التراث بالعقل النقدي «2»: حرية الشغف العملي



تلك النظرة التي تجعل الاتصال بالتراث ضرباً من الخضوع المسبق لمعطيات الماضي، ستكون عرضة للخذلان والخيبة، إذا هي تشبثتْ بمفاهيمها، في ما تتعامل مع الأدب الجديد. فالتراث لم يعد كماً متراكماً ينبغي الذهاب إليه عند الحاجة. ولعل من باب التوهم أن تكون هناك قطيعة تامة بين الإنسان وتراثه.

هذا ما نحاول اكتشافه وكشفه من خلال حوارنا مع التجربة الأدبية الثقافية العربية الراهنة، دون أن نستسلم لما تريده المنظورات المحافظة واعتقاداتها الجامدة.

التراث ليس نصاً جامداً على اللاحق الجديد أن يكرره ويؤمن به.

التراث هو جذوة لا تغادر حركة الحياة، بغض النظر عن الزمان والمكان. وبمعزل عن الذين يزعمون شرط القطيعة، والذين يتهمون الأدب الجديد بها. ففي سياق التاريخ الإنساني، ظلتْ الطاقة الإبداعية والمعرفية فعلاً متواصلاً بأشكال مختلفة وبتجليات غاية في البساطة حيناً، والتركيب حيناً آخر.

ينبغي قبل كل شيء، التأكد من أننا غير معنيين بإثبات اتصالنا بالتراث أمام سدنة القديم، الذين يتوهمون أنهم حماته الأشاوس. ولا يهمنا، من قريب أو بعيد، قبولهم أو رفضهم للأدب الجديد بناء على اتصاله، أو انفصاله، بذلك التراث. على أننا أيضاً نتعامل في مسألة القطيعة مع التراث بأفق مختلف، بحيث نعتقد أن مجرد طرح هذه القضية، ينم عن خلل في طبيعة الحياة الحضارية، في كل ما يتصل بأشكال التعبير التي يمارسها الإنسان.


قاسم حداد

نستطيع أن نفهم المنظورات الخاطئة لمسألة التراث، إذا حاولنا معرفة العناصر الثقافية التي تصدر عنها تلك المنظورات. ففي الثقافة العربية، استطاعت منظومات التفكير السائدة، عبر مئات السنين، أن تحقق درجة كبيرة من التماهي مع المعطيات البشرية في المجال الثقافي، والنصوص الدينية، وتداخلتِ المقاييس، بحيث أصبحت، بعض الأحكام التقليدية، ترى التراث باعتباره كياناً مقدساً، يستمد حدوده من الحساسيات الأخلاقية، والأعراف المكتسبة من المنظور الديني لأشياء الحياة. فقد أصبح من الطبيعي أن تختلط على الكثيرين حدود النص القرآني بحدود الثقافة والأدب الدينيين الموضوعين من بشرٌ يجتهدون ويخطئون، كما بحدود المادة الثقافية والأدبية المختلفتين، كالمأثور من الشعر والكلام العربي القديم.

وسوف يكرّس هذا التداخل تلافيف العقل الشرقي المتمثل في خاصية تقديس المكتوب، والمكتوب القديم على وجه الخصوص.

ولعلنا نتذكر جيداً ردود الفعل الكثيرة التي أثارها كتابان صدرا في النصف الأول من القرن العشرين، لكل من علي عبدالرازق «الإسلام وأصول الحكم» وطه حسين «في الشعر الجاهلي». فعلي عبدالرازق، وهو الرجل المتخصص في الدين الإسلامي وأحد شيوخ الفقه في زمانه، كان قد تكلم في كتابه عن مفاهيم الدولة في الإسلام ومفهوم الخلافة، معتمداً على النص القرآني، ولم يناقش سوى اجتهادات علماء ومفسرين سابقين.

غير أن ذلك لم يعجب المنظومة الدينية الرسمية المهيمنة آنذاك، واعتبرت تلك المناقشة خروجاً يتوجب كبحه، باعتبار ما وضعه السابقون مقدساً ومحصناً ضد المساءلة والشك وإعادة النظر، رغم المتغيرات الحضارية كافة، التي طرأت (وتطرأ) على حياة البشر وتفاصيل ضرورياتهم الجديدة.

وجهة نظر تلك المنظومة الثابتة، بأن السماح لمثل هذه الاجتهادات، التي تمسّ ما تعارفت عليه الشريعة الإسلامية، طوال السنوات، فمن شأن تلك الاجتهادات أن تفتح باباً على مصادر ذلك التشريع، ونقدها. وهذا ما لا قِبل للواقع الاجتماعي / الديني العربي أن يحتمله. وإذا نحن تأملنا البعد السيسولوجي لهذا الموقف وطبيعة التركيب المتراص بين الأداة والفعل الديني /الاجتماعي، نستطيع أن نفهم الموقف، ونقيس بعد ذلك الخسارة الحضارية التي تتكبدها الثقافة العربية، بسبب إغلاق الباب الذي طرقه كتاب علي عبدالرازق، حيث اعتُبر ذلك الكتاب تطاولاً على التراث بمفهومه الشامل: الدين.

أما كتاب طه حسين، فهو الدليل الأكثر سطوعاً على الحساسية المتفاقمة في المنظومات الاجتماعية المهيمنة. فكتاب «في الأدب الجاهلي» على مبعدة من المجالات التي طرقها كتاب علي عبدالرازق. فقد كان الشعر الجاهلي هو النص الذي طرح طه حسين أسئلته المتشككة حوله، وتساءل عن مقدار المصداقية التي يمكن أن نثق بها حول ما إذا كانت قصائد الشعر الجاهلي نصوصاً أكيدة المصدر والمؤلف والزمان. وعلى الرغم من أن طه حسين، اعتبر القرآن هو النص الوحيد الذي يمكن أن نثق بتاريخيته، إلا أن ذلك لم يشفع له، من وجهة نظر سدنة التراث. وحسبوا كتابه مقدمة تستهدف (في العمق) النيلَ من ذلك التراث برمته، وإن المؤلف قد تمسّح بالقرآن تملقاً لتأجيل طرح الشك في النص الأول نفسه، باعتباره نصاً (جاهلياً) من وجهة تاريخية الإسلام.

وتحوّل الرد على طه حسين وكتابه، هجوماً واسعاً، شارك فيه السياسيون والفقهاء والكتَبَة وطابورٌ طويلٌ من مدعي الدين وحماته، إضافة إلى عدد لا بأس به من الأدباء السلفيين، الذين وجدوا بدورهم، في كتاب طه حسين، تهديداً جذرياً للهياكل المنهجية، التي يعتمدونها، والتي تقوم عليها طريقة النظر والتعليم الأدبي من المرحلة الابتدائية حتى الجامعة. وفي هذا تهديمٌ للبنية العقلية التي قامت عليها فكرة تقديس المكتوب القديم. إنه اجتهادٌ يتوجب كبحه، ولنا أن نتخيل الخسارة الفادحة التي أصابت الثقافة العربية بإغلاق الباب الذي طرقه طه حسين، ويريد فتحه. وهو باب حرية البحث والنظر العقلي في أشياء الثقافة وخصوصية المعرفة الإنسانية في الحياة. هذا الباب الذي يشكل الآن، مجرد التوقف عنده، محذوراً لا تطيقه النفوس، والمنظومات التي تحكم قبضتها على مجمل الحياة العربية.

وإذا كان مجرد شكّ طه حسين في شعر ما قبل الإسلام، كان قد شكّل مسّاً بقداسة التراث الأدبي، فماذا نسمّي رغبتنا الجديدة في وضع مجمل ذلك التراث تحت مجهر الخبرة الحضارية المتراكمة، على صعيد المعرفة العلمية والإبداع الإنساني بشتى تجلياته الفنية والأدبية؟

ترى هل يمكن أن يشكل كل هذا الهيام العلمي بالتراث قطيعةً معه، كما يزعمون؟


27 عرض