التراث بالعقل النقدي/١


قاسم حداد


شهوة البحث عن اسلاف

يلزم أن نراجع، بتأمل تفصيلي، جوانب محددة من التجربة الشعرية العربية، المتصلة بالنظر إلى العناصر المكوّنة للكتابة الأدبية الجديدة. ليتيسر لنا أن نرى مظهراً مسكوتاً عنه من مظاهر موقف عناصر التجديد من الثقافة السابقة، أو ما اصطلح على تسميته «الموقف من التراث».

في مراجعتنا لأطروحة القطيعة مع التراث، نريد أن نتأكد أن مثل هذه القطيعة هي وهمٌ من الأوهام، التي تتعرض لها التجربة الأدبية المعاصرة، والجديدة بشكل خاص. أما بفعل المغالاة التي يتحصن بها الجيل الحديث، ضد أسطورة هيمنة القديم على الحديث، حيث القديم لا يموت تقريباً والجديد لا يولد تقريباً، وهي أسطورةٌ تهدد بالفعل الطموحات المشروعة في التجديد التعبيري، وهي مغالاة مفهومة، وينبغي عدم التنازل عنها، حتى في سياق مراجعتنا لطبيعتها الرؤيوية، ففي الفن والأدب لا يتحقق الجديد الإبداعي، إلا باختراقات متطرفة.

فلا تغفل عن وعي أدوات العمل الصقيلة، التي يحتاجها مثل هذا الاختراق الفاتن. فجديد الكتابة لا يكون فعالاً باتخاذ موقف الدفاع عن المنجزات الرؤيوية. الهجوم الجميل هو الذي يتوجب أن تتميز به حركات التجديد الراهنة والمقبلة.

وهو هجومٌ ليس على الماضي أو القديم على وجه التحديد، لكنه هجومٌ نحو المستقبل. فالمبدع الحقيقي لا يجد في القديم عدواً محتملاً، على العكس، أمام المبدع يكون المستقبل هو العدو الكامن، كلما جهلته. وبقدر ما يُحسن المبدع الذهاب الواعي نحو ذلك المستقبل بالمعرفة، بقدر ما يجعل القديم قديماً مطمئناً في (مكانه) وهو يقبل الوقوف (هناك). فالمغالاة تظهر الأمر، أحياناً، كما لو أن ثمة قطيعة بين جديد الكتابة وقديمها. وربما عدنا ـ بتفصيل أكثر ـ لتأمل هذه النقطة لاحقاً.

السبب الثاني لتكريس هذا الوهم، هو الموقف المحافظ الذي يرفض كل تجديد جذري في أشكال الكتابة. بلا شك أن لهذا الموقف أيضاً أسبابه المفهومة، إن كان من ناحية ثقافية أو حضارية شاملة. وبالطبع سوف يستدعي مثل هذا الموقف البحث عن مآخذ يهاجم من خلالها ذلك التجديد، ولن تعوزه المآخذ أبداً. ومن بين أبرز تلك المآخذ تهمة الانفصال عن التراث والقطيعة معه، بكل ما تعنيه هذه القطيعة من دلالات اجتماعية وفكرية ودينية أيضاً. فمن وجهة نظر بعض المحافظين، ستبيح هذه المعركة (المتوهمة) لهؤلاء استخدام الأسلحة كافة، ليس للانتصار لوجهات نظر موقفهم فحسب، لكن في الوقت نفسهن للإساءة للتجربة الأدبية المجددة، وتشويه فعاليتها الإبداعية، والتشكيك في مكوناتها الإنسانية أيضاً.

ولعلنا نرقب ما يحدث في السنوات الأخيرة، في الساحة الثقافية العربية، التي تهيمن عليها المفاهيم (القروسطية) بروافع دينية، والتي جاز لها، متدرّعة بالمنظومات الاجتماعية /السياسية السائدة، أن ترى في مجرد مصطلح (الحداثة) مظهراً خارجاً عن التراث والأعراف والتقاليد، والآداب العامة كذلك، يستوجب مجابهته ومكافحته والتصدي لكل من يتداول مفرداته. نجد أن هذا التوجه يشكل عنصراً حاضراً من عناصر القمع (الشرعي) المتاح لكل من توهم في نفسه مصلحاَ اجتماعياً، أو حامياً من حُماة المجتمع، دوره أن يذود عن حياض شرف وأخلاق هذه الأمة، بأن يتبرع بالفتوى في الأدب والفن، ليعتبر كل ما هو جديد أو طموح نحو التجديد، عنصرَ فسادٍ لا بد من التخلّص منه. إن تاريخ الثقافة العربية، في أشد مراحلها انحطاطاً وقمعاً، لم تمر بمثل ما نصادفه في السنوات الأخيرة.

أكثر من ذلك فإن مثل هذا المناخ القاتم، هو الذي سيكشف لنا إلى أي حد يمكن أن يقع البعض ضحية وهمٍ مكبوت، ليبدو خضوعاً غير معلن، وأحياناً، معلناً لمثل هذا الواقع. حتى لكأن هناك نزوعا لا شعورياً لدى التجربة الأدبية الثقافية الجديدة، لإثبات هويتها التراثية، وتأكيد اتصالها بالجذور الثقافية العربية.

كل ذلك في سبيل نقض التهمة المتداولة التي يرددها المحافظون، ويكرسونها ضد التجديد. هذا النزوع سوف يدفع البعض إلى الذهاب إلى التراث بحثاً عن جذورٍ لأشكال التعبير التي يبدعها. دون أن تكون ـ بالضرورة – ثمة عناصر قديمة في التراث تتصل بهذه الأشكال الجديدة، ما يؤدي إلى بعض التعسف في (تجذير) الجديد، علماً بأن عدم وجود جذور فنية في التراث لما نكتبه الآن، لا يقلل من أهمية التراث كإنجاز ثقافي إنساني، ولا يضعف الطاقة الإبداعية في الكتابة الجديدة في الوقت نفسه. غير أن شهوة تراثية، تتحكم فينا، للبحث عن أسلاف يزكّون سلوكنا الراهن.

56 عرض