الحرب في أوكرانيا (2)


هل علينا أن ندعو إلى عالمٍ متعدد الأقطاب؟


يتّجه العالم الآن، بعد الحرب الأوكرانية-الروسية، إلى شكلٍ جديدٍ.

الشكل الجديد متضمّنٌ في شكل بنية الامبريالية ككلّ، التي تتبدّل عمرانياً يوماً عن يوم دون أن نعي، أو نحسّ، بها مباشرة.


بدأت الامبريالية بشكلٍ متشرذم، وبعد الحرب العالمية الثانية غدت الامبريالية بشكلٍ ثنائي، ومنذُ سقوط الاتحاد السوفيتي والامبريالية العالمية تنزع نحو شكلٍ موحّدٍ. الهيمنة الأمريكية على رأس المال الامبريالي ليست بهيمنة أمة على باقي الأمم الامبريالية، وإنما الامبريالية ككلّ مبنينة وفقاً لرأس المال الاحتكاري الأمريكي. في البداية كانت الوظيفة الامبريالية متشرذمة، وبعدها كانت ثنائية بين الامبريالية السوفيتية من جهة والغربية من جهةٍ أخرى (بين ”الاشتراكية في بلدٍ واحد“ و”الديموقراطية“، أو بين ”الكتلة الشرقية على رأسها الاتحاد السوفيتي“ و”الكتلة الغربية على رأسها الولايات المتحدة“) وبعد السقوط السوفيتي أصبحت موحّدة. لا يُمكن التخيّل أن ثمة وظيفة امبريالية أخرى ضمن الموجودة اليوم.

صعدت البلدان الكولونيالية المهيمنة، مثل روسيا، في اللحظة التي كانت فيها الامبريالية العالمية غير موحّدة، أي حين كانت حالة صراع امبريالي-داخلي في اشتداد. فمنذ 2008، كانت الامبريالية العالمية في أزمة، وتوالت بعدها الأزمات التي تعبّر عن تفكك وحدة الامبريالية. فمثلاً، ظهرت مختلف الأشكال للسياسات الحمائية في أهم البلدان الامبريالية: الترامبية في الولايات المتحدة (الحرب التجارية مثلاً، لا بين الولايات المتحدة والصين، وإنما مع الولايات المتحدة والامبريالية الأوروبية بالتحديد)، بريكسِت في انكلترا، النجاح الوشيك للوبان في فرنسا، جائحة كورونا، إلخ. القاعدة هي: كُلّما تعمّقت التناقضات الامبريالية-الداخلية، تعمّقت معها التناقضات الامبريالية-الكولونيالية، والكولونيالية-الداخلية.

إن صعود البلدان الكولونيالية المهيمنة، مثل روسيا، يدلّ على حقيقةٍ واضحةٍ: إن البنية الامبريالية العالمية هي في أزمة. الواضح أن من الآن فصاعداً ستكون الأزمات الامبريالية ممهدة لصراعات امبريالية-داخلية، وصراعات امبريالية-كولونيالية مهيمنة أيضاً. هذا الصعود يعني أن البلدان الكولونيالية المهيمنة تتّجه إلى فرض التبعية الطبقية على بلدانٍ كولونيالية أضعف منها، تحقيقاً لمنطق تطوّر نمط الإنتاج الكولونيالي نفسه. هذا ما نراه حاصلاً بين روسيا وأوكرانيا، أي هذه هي طبيعة الحرب الروسية على أوكرانيا؛ وهذه حقيقةٌ لا خلاف عليها، إلا للذين يقبعون في جهلٍ أبدي.

من الواضح أن الغزو الروسي لأوكرانيا يمهد الفرصة للوظيفة الامبريالية أن تتوحّد بعد صراعاتها-الداخلية الطويلة.

لكن هل يُمكن للتوحيد هذا أن يتمّ من دون إشراك البلدان الكولونيالية المهيمنة الصاعدة (مثل روسيا) فيها؟ نُجيب بالنفي. لعلّ الامبريالية الغربية غافلةً عن هذه الحقيقة بالتحديد، ولهذا تتصوّر أنه من الممكن البقاء على العالم كما هو في شكلهِ الحالي، عبر سدّ الطريق أمام هذا الصعود؛ كما لو كان هذا الصعود أمراً عرضياً، ناتجاً عن ”عقليةٍ شموليةٍ“؛ تتجاوز الأعراف والقوانين الدولية، تتأثر بفلسفاتٍ سياسيةٍ شاذة، تتعطش للهيمنة العالمية لإنقاذ نفسها من الهلاك الداخلي. فما على المرء إلا أن يُقيس هذا الوهم بتضخيم الإعلام الغربي لتأثير الإكسندر دوغين على بوتين، كما لو كانت تنظيرات الأول هي اليد الخفية المحركة لكُلّ الحاصل. هكذا، يستبدّل التحليل العلمي بتحليلٍ شخصي-ذاتي؛ كما لو كانت الأفكار هي محرك التاريخ، لا العكس.


الذين يدعون إلى عالمٍ متعدد الأقطاب واقعون تحت سطوة الآيديولوجيا الليبرالية البورجوازية. السبب واضحٌ: إنهم يؤمنون بالعولمة بقدر ما يؤمن بها العولميون (أي أتباع الآيديولوجيا الامبريالية)، والفرق بينهما هو: أحدهما يؤمن بأن العولمة أمراً واقعاً، بينما الآخر يقول إن العولمة ”متمحورة“ حول قطبٍ واحدٍ، وهو الولايات المتحدة الأمريكية (و”الغرب“ عموماً)، وبالتالي إصلاح العولمة، حسب رأيهم، يكمن في ”تعدديتها“، أي - بكلمات ملموسة - إدراج الصين وروسيا (وغيرها) ضمن البلدان المهيمنة التي تتخذ القرارات السياسية والاقتصادية على الصعيد العالمي. الفكرةُ هذه تعبّر عن الآيديولوجيا البورجوازية لأنها تتوهّم بأنه من الممكن لكُلّ أمم العالم أن تتوحّد، في هيئة عالم متعدد الأقطاب، سلمياً. لكن كما يقول هيغل: ”الانتباذ يؤدي إلى الانجذاب“ لا العكس، وبالتالي لا يُمكن القول إن ”سلمية“ العالم هي الأساسية، بينما الحروب والصراعات والخلافات هي أمور ثانوية وعَرضية (أو شاذة).

على العكس، إن الحروب والصراعات هي الأساسية، بينما سلمية العالم هي ”ظاهرة عرضية“ عابرة.

لا بد أن تؤدي التغيّرات العمرانية الحاصلة في المشهد العالمي إلى ركودٍ اقتصادي معيّن (ولا نعلم مداه الآن)؛ هذا ما نراه في بلدان أوروبا مثلاً، حيث تأثير العقوبات الاقتصادية على الغاز الروسي تتضح أكثر فأكثر. قلنا إن الامبرياليين لن يمانعوا ركوداً مثل هذا طالما يحقق ذلك عملية التقهقر الوظيفي لدى الوظيفة التبعية للبورجوازية الروسية. في فرنسا نجد أن تمّ تأميم شركة الكهرباء الفرنسية (EDF)، ونجد أن في ألمانيا قامت الدولة بإنقاذ شركة يونبير (Uniper) للطاقة بمبلغ يقدر بـ 15 مليار يورو. لم يتمكّن الامبرياليون الأوروبيون من إيجاد حلٍ فوري لمشكلة الغاز في الشتاء القادم غير الاقتصاد في استهلاكه (هذا لا ينفي تعاقدهم مع بلدانٍ أخرى لتوفير الغاز، وعلمهم باحتمالية وقوع السيناريو الأسوأ)، ويرجع ذلك إلى التناقضات الداخلية في البورجوازية الأوروبية ككلّ؛ بين بلدانٍ تستهلك الغاز بشكلٍ أقل، وبين بلدانٍ لها مواقف سياسية متفاوتة في حدتها إزاء روسيا (مثلاً الموقف المهادن الفرنسي، والوسطي الألماني، والمتطرف الانكليزي، وهكذا).

قلتُ إن هدف العقوبات الامبريالية الغربية على روسيا ليس ضربها اقتصادياً فحسب، والتاريخ يثبت أن مهما فُرضت العقوبات على بلدٍ ما فإن ذلك لا يدفعه تلقائياً نحو الانهيار، وإنما الهدف، وبشكلٍ أساسي، هو فرض التقهقر في الوظيفة التبعية الخاصة بروسيا. لكن هذا الفعل، بحد ذاته، لا بد أن يؤدي، في الوقت نفسه، وبشكلٍ منعزل عن إرادة القوى الامبريالية، إلى توحيد العلاقة الامبريالية في وظيفةٍ واحدة، إذ ذلك سيؤدي إلى توحيد البلدان الكولونيالية المهيمنة أكثر فأكثر؛ فما على المرء إلا أن يُقيس هذه الحقيقة بالحياد العام الذي تبنته الكثير من البلدان الكولونيالية إزاء الحرب. مثلاً، لم تؤثّر الحرب على العلاقات السياسية والاقتصادية الجامعة بين روسيا والهند، أو الصين، أو المملكة العربية السعودية، أو البرازيل، أو إيران، أو تركيا. ذلك لأن كُلّ هذه البلدان تسعى إلى النهوض كبلدانٍ مهيمنة صاعدة، وتجد أن الوجود الأمريكي بحد ذاته قد يمنع، بأشكالٍ كثيرة، هذا الصعود. سيكون على هيمنة رأس المال الأمريكي عالمياً إعادة تنظيم ذاتها بطريقةٍ تقبل فيها صعود البلدان الكولونيالية المهيمنة، إذ إنها - هذه البلدان - تدخل في تعاونات جديدة. في نهاية المطاف، إن هذا الاتجاه نحو وظيفةٍ امبرياليةٍ موحّدةٍ سيدخل في طور الاكتمال مع إشراك البلدان الكولونيالية المهيمنة فيها، أي ضمن تبنين رأس المال العالمي أمريكياً.

إن ما يسمى بعالم متعدد الأقطاب هو ليس سوى عالمٍ مرحبٍ للبلدان الكولونيالية المهيمنة الصاعدة، لتدخل ضمن مصفوفة الوظيفة الرأسمالية العالمية تحت ترتيب جديد؛ وهذا ضروري وقوعه، سواء أكان عبر حرب عالمية أم اتفاق عالمي شامل. مهما كان الأمر، هذا العالم ”المتعدد الأقطاب“ لن يكون سوى جسرٍ لعالم مأزوم قادم؛ فالأزمة الضخمة القادمة (التي قد تكون بعيدة عنا اليوم) ستشمل دماراً حقيقياً، إذ كُلّ عوامل الانهيار العمراني تستقوي، يوماً بعد يوم، أمام أعيننا؛ وصعود البلدان الكولونيالية المهيمنة، هذه الحتمية الصارمة، يدق ناقوس الخطر العالمي. هذا هو واقع الحال كما أقرت النظرية الكولونيالية مراراً وتكراراً. تُرى هل علينا أن ندعو إلى عالمٍ كهذا؟ كما لو كانت مشكلتنا هي مشكلة بلد امبريالي واحد فقط، بدلاً من النظام الرأسمالي العالمي ككلّ؟ وحدهم الذين فقدوا كُلّ فكرٍ ثوري سينادون بعالمٍ كهذا، بدلاً من تغييره كُلّياً. لكن، ما العمل؟ مهما نحاول تذكيرهم بأن أفكارهم ستأخذهم إلى صفوف الرجعية العالمية يقولون لنا مثل بتريشيو:

” قمر كان هذا أو شمس، أنه ما نتخيّله أن يكون.“


تكتيك فن التضليل الروسي

في الجزء السابق من مقالنا هذا، الذي نشرناه في مارس الماضي (شهر بعد الغزو الروسي)، جئنا على ذكر حقائق محددة حاولنا أن نقرأ بها واقع الحرب الروسية-الأوكرانية وفقاً لنظرية علم العمران. إن الواقع الملموس قد أثبت صحة ما طرحناه آنذاك، وبالتالي تمكّنا من طرح معنى عاماً لهذه الحرب وآثارها على بنية العالم. في المقال المذكور ركّزنا، من جهةٍ، على الطبيعة العسكرية للغزو، فرأينا أنه من غير الصائب تعريف الاستراتيجيا العسكرية الروسية في أوكرانيا كاستراتيجية الحرب الخاطفة (أو ما يسميه الألمان Blitzkrieg)، وسوء التعريف هذا راجع إلى التشخيص العام عند الإعلام الغربي؛ الذي قام بهذا التشخيص بفعل عدم إدراكه الكلّي بالتاريخ العسكري للاتحاد السوفيتي من ناحيةٍ، وبفعل محاولته الإعلامية في تشبيه بوتين بهتلر، وهذا في كُلّ الأحوال تشبيهٌ غير صحيح، وتمّ لأغراضٍ دعائية. وإنما علينا تعريف هذه الاستراتيجيا العسكرية كاستراتيجية "فن التحجيب“ أو ”فن التضليل“ (أي Maskirovka).

بِمَ نُعرّف الاستراتيجيا هذه؟ في تعقيبٍ نشرناه لمثل المقال، في مارس الماضي، قلنا إن فن التضليل جزءٌ من فن العمليات السوفيتي، والفكرة هي أن تكون هناك عدة عمليات عسكرية هدفها إلهاء العدو عن العملية الرئيسة. في أوكرانيا وجدنا أن العملية العسكرية الروسية تقسّمت على ثلاث جبهات: شرق أوكرانيا (الدونباس)، وشمالها، وجنوبها. الهدف من هذا التضليل هو تطويق الدونباس، خصوصاً أن 40 ألف من القوات الخاصة الأوكرانية موجودة هناك، وبالتالي قطعها عن كييف، وذلك لإطاحة حكومة زيلينتسكي بالكامل. لكننا بيّنا أن هذا،