكير واللغة المجازيين تتعلق بتأويل الأدب والشعر. إذ تُرَى النصوص الأدبية بوصفها المجال الأكثر ملاءمة للمخاطرة المحسوبة الماثلة في التحدث بشكل مجازي. وتقر سيلفيا بلاث Sylvia Plath ضمنيًا بهذا في قصيدة بعنوان ‘‘استعارات’’:

إنني أحجيةٌ من تسعةِ مقاطع،

فيلٌ، بيتٌ مُثقل،

بطيخةٌ متنقلةٌ على تعريشتين.

يا لها من فاكهٍة حمراءَ، عاجٍ، أخشابٍ رائقة!

هذا الرغيفُ كبيرٌ بخميرتِهِ النافشة.

عملةٌ جديدةٌ مسكوكةٌ في هذا الكيسِ المُنتفِخ.

إنني وسيلةٌ، خشبةُ مسرح، بقرةٌ في عجل.

التهمتُ حقيبةً من التفاحِ الأخضر،

اعتليتُ قطارًا لا مخرجَ منه.

إن هذه القصيدة تسخر من الربط المألوف بين الحالة الفيزيقية للحمل وفن التماثل art of analogy لدى الشعراء. وتشدِّد الاستعارات العديدة المتحولة سريعًا على جوانب مختلفة من حجم، وشكل، وخصوبة، وقيمة امرأة حامل، وحتمية مصيرها. كما أن هذه الاستعارات، على مستوى آخر، لا تنبئ فحسب بالولادة الوشيكة لطفل، وإنما أيضًا بانبثاق الصوت الشعري الخاص لبلاث، مع ملاحظة أن الجسد الأنثوي ذو أهمية أدبية بوصفه يولِّد باستمرار علاقات جديدة بين الأشياء في العالم وأنا القصيدة the I of the poem. وتشكِّل الاستعارات مع بعضها البعض في هذه القصيدة أحجية للقارئ عليه أن يؤولها ويقدِّرها. بيد أن الخطر بالنسبة للشاعر أو لأي منتج للغة المجازية يتمثل في أن الجمهور يمكن ألا يكون قادرًا على أن يتعرف على ما هو المقصود مما يقال. لكن حين تكون القصيدة قابلة للفهم، حين توصِّل استبصارات شعرية جديدة حول الخبرة الإنسانية، فإننا ننعت مؤلفها بأنه يمتلك مواهب ذهنية خاصة. إذ نثني على كُتَّاب وكاتبات مثل بلاث بسبب ما يمتلكون من عبقرية إبداعية في التفكير والتعبير عن أنفسهم وأنفسهن مجازيًا. ومع ذلك، فإنه من الخطأ اعتقاد أن استخدام اللغة المجازية يتطلب قدرة معرفية خاصة أو أننا لا نواجه مثل هذه اللغة إلا في النصوص الأدبية. ذلك أن اللغة المجازية، المنظور إليها تقليديًا كأداة للشعراء والسياسيين، لا توجد فقط على صفحات الأدب، وإنما أيضًا على امتداد الكلام والكتابة العاديين. صحيح أن لغة الشعراء العظام أكثر إبداعية، أو شعرية، بشكل واضح من تلك التي يوظِّفها معظم المتكلمين العاديين، إلا أن كلاً من الشعراء والبشر العاديين يوظفِّون نفس خطاطات التفكير المجازية في قول ما يقولونه. بل إن الكثير من أحاديثنا اليومية تعكس قدرة البشر على أن يفكِّروا بطرائق تتجاوز الحرفي.



لقد ثار جدل شديد منذ زمن اليونانيين القدماء حول فضائل التفكير المجازي واللغة المجازية. وعلى الرغم من أن دراسة التفكير المجازي واللغة المجازية تمثِّل الآن موضوعًا متميزًا في الإنسانيات، والفنون، والعلوم المعرفية، إلا أنه مازال يوجد لدى الكثير من الدارسين انعدام ثقة جذري وعميق تجاه كل ما هو مجازي، وهو ما يمكن أن يُطْلَق عليه (’’رُهَاب المجاز‘‘ ''tropophobia''، أو الخوف من المجازات). فالعلماء، والفلاسة، والمعلمون، وعلماء النفس، قد وجَّهوا جل قواهم ضد الشرور الافتراضية للتفكير المجازي واللغة المجازية. على سبيل المثال، إن بعض الكتب الدراسية المعاصرة حول الكتابة والبلاغة تحذِّر من أن اللغة المجازية تتعارض مع الوضوح والتفكير الحرفي؛ ومن ثم يجب أن تُقمَع لصالح جعل المعنى شفافًا وجليًا. وكما ينص أحد الكتب الجامعية:

إن اللغة المجازية ... خادعة بقدر ما هي مفيدة. ولذلك يجب عليك، حين تقصد إلى معنى مجرَّد، أن تتأكد من أن تكون استعاراتك جيدة وميتة. وحين ترغب في أن تكون مجازيًا، عليك أن تتأكد من أنك تحقق الحيوية والاتساق. أما إذا لم يتحقق هذا، فعليك أن تعود إلى التعبير الحرفي؛ لأنه من الأفضل أن تجعل تعبيرك واضحًا من أن تكسو مشهدك اللفظي بتلك الأجسام الغريبة. (Gibbs , 1994, pp 2-3) (وانظر أيضا : Lakoff , 1980 , pp 189-192)

إن مثل هذه التحذيرات حول إساءة استخدام اللغة المجازية قد تبدو معقولة إذا ما كانت تتعلق بالاستعارات المختلطة والمجازات الملتوية التي ‘‘تُغطِّي’’ الكتابة والكلام. ومع ذلك فإن مشكل الاستعارات المختلطة والمجازات الملتوية ليس هو السبب الرئيس في أن الكثير من المعلمين يحذِّرون من استخدام الكلام المجازي في الخطاب اليومي والأكاديمي. إذ ثمة أسباب أخرى مهمة مُتجذِّرة بعمق فيما يتعلق بلماذا توجد مثل هذه النظرة الارتيابية في التفكير المجازي واللغة المجازية على امتداد التاريخ. وهذه الأسباب تنبع من الفرضية المزمنة، التي مازالت حاضرة في مجالات عديدة من العلوم المعرفية، والتي ترى أن اللغة مستقلة عن المعرفة وأن اللغة المجازية ليست سوى مجرد تزيين للغة الحرفية العادية مع القليل من القيمة المعرفية المحدودة الخاصة بها. إن هذه المعتقدات تظهر جلية في التزامين فلسفيين مركزيين (Gibbs , 1994 , p 4).

الالتزام الأول هو الالتزام الموضوعي: وهو الالتزام الذي يرى أن الواقع مؤلَّف موضوعيًا من كيانات محدَّدة ذات خصائص وعلاقات قائمة بين تلك الكيانات في كل حالة.

والالتزام الثاني هو الالتزام الفريجي (نسبة إلى فريجه، 1892/1952): وهو التزام يفهم المعنى، انطلاقًا من الالتزام الموضوعي، بناء على المرجع والحقيقة. إن الدلاليات، وفق هذا المنظور، تتألف من العلاقة بين الرموز والعالم الموضوعي المستقل عن عقول أي شخص من الأشخاص. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الالتزام الفريجي يرى الدلاليات بوصفها مستقلة عن التدواليات. بمعنى أن الدلاليات (أي العلاقة بين الرموز والأشياء في العالم) محدَّدة بحيث لا تضع في اعتبارها كيف يمكن أن تُستخدَم الرموز وتأويلاتها من قبل مستخدميها. بينما يُنظَر إلى التداوليات (أي العلاقات بين العلامات ومستخدميها) بوصفها دراسة المعنى في السياق. إن الالتزامين الموضوعي والفريجي يباطنان الفكرة التي ترى أن المعنى الحرفي يعكس على أفضل ما يكون العالم الخارجي المحدَّد موضوعيًا وأنه الأسلوب الأساس لوصف الحقيقة. ولهذا السبب، ظل يُنظر إلى الدلاليات ضمن اللغويات، والمنطق، والفلسفة بوصفها دراسة المعنى الحرفي، في حين تم تخفيض المعنى المجازي ليصبح ’’سلة مهملات‘‘ التداوليات.

إن التفكير في اللغة المجازية بوصفها ظاهرة تداولية يديم الرؤية التقليدية الخاصة بأن هذه النوعية من الكلام منحرفة أو، على الأقل، تزينية. كما أن الطروح التداولية تشير إلى أن فهم اللغة المجازية منفصل عن المعالجة اللغوية ‘‘العادية’’ أو‘‘المعتادة’’ بسبب اعتمادها الشديد على المعرفة الواقعية بالعالم. إلا أنه قد أصبح الآن هناك الكثير من الأبحاث التي تُظهِر أن نسقنا اللغوي، حتى ذلك المسئول عما نتصور أنه اللغة الحرفية، مرتبط بشكل لا مناص منه ببقية نسقنا الفيزيقي والمعرفي. كما تظهر التطورات الحديثة في اللغويات المعرفية، والفلسفة، والأنثروبولوجيا، والسيكولوجيا أنه ليس فقط الكثير من لغتنا مبني استعاريًا، بل إن الكثير أيضًا من معرفتنا وإدراكنا مبنيا استعاريًا. إن الناس يمفهمون خبراتهم بألفاظ مجازية بواسطة الاستعارة، والكناية، والمفارقة، والتنافي الدلالي oxymoron، وما إليها، وهذه المبادئ تباطن الكيفية التي نفكِّر، ونستدل، ونتخيل بها. (Gibbs,1994, pp 3-5)

إلا أن الرؤية التقليدية للمجاز والاستعارة ما كان لها أن تعي هذا لأسباب معقدة وربما متناقضة، منها أن مثل هذا الطرح قد يفقد الشعراء والكتاب تميزهم وعبقريتهم؛ إذ يشركهم مع سواهم من عامة الناس في فضيلة المجاز، مثلما يمكن أن يهدِّد هذا الطرح ذاته اليقين في حقيقية الحقيقة وموضوعية العالم، فضلا عما يمكن أن ينجر عنه من زلزلة لليقينيات الدينية والعقائدية بكل ما تنطوي عليه من قداسة. ولعله يمكن القول إن هذه الرؤية تشترك فيها الثقافة العربية مع الثقافة الغربية بدرجات متفاوتة، بغض النظر عما بينهما من اختلافات. لكن أيًا ما كانت الاختلافات بين الثقافتين، تظل هناك عناصر جامعة لما يمكن أن نطلق عليه الرؤية التقليدية للغة والمجاز.


معرفية الاستعارة


مارك تيرنر

إن الاستعارة هي الآلية المعرفية التي يتم بموجبها أن يكون مجال من الخبرة "مُرسَّمًا" "mapped" أي مُسْقَطًا projected على مجال آخر من الخبرة، بحيث يُفهَم المجال الثاني جزئيًا بناء على المجال الأول. ويُدعى المجال المُرسَّم مجال الانطلاق أو المجال المانح the source or donor domain، ويُدعى المجال المُرسَّم عليه مجال الانطلاق مجال الوصول أو المجال المُستقبِل the target or recipient domain. ويجب أن ينتمي كل مجال من المجالين إلى مجال مختلف مستقل بذاته superordinate. وهذا أساسًا هو مفهوم الاستعارة الذي طرحه جورج ليكوف ومارك جونسون، ومارك تيرنر، ولغويون معرفيون آخرون ممن ظلوا يبحثون في الحقل على مدار العقود الثلاثة الماضية.

ففي الاستعارة الشهيرة الحب رحلة (Lakoff and Johnson, 1980, pp 140-141) مجال الرحلات، الذي هو ذاته مجال فرعي من مجال الحركة، مُرسَّم، أي تمت مراكبته أو فرضه superimposed، ع