البحث عن الذئب الذي لم يأكل يوسف في متاهات"نسيان ما لم يحدث"


عيسى الحلو قاص وروائي وكاتب صحفي سوداني

عيسى الحلو يؤكد شياخته لأدب الحداثة وما بعد الحداثة في السودان

من أصدق وأبلغ الأحكام النقدية في الأدب العربي ما صدر عن جرير حول الأخطل الذي كان قد وقف مع الفرزدق ضده والاثنان يخوضان غمار نقائضهما الموجعة والممتعة. قال جرير ذلك وقد تعرض لهجاء الأخطل فجاراه وهجاه ومن وقف معهما، أي الفرزدق والأخطل، ملحقاً بهم قدر طاقته على الإيذاء كما جاء في قوله عن الأخطل: " والتغلبي إذا تنحنح للقرى.. حك استه وتمثل الأمثالا"، وقوله: "أعددت للشعراء سماً ناقعاً وسقيت آخرهم بكأس الأول/ لما وضعت على الفرزدق ميسمي وصغى البعيث جدعت أنف الأخطل." ومع ظن جرير أنه قد جدع أنف الأخطل، عاد ليضع ذلك الزعم في إطاره الصحيح فقال: "أدركت الأخطل وله ناب واحد ولو أدركت له نابين لأكلني." وأنا قد أدركت عيسى الحلو وله ناب واحد. ومع هذا فهو لا يزال قادراً على تضريجي بالدم إن تجاوزت ما يبيحه النقد. أقول هذا وأنا أعلم بأنه يعلم أنني لن أنوي عليه تجاوزاً أو ابتغي عليه تطاولاً. فبالإضافة إلى أستاذية لا أغمطها حقها، يجمعني وإياه الكثير من الود، وتصلني منه دائماً نفحات التقدير. ولكن هذا الود والتقدير لن يمنعاني من أن اتناول بصرامة ايجابيات وسلبيات روايته الأخيرة "نسيان ما لم يحدث" (دار مدارك 2020)، وذلك لعلمي أنه لن يرضى مني غير ذلك. فعيسى الحلو قضى عمراً في النقد يكتبه ويعلمه، ولذا لن يرضى أن يغُض النقد الطرف عن أي ضعفٍ يعتري، أو يظن أنه يعتري، سرداً له.

إن طبيعة الحياة تقول إن عيسى الحلو يدخل مرحلة متقدمة، ولكن ليست أخيرة، من مراحل إبداعه الكتابي الذي أرجو أن يتواصل ليثري الساحة الأدبية بقصصه ورواياته ومساهماته النقدية. ولهذا فأنا بعيد هنا كل البعد عن محاولة الإيحاء له بأن يهدأ لكي يستمتع بما حقق وأنجز. فالتوقف أو التمهل أو المضي قدماً مع تقدم العمر أمر يقرره المبدع الذي يدرك أن التقدم في السن قد يعطيه أفضلية في الجلوس في الحافلات، لكنه لن يمنحه رخصة من النقد. ومع هذا ما أعظم السياب عندما يقول متحدثاً عن نفسه كشاعرٍ، ومتحسراً على اضمحلال قدرته "كمغني":

هرم المغني فاسمعوه برغم ذلك تسعدوه ولتوهموه بأن من أبد شبابا من لحون وهوى ترقرق مقلتاه له و ينفح منه فوه هو مائت أفتبخلون

عليه حتى بالحطام من الأزاهر و الغصون أصغوا إليه لتسمعوه يرثي الشباب و لا كلام سوى نشيج بالعيون سلم على إذا مررت

أتى و سلّم صدّقوه هرم المغنّي فارحموه

إن روعة "هرِم المغني" تأتي من هذه المفارقة Paradox الكامنة في أن الشاعر الذي "يدعي" أن الهرم قد لحق به، وأن معينه قد نضب، يعبر عن ذلك النضوب بهذه الشاعرية الفياضة التي تتدفق وهي تصدح. ومفارقة أخرى ذات صلة هي أن عيسى الحلو رغم تقدم العمر لم يلحقه الهرم بعد، ولم يقنعه كر السنين بالركون إلى دعة المألوف والابتعاد عن مخاطر التجريب.

ولهذا فمن الأرجح أن "نسيان ما لم يحدث" لن تكون "أغنية البجعة" Swan Song بالنسبة لعيسى الحلو بالمعنى الذي يتردد ضمن موروثات الثقافات الغربية وتعبيراتها الأدبية والفنية وحتى الرياضية، والتي تعتقد وفقاً لما تزعمه أساطيرها أن البجعة التي تظل صامتة طيلة حياتها - ما عدا ما تصدره من هسهسات وهي تغازل شريكها - لا تغني، وتظل كذلك حتى تصدح بالأغنية التي تودع بها الحياة. من المؤكد أن ذلك الزعم هو حديث خرافة، ولكن تلك الخرافة تظل مجازاً تتم الاستعانة به عندما يقرر المبدع/المؤدي حلول ساعة الرحيل. ومع ضعيف احتمال، وأيضاً كبير عدم احتمال، أن تكون "نسيان ما لم يحدث" أغنية بجعة لعيسى الحلو، أشعر أنها في تمام شكلها تعبر عن رمزية Allegory مستترة ذات دلالات بالنسبة للمؤلف الذي قد يتوقع البعض منه الآن توخي الحذر فيما يقول وفيما يفعل، ولكن عيسى الحلو الذي يقدر نفسه حق قدرها لن يتوخى حذراً ولن ينشد سلامة.


برندان بيهان - كاتب وكاتب أغاني وصحفي وشاعر أيرلندي

وطوال تاريخ الأدب هنالك دائماً، في مكان ما في زمان ما، من يشعرنا بتميزه وتفرده وخصوصيته. ولعيسى الحلو خصوصيته المتميزة التي تدفعني دفعاً لاستدعاء ما قاله الشاعر والقاص والروائي والمسرحي الأيرلندي برندان بيهان في إحدى نوبات غضبه على النقاد: "النقاد كالخصيان في الحريم: يعرفون كيف يُفعل الشيئ لأنهم يرونه يحدث كل يوم، ولكنهم لا يستطيعون أن يفعلوه بأنفسهم." والشاهد هنا هو أن عيسى الحلو، بحكم أنه قاص وروائي، إضافة إلى كونه ناقد، لا يندرج ضمن زمرة "الخصيان"، إذ أنه قادر على فعل ما ينصحك بفعله، وكذا بما ينصحك بعدم فعله. وبسبب هذه "الفحولة" فإن مجرد إطلاله على الساحة يقود للحديث عن النقد الأدبي السوداني الذي يعاني، أكثر من أي شيئ آخر، من الابتسار، والذي هو في بعض معانيه، طلب الشيئ في غير موضعه. ومظاهر الابتسار قد تتبدى متفرقة، وقد تتضافر مجتمعة لتجسد نمطاً من النقد الكسول والعقيم.

وعيسى الحلو، والحق يقال، برئ من ذلك براءة الذئب من دم ابن يعقوب. وستكون لي قبل نهاية هذه القراءة عودة إلى ذلك الذئب وإلى تلك البراءة. وحتى حينها أقول إنني وجدت أن الحلو، على الرغم من ولعه الواضح بالفلسفة الوجودية وبالمفكرين الوجوديين، كثيراً ما يشير في كتاباته النقدية والمقابلات التي يتحدث فيها عن أعماله أو عن أعمال الآخرين إلى "نظرية الرواية". وعند قراءة "نسيان ما لم يحدث" وجدتني أمام سؤال لماذا يحتفي الناقد بمدخل للرواية لا يأبه به كمبدع، ولا يسعى للاسترشاد به كروائي؟ قد تكمن الإجابة هنا في نصيحة افعل ما أقول، ولا تفعل ما أفعل. أما في إطار الرواية فقد تكون في أن قراءة نظرية ما مثل "نظرية الرواية" لن تساعد المؤلف المخضرم أو المبتدئ على تجويد كتابة الرواية، ولكنها قد تساعد القارئ الحصيف على حذق فن قراءته لها. أقول هذا مع تسليمي الكامل بأن عيسى الحلو ليس مطالباً بالانصياع إلى مرعيات "نظرية الرواية"، وإن كانت بعض عناصرها لا تزال تمثل مرجعية أساسية تنطلق منها، قبولاً أو رفضا،ً تنويعات السرد وتجلياته. ومن المدهش أن السرد في "نسيان ما لم يحدث" يقول: "وقد كان أمين في سرده للحكاية يحاكي الحيل الذكية في تلك الحبكات القوية في السرديات الأسطورية والقصائد الملحمية الكبرى. وكان النقاش بين الأصدقاء يحتد حول السرديات المهمة على طول مجرى التاريخ الإنساني.. تلك الحيل التي تجيء عند الكبار.. كافكا.. وفيرجل وهوميروس وهيمنجواي وبورخيس." (ص 18)، ولكن عيسى الحلو لا يحاول هنا أياً من تلك الحيل، ولكن له في جعبته، كما سنرى لاحقاً، حيلاً أخرى. وهذه الحيل وإن لم تأت مباشرة من "نظرية الرواية" فقد أتت من اجتهادات ذات صلة بها.

ويدرك عيسى الحلو أنه على الرغم من أن الكثيرين كتبوا عن "نظرية الرواية"، إلا أن أعظم الدراسات التي عملت على تحليل الرواية ووضعها في إطارها التاريخي والسياسي والاجتماعي تظل هي دراسة جورج لوكاش "نظرية الرواية" “Theory of the Novel” التي كتبها في 1915، والتي يقول فيها أن الرواية منحت أهمية غير مسبوقة لقصص الناس العاديين حيث تسمح للقراء بالدخول من غير استئذان إلى حيواتهم ليتعرفوا عليهم بعد اقتحامهم لدنياواتهم. وبعد عشرة سنوات من كتابة لوكاش دراسته بالغة التأثير، انطلق دي إتش لورنس في سلسلة من الكتابات عن الرواية تأتي في مقدمتها مقالته "الرواية". وبطريقته المتفردة يؤكد لورنس أن الرواية هي أعلى أشكال التعبير الإنساني التي تمّ الوصول إليه.


كافكا

وعند النظر إلى "نسيان ما لم يحدث"، وربما عند النظر إلى أي رواية، قد يكون من المفيد استدعاء تأسيس لوكاش لمفهومي الكلية Totality والنموذجية/العاديةTypicality كالمحورين الذين يتخرك عليهما العمل الروائي. وللمزيد من التبصر يمكن أيضاً استحضار زعم لورنس أن "مستقبل الرواية هو أن تأخذ مكان الأناجيل والفلسفات. والرواية الحالية كما نعرفها. يجب أن تكون لديها الشجاعة لمعالجة الأطروحات الجديدة دون اللجوء إلى التجريد. كما ستقدم لنا مشاعر جديدة ودفق جديد من العاطفة، والتي سنحصل عليها بعد الخروج من خِرق العاطفة القديمة." والرواية قادرة على أن "تعطينا الإنسان حياً" لأنها بشكل أساسي "غير قادرة" على المطلق so incapable of the absolute. ومن التبعات التي لا يستطيع السرد المنغمس في المطلق والضالع في التجريد التنصل عنها، التداخل، وربما حتى التطابق، بين صوتي الراوي والمؤلف. ولكل هذا الذي ذكرت انعكاساته، سلباً أو إيجاباً، وحضوراً أو غياباً، عند قراءة "نسيان ما لم يحدث".

وعيسى الحلو، حُكماً على اهتمامه بنظرية الرواية، يدرك ذلك جميعه، ومع هذا فإن "نسيان ما لم يحدث" مُغرِقة في التجريد، ومُوغِلة في المطلق، ولا تتعاطى الكليات، ولا تعترف بالنموذجي. وما أقوله هنا ليس أمراً مستنتجاً، وإنما هو اختيار متعمد تصرح به الرواية:

"في أغلب الأحيان.. أو ربما هو دائماً يكون التذكر هو إحضار قسري للغياب .. فأنت تعيد إحضار الماضي من بئر النسيان .. تحضر الفعل المنسي أخضر.. طازجاً ونضراً .. كما لو كان قد صنع للتو!.. وهذا ما يفعله الأدب الروائي الجيد البناء .. الرواية تحضر بزهو فائق هذا الماضي كما لو أنه يحدث في الحاضر والآن! .. هذه هي معجزة الأدب الروائي .. صناعة الماضي الذي ينهض بشكل باهر من موته الخاص ويدخل في دورات الحياة من جديد .. الرواية بعث لهذا الجمال الخالد والذي لا يموت أبداً.. وتلك هي خدعة الرواية ومعجزتها الجمالية الفائقة .." (ص 100)

وعيسى الحلو إذ يقول ذلك يعلم تماماً أنه غير مطالب بالانصياع لمتطلبات "نظرية الرواية" كما تشهد على ذلك أعماله الروائية. ولكني استحضر الذي قلته لاعتقادي أنه من الصعب أن نتعامل نقدياً مع الرواية دون أن نستحضر مواقف نقدية تتفق مع "نظرية الرواية" أو تختلف معها.


إرنست همينغوي

وبالإضافة إلى التنظير أعلاه، تتضمن الرواية إشارات مقتضبة إلى عدة روايات من بينها البؤساء) للفرنسي فكتور هوجو المكتوبة في أوائل القرن التاسع عشر (ص 107)، وكانت تقرأ للرجل الداخل في غيبوبة عميقة من كتاب (زوربا اليوناني) (ص 118)، و(رباعية الإسكندرية) (ص 118) ورواية (مدام بوفاري) لفلوبير، و(الحنق) لشوقي بدري. كما أن هنالك اقتباس لمقولة ماكبث في مسرحية شكسبير التي تحمل نفس الاسم والتي جعلتها رواية فوكنر "الصخب والغضب" أكثر ذيوعاً واشتهاراً: (ما الحياة إلا رواية يرويها أبله. حكاية مليئة بالصخب والعنف.) (ص 96). ولكل من هذه الإشارات دلالته. ولكن الإشارة التي تحمل قدراً أكبر من الدلالات هي الإشارة إلى خورخي لويس بورخيس: "وهو نفس الحل الذي قدمه الأرجنتيني بورخيس في قصته الدخيلة. عندما اغتال أحد الأخوين التوأمين الحبيبة سراً لأنهما اكتشفا أنها أصبحت الآخر المدمر لعلاقتهما الأخوية .. فتحولت الحبيبة (الأنا) إلى الآخر العدو والدخيل .. هكذا جاء توصيف إيلين لاغتيال كل من جورجينا وسعدية." (ص95)

ولكن العلاقة بين عيسى الحلو وبورخيس تتجاوز بكثير حدود هذه الإشارة العابرة. فالذي أراه أن الكاتب الذي يشبه عيسى الحلو، أو دعنا نقول الذي يشبهه عيسى الحلو، أكثر من غيره هو خورخي لويس بورخيس. فأوجه الشبه بينهما متعددة، ولافتة للنظر، وجديرة بأن تجذب إليها الاهتمام الجاد. وقد يثير هذا الزعم دهشة البعض، وقد يقول قائلهم: تمهل يا رجل.. هل أنت مدرك لما تقول؟ وهل تدرك أن بورخيس، على الرغم من عدم حصوله على جائزة نوبل للآداب، يعتبر في رأي الكثيرين من الذين يعرفون الأدب جيداً أعظم كتاب القرن العشرين؟ وهل تدرك أن واحداً من أولئك الذين يعرفون الأدب جيداً، أدولفو بيوي كاساريس، قال "إن قراءة أي عمل من أعمال خورخي لويس بورخيس للمرة الأولى هو مثل اكتشاف حرف جديد في الأبجدية، أو نغمة جديدة في السلم الموسيقي." وأقول نعم إنني مدرك لذلك جميعه. ومع أني لا أستطيع أن أقول في الحلو ما قاله كاساريس في بورخيس، فمبقدوري أن أقول إن قراءة أي عمل لعيسى الحلو للمرة الأولى هو مثل تذوق تمرات الخريف الأولى في براري السودان التي يمتزج فيها المر بالحلو (والجناس هنا تام، ومقصود تماماً). وطعم المرارة أجده مراراً على طرف لساني وأنا أقرأ سرد "نسيان ما لم يحدث". ومبعثه أحياناً عدم إحكام عيسى الحلو السيطرة على الأسماء: فروجينا تصبح أحيانا جورجينا، وجون ماجوك يتحول سريعاً إلى جون دينق، والشامي إدوارد عطية يقف مكان خاله صمويل عطية، إذ أن إدوارد عطية الأكاديمي ومؤلف "الطليعي الأسود" لم يعمل بالمخابرات البريطانية. وحتى الشخصية المحورية أمين النوراني تتم الإشارة إليها أكثر من مرة على أنها الجيلاني. ولكن قد يكون هنالك تفسير لهذه "الأخطاء" كما سنرى لاحقاً.

وهنالك أشياء أخرى في الرواية قد يغلب فيها طعم المرارة على مذاق الحلاوة ونكهة الطلاوة، ومن بينها الترقيم. وعلى الرغم من أن الترقيم أمر مستحدث في اللغة العربية إلّا أنه يحمل فيها ذات الدلالات التي يحملها في اللغات الأخرى. وفي "نسيان ما لم يحدث" يستخدم عيسى الحلو من علامات الترقيم النقطة وعلامة الاستفهام وعلامة التعجب والأقواس، ويستخدم الفاصلة أربع مرات فقط، مع أنها، أي الفاصلة، علامة الترقيم الأكثر شيوعاً في جميع النصوص مع اختلاف مشاربها. ولكن الأمر لا يتوقف هنا إذ أن الحلو يُكثِر من استخدام علامة ترقيم لا وجود لها ضمن علامات الترقيم المعتمدة، ولا تحمل أي دلالة محددة، وهي النقطتان المتتابعتان (..). وإذا احتج عليّ أحدهم سائلاً: وهل لهذا أي أهمية في قراءة النص الروائي؟ عندها سأقول نعم، تماماً، ودون أدنى شك.


أدولفو بيوي كاساريس ‏، هو كاتب أرجنتيني أثري كاساريس الأدب الفانتازي والسياسي، والخيال العلمي

وعودة إلى أدولفو بيوي كاساريس نجده يصف كتابات بورخيس بأنها تربض عند "مكان في منتصف الطريق بين المقال والقصة." ومع أن هذا قد لا يكون الحال مع عدد من قصص و روايات عيسى الحلو، فإن "نسيان ما لم يحدث” تكاد أن تمضي في هذا على نهج بورخيس حذو الحافر بالحافر. والأمر قطعاً ليس إتباعاً أومحاكاة، وإنما هو نتاج لعقليات متشابهة تستهويها الفكرة المستعصية فتسعى للإمساك بها والتعبير عنها عب