الحروف تُشكل بحرها .. تأملات في اللوحة الزرقاء للفنان حافظ



لفت انتباهي وأنا أتصفح موقع المحامي والفنان حافظ حافظ في الإنستغرام (Hafiz Hafiz) وجود أكثر من خمسين لوحة "حروفية" بتشكيلات متعددة من أعمال هذا الفنان البحريني المغمور. كل لوحة منها ترى الحروف تتلاصق وتتلاقح وتتصارع وتتداخل وتتخاصم وتتحارب وتتجاذب وتتغازل وتتغامز وتتحاضن بعضها مع بعض، لتشكل حياة وكائنات وأرواحاً. وكل لوحة منها يهيمن عليها لون واحد فقط بتدرجاته، حيث الأحمر والأخضر والبني والذهبي والأسود والأبيض والرمادي والأزرق، كل لوحة يمتلكها اللون الواحد كالسيد الأوحد، مع بعض الاستثناءات حيث أكثر من لون في اللوحة الواحدة. ترى الحروف بوضوح فيها، بل ترى الكلمة الواحدة بشكل يصلك معناها، وبعضها تستطيع قراءة النص الشعري فيها بخط عربي جميل وألوان متناسقة.


المحامي والفنان حافظ حافظ

اللوحة الزرقاء:


لكن توقفت متأملاً أمام لوحة زرقاء - بدون عنوان - 120*120سم على كانفس، وجميع تدرجات اللون من مادة أكريلك. مع تعليق منه على لوحته ((مقتطفات من قصيدة للشاعرة فوزية السندي؛ لصمت البحر، أنتهرُ الموت لظل الضوء أنتحبُ الحب...)). وقد استفزني التعليق وعلاقته باللوحة، فتواصلت مع الفنان حافظ لمعرفة المزيد عن خلفية هذه اللوحة التي أسميتها تعليقاً عليها ((حبرُ البحر؛ حربٌ))، وقد أوضح لي- إبتداءً - بأن اللوحة المعروضة في الإنستغرام ليست نهائية وغير مكتملة، وحصلت منه على اللوحة المكتملة.


(انظر الفيديو رقم (١)- اللوحة مع خلفية موسيقية لسوناتا بيانو رقم ٨ لبيتهوفن).

القصيدة ودلالات اللون الأزرق: قصيدة الشاعرة فوزية السندي التي استفزّت مخيلة الفنان حافظ ليخلق منها لوحته هي: لصمت البحر.. أنتهرُ الموت لظل الضوء .. أنتحبُ الحب بعد عناق قليل على رجة القلب، ارتميتُ بهدوء رملة على غدر مساء كاد كالقتل. محتواة بقميص أزرق، يتمرأى بشعر يتهاطل بمودة الغريب بشفتين تعتزمان نحرَ سواقي الخجل تهجيت جسداً لا يداري هيجةَ البحر جسداً لا يهدأ ولا يمل من نهل صيحة الحب. تلاهينا بصمت الموت دون هواء واحد.. استقوى، على خنق عناء الشهيق لنحترق وحيدين معاً حدقنا.. ضدنا، لنلتئم معاً.. تمادينا نحونا لننتهر معاً.. وميض هزيمة تقترب. مغتالة بغرابة عينين طافيتين بألم عميق عميق كبئر.. لم يبق لي إلاّ: دمعٌ يتحدر بضراوة اليتم آهاتٌ كتومةٌ تؤجل أضرحةَ الليل شهوة تدشن حبري بحب نادر. امرأة متروكة لسخاء الحسرة لا تعرف ولا تدرك.. ما يحدث لها من غريب العبء كأنها تستعصي.. لتثق بوفير حب يتلاهب به، تغاور حتم المهب. جالسة نحو رمل يهديها خرس القواقع وعنف الغياب أمامها البحر الوارث صخب أشرعة تغتر، بصعب صوار تتكسر، تتساهى عنها، لئلا تسهى عنه. رأفة بحتف حب قدير ببهجة التوق يتقدم نحوها.. تدير عينيها لمهالك لا تراها. بحر جاثم بمرايا تزرق من خجل جثث تتأوه خلفها العالم كله، يستبد بعناد قذائف تتعدد لتتناسى كل هذا الجحيم.. تلتحم بحب فاحش، يتهامى بوجل غريب حب، لينشحذ كمدية تفغر نواهي القلب ينثال شيئاً .. فشيئاً.. وينحر عبء الوريد. ليغدو القلبُ – بغتة – متيماً بفارس عنيد يتقن رعدَ الأعنة وهو يتلو مداه صريع يغافل محنةَ الصبر وهو يجلو عناه من سواه قتيلاً .. يتفقد قسوةَ قتلاه. معه، أكتنز بذخيرة المحبة أدمي ما تبقى من ذاكرة تتوسل كأنه المصير الوحيد المقبل بلا حذر كأنه السطر الأخير المتاح لحبري الضرير. شقي مثقل بقلب يصطبر، فاتن يلتف بساعديه الجسورتين، ليحتمل حدودَ صدرها المرتعب تراه كحلم يتوجع مراراً ولا ينهدر دون ظلام عينيها .. مراراً .. هكذا. أحيانا يغدو كغبار أملس يمسُّ حناياها وأخرى، يتبادى كضوء يتهادى حول ظلال تتهجاها. وحدها، راحت تفتش عن خنق رئات لا تعبأ عن يدٍ مستباة بأصابعَ حيرى تستميد عن عطرِ روح خجلى ترتشى صوتَها عنها، لتتحاشى موتها.

خبايا الخط لدى حافظ:


يتّضح من هذه القصيدة أن اللون الأزرق (كدال) وهاجس شعري هو المهيمن على شكل وروح القصيدة من خلال (مدلولات) الأزرق، كالبحر ودلالته من غضبه وغدره وأعماقه وأسراره. وحيث تنكشف استفزازات (الأزرق) في مخيال الفنان حافظ ولوحته الزرقاء بتدرجاته الواضحة والمُعبرة أيضاً عن البحر بسطحه الأزرق الصافي وأعماقه الزرقاء القاتمة المعتمة واللون التركوازي المائل للأخضر وسواده كلما تعمقنا أكثر فيه. فضلاً عن أن كل الخطوط باللون الأزرق.


شربل داغر

وعلى ما يبدو تجلّى حافظ مع القصيدة واستلهم منها الحروف العربية وبعض مقاطعها، وتلاعب معها كفن تجريدي. وكأنه انجذب لبيان فني حروفي نشرتها الفنانة العراقية (مديحة عمر) في عام 1949 في واشنطن بعنوان (الخط العربي: عنصر استلهام في الفن التجريدي) دعت فيه (( إلى تحرير الحرف العربي من أسره الخطي، واجدة فيه عنصراً فنياً لتأليف تجريدية عربية، بعد أن رأت أنه يجب ألّا ننظر إلى الخط العربي "كأنه مجرد أبعاد وأشكال هندسية، بل بوصفه يتضمن أشكالاً تصميمية وتكوينية مناسبة للتجريد))- شربل داغر: وفي هذا الكتاب نص البيان الفني لمديحة عمر-.

والمتأمل للوحة الزرقاء يستشف هذا التجريد للحروف العربية التي تحررت من خطيتها وهندسيتها، بل وحتى من أنواع الخط العربي المعروفة، مقارنة بنوع الخط الذي استخدمه حافظ في لوحته، حيث خطه الخاص متحرر نسبياً عن الأنماط المعروفة في الخط العربي. فالخط المستخدم في هذه اللوحة هو الخط الكوفي القديم حيث قام الفنان حافظ بتطويره وتطويعه ليصبح عصرياً. هو إذن خط حُر، خط تشكيلي بدون قواعد الخطوط المعروفة حيث كل حرف له قاعدة ومساحات معينة. أما هذا الخط المستخدم في اللوحة فهو خط تمرد على هذه القواعد. أما التداخل بين الحروف في اللوحة، فواضح بأنه قد خلق إرباكاً "بصرياً" وهو إرباك يشد ويجذب المشاهد الذي يبحث بالتالي عن الحروف بدل البحث عن المعاني. بل ترى كيف تحولت الحروف إلى ماء البحر ومكوناته من الكائنات، كما سنوضحه لاحقاً في سياق هذا البحث .

دلالات اللون الأزرق في القصيدة:

القصيدة التي استفزت الحروف في حافظ للشاعرة فوزية السندي لها علاقة "بالعُمق" سواء عمق البحر أو أعماق النفس. وقد انعكس هذا "العمق" بشكل جليّ في اللوحة الزرقاء-موضوع هذا البحث-. وفي القصيدة العديد من الصور التي تعكس مدلولات البحر بلونه الأزرق، أو بمكوناته الحيواتية والجمادية، أو بدلالاته النفسية المُعبرة عن المكنونات "العميقة" في ذات الشاعرة. ويمكن إبراز هذه الدلالات في الجدول المقارن أدناه. علماً بأننا ابتعدنا عن تفكيك وتحليل قصيدة فوزية السندي، وركزنا فقط على إبراز العلاقة اللونية فيها من حيث الدال (اللون الأزرق) ومدلولاته، مع أهمية التوضيح بأن البنية البرانية والجوانية للقصيدة وأجواءها النفسية وهواجسها حسب رؤية (غاستون بشلار) تحمل مدلولات (الأزرق) الخانق كالموت، المؤلم كالغدر والخيانة، والعذاب كفقدان الحب.


جدول دلالات ومدلولات الأزرق


ملاحظة تحت الجدول:

عند تركيزنا في قصيدة فوزية السندي على توظيف اللون ودلالته، اعتمدنا على تفسيرات نقيبة الفنانين التشكيليين اللبنانيين، كلود عبيد، من كتابها "جمالية الصورة؛ في جدلية العلاقة بين الفن التشكيلي والشعر"،2010م. حيث قسمت أنماط توظيف اللون في الشعر إلى أربعة أنماط على النحو التالي:


النمط الأول: توظيف الدوال اللونية على مستوى الوصف، بحيث تَسلط طقسية المعرفة المسبقة للألوان في وجدان الشاعر، كجعل الأبيض للجمال والسلام، والأصفر للمجد والثروة، والأسود للهدم والمقاومة والعنف، والأخضر للبعث والتجديد...إلخ.


النمط الثاني: يوظف مفردات اللون توظيفاً على مستوى التشبيه ومقاربته.


النمط الثالث: على مستوى العلاقات الرمزية، حيث يتم استخدام مدلولات اللون لتمثيل دواله، حيث يغدو العطر في لون القمر، واللحن بلون الفضة.


النمط الرابع: يمثل احتجاجاً على النمطية السائدة في توظيف اللون وإخضاعه للثابت تصريحاً أو ترميزاً أو تلميحاً، بل هو مفتوح لترويض دوال اللون وتأويلها. وهنا يبرز أسلوب الإنزياح - أي الابتعاد عن مطابقة الدال لمدلوله- فالدوال اللونية لا ينبغي أن تكون تعبيراً أميناً أو صادقاً لمدلولات غير عادية، بل هي التعبير غير العادي لكون عادي - الشاعر ملارميه استخدم هذا الأسلوب حينما كتب "الليل الأبيض"، والشاعر قاسم حداد حينما كتب "صباح الليل" في قصيدته (ويقول للموتى: صباح الليل، يهذي،،، صباح الليل للموتى،،، إذا ماتوا). ولذلك ففي القصيدة الحديثة انتقل توظيف اللون من لغة الرؤية المسطحة إلى لغة الرؤيا المركبة.

بداية خلق اللوحة الزرقاء:


لحظة بداية خلق اللوحة، حيث الفنان حافظ يخط مقطع من قصيدة السندي؛ (بعد عناق قليل على رجة القلب)


لحظة ولادة اللوحة

في هذه اللحظة ـ فقط - من خلق اللوحة من الممكن أن نستشف وضوحها ومباشريتها، وكأنها حقاً -كما يقول شربل داغر- (( مع الحروفية، تبدو اللغة العربية مثل مقلع الحجارة، والحروفي مثل البنّاء: إنها الأحجار والمعمار)). وحقاً تشاهد المعماري حافظ يضع حجرًا (بعد) على حجرٍ (عناق) في حجرٍ (قليل)، وهكذا حتى يكتمل المعمار. بل عند هذه اللحظة من خلق اللوحة تتراءى أمامك "نقطة الانطلاق" كما أوضحها بيان "البُعد الواحد" للخطاط العراقي حسن آل سعيد، حيث فسّرها شربل داغر بأن ((الحرف الكتابي تحديداً هو نقطة الانطلاق... حيث توقف عدد من الحروفيين أمام العلامات غير اللغوية، مثل العلامات الهندسية أو علامات الترقيم وخلافها، أما الأغلبية منهم فقد توقفت امام اللغة، علامة العلامات))

ونلاحظ-عند لحظة النطفة الأولى من خلق اللوحة - بأن حافظ قد انحاز لكلمات ومقاطع من قصيدة حداثية كنقطة الاهتمام وخط الانطلاق للوحته الزرقاء، حيث بدأ حافظ من وسط اللوحة لتنتشر حروفه كالشعاع في زوايا وأركان كل اللوحة، ومع اللون الأزرق في كل الحروف تعيش حالة السباحة في بحرها. ولكن يا ترى هل هذه الحقيقة الآنية اللحظوية الواضحة للخلق ستكون هي حقاً نواة الاهتمام للوحة بعد اكتمال خلقها؟. لنترك السؤال معلقاً، مؤقتاً! 

من يسترجع ما شاهده في الفيديو رقم (١) كلوحة مكتملة، فبالتأكيد سيصل إلى نتيجة مغايرة لمضمون السؤال المعلق أعلاه، ففي الخلق النهائي للوحة أصبح ((للون معنى كما للكلمة معناها. والكلام يرسم جواً نفسياً مثل الألوان، هناك نسق الكتابة، وهناك نسق الرسم، في العمل الفني الواحد، كما أن هذين النسقين يتحاوران، "يتغامزان" ويتقاطعان، أو يستقلان تماماً، الواحد عن الآخر)) - شربل

لذا نلاحظ بأن العلاقة بين النسقين-الكلمة والرسم - أصبحت معقدة في هذه اللوحة، بل عندما تتأمل اللوحة المكتملة تحس بأن الكلمات الواضحة في بداية خلق اللوحة قد أمست أشكالاً كتابية بدون أي معنى، مرئية وحسب، ((تصبح الريشة-الرسم- فيها بمثابة القلم-الكتابة- وفق حركة في الكتابة/التلوين، نظامية وحرة في آن معاً، الحركة متكررة لكن مختلفة، إنها كتابة كما لو أن مسّاً كهربائياً أصاب الفنان))-المصدر السابق، بتصرف بسيط.

اللوحة الزرقاء/ البحر الأزرق بتدرجاته ومكوناته الحروفية، بعد اكتمالها تحول فيها البحر لغة، موجته كتابة ورذاذه حروف ((اللغة مثل البحر دهرية وراهنة، ثابتة ومتبدلة، نسبح في المياه نفسها، نكتب بالحروف ذاتها)) هكذا وصف شربل داغر تجربة الحروفي (نجا المهداوي) حيث يعوم في ماء اللغة. وأحسب بأن الفنان حافظ في هذه اللوحة الحروفية التجريدية التشكيلية قد رقص مع حروف وكلمات القصيدة، وغرق في لج اللون الأزرق، فأصبح الأزرق لديه ماء حروفه وكلماته. 

في لحظة الخلق/النطفة الأولى للوحة وحافظ يضع "نقاط" الحروف. فتحتَ حرف الباء في كلمة "بعد" والنقطتان على القاف في كلمة "عناق" والنقطتان فوق القاف وتحت الياء في كلمة "قليل". وهنا تذكرت ما قاله شربل داغر في تقديمه لمعرض الفنانين الحروفيين في الشارقة عام 2013، حيث أشار لأعمال الفنان الحروفي القطري (يوسف أحمد) بأنه ((يضع النقطتين فوق القاف بطريقة لا تناسبهما في الكتابة، بل تناسب التكوين الفني للوحة)).

والمتأمل لمواقع النقاط في اللوحة الزرقاء، يكتشف بأن الفنان حافظ يضعها داخل حرف الباء وليس تحته، وداخل حرف القاف وليس فوقه، وداخل حرف الياء وليس تحته.

ونتساءل هنا عن جدلية التأثير والتأثر بين الحروفيين التشكيليين. صحيح طريقة الفنان القطري في تعامله مع نقاط الحروف تختلف عن طريقة الفنان حافظ، ولكن هي لحظة ومضة أو إشراقة من فنان يعيش ذات الهواجس، فيلتقط فكرة ويستخدمها بشكل جديد كما مخيلته تراه- ألَم يمارس بيكاسو هذا الاقتباس من فنانين كانوا معه وتفوق عليهم بإبداعه المتميز؟!.

لكن حينما يشير شربل داغر بأن الفنان يوسف أحمد تظهر في لوحته أن للحروف ظلالاً لونية، وهكذا تخيلتُ وجود "عمق" في اللوحة الزرقاء من خلال تدرج اللون الأزرق فيها وصولاً إلى السواد المزرق كقاع البحر.  بيد أن ما أثارني أكثر هو كيف تمكن "ظل" وجه الفنان حافظ وهو يرسم اللحظات الأولى لخلق لوحته، بأن يتحول هذا الظل إلهاماً في مخيال الشاعرة فوزية السندي بان تكتب قصيدة أخرى، ليست استكمالاً لقصيدتها التي فجرت قريحة حافظ في خلق لوحته، وإنما قصيدة ربطت ظل حافظ وهو يخلق لوحته الزرقاء!.


الفنان حافظ وظله وهو يرسم اللوحة الزرقاء

القصيدة الثانية للشاعرة فوزية السندي بعنوان "للحرف وظله"

موازياً فراغه الأليم ينتهر ظله الواقف أمام أبيض السديم معتزاً بسرّه الدفين يغترف صدى بوحه الوشيك وهو يرتكب الخط الأوحد كان ضريراً لا يراه أحد كان عميقاً يحتفر المسافة المتاحة لحبره الوحيد لا يرتجى غير صيحة طفل يحبو لأول وهلة غير هبوب ملائكة تتقن نهل هواء الروح واقفاً برفقة قلمه وقلق دمه لا ينتظر قدوم الخط بل يتخطاه ليخطو به يا له وحده يحترف الحرف وحدِه في آن يعاين فن الشراك وجنَّ الشباك اندهاش الميل وجنوح الروح ليختبر فضاء البيت الخالي منه لا يحذر من مرارة سحيقة تمور في سنيه ولا يتأخر عن زيوت ناعسة تناجيه يتأنى ليصطفي منها مشيأة راحته وهي تغلق ياقة لوحته لا يهتم وهو ينداح كلحن خفي نحو ال