الحروف تُشكل بحرها .. تأملات في اللوحة الزرقاء للفنان حافظ



لفت انتباهي وأنا أتصفح موقع المحامي والفنان حافظ حافظ في الإنستغرام (Hafiz Hafiz) وجود أكثر من خمسين لوحة "حروفية" بتشكيلات متعددة من أعمال هذا الفنان البحريني المغمور. كل لوحة منها ترى الحروف تتلاصق وتتلاقح وتتصارع وتتداخل وتتخاصم وتتحارب وتتجاذب وتتغازل وتتغامز وتتحاضن بعضها مع بعض، لتشكل حياة وكائنات وأرواحاً. وكل لوحة منها يهيمن عليها لون واحد فقط بتدرجاته، حيث الأحمر والأخضر والبني والذهبي والأسود والأبيض والرمادي والأزرق، كل لوحة يمتلكها اللون الواحد كالسيد الأوحد، مع بعض الاستثناءات حيث أكثر من لون في اللوحة الواحدة. ترى الحروف بوضوح فيها، بل ترى الكلمة الواحدة بشكل يصلك معناها، وبعضها تستطيع قراءة النص الشعري فيها بخط عربي جميل وألوان متناسقة.


المحامي والفنان حافظ حافظ

اللوحة الزرقاء:


لكن توقفت متأملاً أمام لوحة زرقاء - بدون عنوان - 120*120سم على كانفس، وجميع تدرجات اللون من مادة أكريلك. مع تعليق منه على لوحته ((مقتطفات من قصيدة للشاعرة فوزية السندي؛ لصمت البحر، أنتهرُ الموت لظل الضوء أنتحبُ الحب...)). وقد استفزني التعليق وعلاقته باللوحة، فتواصلت مع الفنان حافظ لمعرفة المزيد عن خلفية هذه اللوحة التي أسميتها تعليقاً عليها ((حبرُ البحر؛ حربٌ))، وقد أوضح لي- إبتداءً - بأن اللوحة المعروضة في الإنستغرام ليست نهائية وغير مكتملة، وحصلت منه على اللوحة المكتملة.


(انظر الفيديو رقم (١)- اللوحة مع خلفية موسيقية لسوناتا بيانو رقم ٨ لبيتهوفن).

القصيدة ودلالات اللون الأزرق: قصيدة الشاعرة فوزية السندي التي استفزّت مخيلة الفنان حافظ ليخلق منها لوحته هي: لصمت البحر.. أنتهرُ الموت لظل الضوء .. أنتحبُ الحب بعد عناق قليل على رجة القلب، ارتميتُ بهدوء رملة على غدر مساء كاد كالقتل. محتواة بقميص أزرق، يتمرأى بشعر يتهاطل بمودة الغريب بشفتين تعتزمان نحرَ سواقي الخجل تهجيت جسداً لا يداري هيجةَ البحر جسداً لا يهدأ ولا يمل من نهل صيحة الحب. تلاهينا بصمت الموت دون هواء واحد.. استقوى، على خنق عناء الشهيق لنحترق وحيدين معاً حدقنا.. ضدنا، لنلتئم معاً.. تمادينا نحونا لننتهر معاً.. وميض هزيمة تقترب. مغتالة بغرابة عينين طافيتين بألم عميق عميق كبئر.. لم يبق لي إلاّ: دمعٌ يتحدر بضراوة اليتم آهاتٌ كتومةٌ تؤجل أضرحةَ الليل شهوة تدشن حبري بحب نادر. امرأة متروكة لسخاء الحسرة لا تعرف ولا تدرك.. ما يحدث لها من غريب العبء كأنها تستعصي.. لتثق بوفير حب يتلاهب به، تغاور حتم المهب. جالسة نحو رمل يهديها خرس القواقع وعنف الغياب أمامها البحر الوارث صخب أشرعة تغتر، بصعب صوار تتكسر، تتساهى عنها، لئلا تسهى عنه. رأفة بحتف حب قدير ببهجة التوق يتقدم نحوها.. تدير عينيها لمهالك لا تراها. بحر جاثم بمرايا تزرق من خجل جثث تتأوه خلفها العالم كله، يستبد بعناد قذائف تتعدد لتتناسى كل هذا الجحيم.. تلتحم بحب فاحش، يتهامى بوجل غريب حب، لينشحذ كمدية تفغر نواهي القلب ينثال شيئاً .. فشيئاً.. وينحر عبء الوريد. ليغدو القلبُ – بغتة – متيماً بفارس عنيد يتقن رعدَ الأعنة وهو يتلو مداه صريع يغافل محنةَ الصبر وهو يجلو عناه من سواه قتيلاً .. يتفقد قسوةَ قتلاه. معه، أكتنز بذخيرة المحبة أدمي ما تبقى من ذاكرة تتوسل كأنه المصير الوحيد المقبل بلا حذر كأنه السطر الأخير المتاح لحبري الضرير. شقي مثقل بقلب يصطبر، فاتن يلتف بساعديه الجسورتين، ليحتمل حدودَ صدرها المرتعب تراه كحلم يتوجع مراراً ولا ينهدر دون ظلام عينيها .. مراراً .. هكذا. أحيانا يغدو كغبار أملس يمسُّ حناياها وأخرى، يتبادى كضوء يتهادى حول ظلال تتهجاها. وحدها، راحت تفتش عن خنق رئات لا تعبأ عن يدٍ مستباة بأصابعَ حيرى تستميد عن عطرِ روح خجلى ترتشى صوتَها عنها، لتتحاشى موتها.

خبايا الخط لدى حافظ:


يتّضح من هذه القصيدة أن اللون الأزرق (كدال) وهاجس شعري هو المهيمن على شكل وروح القصيدة من خلال (مدلولات) الأزرق، كالبحر ودلالته من غضبه وغدره وأعماقه وأسراره. وحيث تنكشف استفزازات (الأزرق) في مخيال الفنان حافظ ولوحته الزرقاء بتدرجاته الواضحة والمُعبرة أيضاً عن البحر بسطحه الأزرق الصافي وأعماقه الزرقاء القاتمة المعتمة واللون التركوازي المائل للأخضر وسواده كلما تعمقنا أكثر فيه. فضلاً عن أن كل الخطوط باللون الأزرق.


شربل داغر

وعلى ما يبدو تجلّى حافظ مع القصيدة واستلهم منها الحروف العربية وبعض مقاطعها، وتلاعب معها كفن تجريدي. وكأنه انجذب لبيان فني حروفي نشرتها الفنانة العراقية (مديحة عمر) في عام 1949 في واشنطن بعنوان (الخط العربي: عنصر استلهام في الفن التجريدي) دعت فيه (( إلى تحرير الحرف العربي من أسره الخطي، واجدة فيه عنصراً فنياً لتأليف تجريدية عربية، بعد أن رأت أنه يجب ألّا ننظر إلى الخط العربي "كأنه مجرد أبعاد وأشكال هندسية، بل بوصفه يتضمن أشكالاً تصميمية وتكوينية مناسبة للتجريد))- شربل داغر: وفي هذا الكتاب نص البيان الفني لمديحة عمر-.

والمتأمل للوحة الزرقاء يستشف هذا التجريد للحروف العربية التي تحررت من خطيتها وهندسيتها، بل وحتى من أنواع الخط العربي المعروفة، مقارنة بنوع الخط الذي استخدمه حافظ في لوحته، حيث خطه الخاص متحرر نسبياً عن الأنماط المعروفة في الخط العربي. فالخط المستخدم في هذه اللوحة هو الخط الكوفي القديم حيث قام الفنان حافظ بتطويره وتطويعه ليصبح عصرياً. هو إذن خط حُر، خط تشكيلي بدون قواعد الخطوط المعروفة حيث كل حرف له قاعدة ومساحات معينة. أما هذا الخط المستخدم في اللوحة فهو خط تمرد على هذه القواعد. أما التداخل بين الحروف في اللوحة، فواضح بأنه قد خلق إرباكاً "بصرياً" وهو إرباك يشد ويجذب المشاهد الذي يبحث بالتالي عن الحروف بدل البحث عن المعاني. بل ترى كيف تحولت الحروف إلى ماء البحر ومكوناته من الكائنات، كما سنوضحه لاحقاً في سياق هذا البحث .

دلالات اللون الأزرق في القصيدة:

القصيدة التي استفزت الحروف في حافظ للشاعرة فوزية السندي لها علاقة "بالعُمق" سواء عمق البحر أو أعماق النفس. وقد انعكس هذا "العمق" بشكل جليّ في اللوحة الزرقاء-موضوع هذا البحث-. وفي القصيدة العديد من الصور التي تعكس مدلولات البحر بلونه الأزرق، أو بمكوناته الحيواتية والجمادية، أو بدلالاته النفسية المُعبرة عن المكنونات "العميقة" في ذات الشاعرة. ويمكن إبراز هذه الدلالات في الجدول المقارن أدناه. علماً بأننا ابتعدنا عن تفكيك وتحليل قصيدة فوزية السندي، وركزنا فقط على إبراز العلاقة اللونية فيها من حيث الدال (اللون الأزرق) ومدلولاته، مع أهمية التوضيح بأن البنية البرانية والجوانية للقصيدة وأجواءها النفسية وهواجسها حسب رؤية (غاستون بشلار) تحمل مدلولات (الأزرق) الخانق كالموت، المؤلم كالغدر والخيانة، والعذاب كفقدان الحب.


جدول دلالات ومدلولات الأزرق


ملاحظة تحت الجدول:

عند تركيزنا في قصيدة فوزية السندي على توظيف اللون ودلالته، اعتمدنا على تفسيرات نقيبة الفنانين التشكيليين اللبنانيين، كلود عبيد، من كتابها "جمالية الصورة؛ في جدلية العلاقة بين الفن التشكيلي والشعر"،2010م. حيث قسمت أنماط توظيف اللون في الشعر إلى أربعة أنماط على النحو التالي:


النمط الأول: توظيف الدوال اللونية على مستوى الوصف، بحيث تَسلط طقسية المعرفة المسبقة للألوان في وجدان الشاعر، كجعل الأبيض للجمال والسلام، والأصفر للمجد والثروة، والأسود للهدم والمقاومة والعنف، والأخضر للبعث والتجديد...إلخ.


النمط الثاني: يوظف مفردات اللون توظيفاً على مستوى التشبيه ومقاربته.


النمط الثالث: على مستوى العلاقات الرمزية، حيث يتم استخدام مدلولات اللون لتمثيل دواله، حيث يغدو العطر في لون القمر، واللحن بلون الفضة.


النمط الرابع: يمثل احتجاجاً على النمطية السائدة في توظيف اللون وإخضاعه للثابت تصريحاً أو ترميزاً أو تلميحاً، بل هو مفتوح لترويض دوال اللون وتأويلها. وهنا يبرز أسلوب الإنزياح - أي الابتعاد عن مطابقة الدال لمدلوله- فالدوال اللونية لا ينبغي أن تكون تعبيراً أميناً أو صادقاً لمدلولات غير عادية، بل هي التعبير غير العادي لكون عادي - الشاعر ملارميه استخدم هذا الأسلوب حينما كتب "الليل الأبيض"، والشاعر قاسم حداد حينما كتب "صباح الليل" في قصيدته (ويقول للموتى: صباح الليل، يهذي،،، صباح الليل للموتى،،، إذا ماتوا). ولذلك ففي القصيدة الحديثة انتقل توظيف اللون من لغة الرؤية المسطحة إلى لغة الرؤيا المركبة.

بداية خلق اللوحة الزرقاء:


لحظة بداية خلق اللوحة، حيث الفنان حافظ يخط مقطع من قصيدة السندي؛ (بعد عناق قليل على رجة القلب)


لحظة ولادة اللوحة

في هذه اللحظة ـ فقط - من خلق اللوحة من الممكن أن نستشف وضوحها ومباشريتها، وكأنها حقاً -كما يقول شربل داغر- (( مع الحروفية، تبدو اللغة العربية مثل مقلع الحجارة، والحروفي مثل البنّاء: إنها الأحجار والمعمار)). وحقاً تشاهد المعماري حافظ يضع حجرًا (بعد) على حجرٍ (عناق) في حجرٍ (قليل)، وهكذا حتى يكتمل المعمار. بل عند هذه اللحظة من خلق اللوحة تتراءى أمامك "نقطة الانطلاق" كما أوضحها بيان "البُعد الواحد" للخطاط العراقي حسن آل سعيد، حيث فسّرها شربل داغر بأن ((الحرف الكتابي تحديداً هو نقطة الانطلاق... حيث توقف عدد من الحروفيين أمام العلامات غير اللغوية، مثل العلامات الهندسية أو علامات الترقيم وخلافها، أما الأغلبية منهم فقد توقفت امام اللغة، علامة العلامات))

ونلاحظ-عند لحظة النطفة الأولى من خلق اللوحة - بأن حافظ قد انحاز لكلمات ومقاطع من قصيدة حداثية كنقطة الاهتمام وخط الانطلاق للوحته الزرقاء، حيث بدأ حافظ من وسط اللوحة لتنتشر حروفه كالشعاع في زوايا وأركان كل اللوحة، ومع اللون الأزرق في كل الحروف تعيش حالة السباحة في بحرها. ولكن يا ترى هل هذه الحقيقة الآنية اللحظوية الواضحة للخلق ستكون هي حقاً نواة الاهتمام للوحة بعد اكتمال خلقها؟. لنترك السؤال معلقاً، مؤقتاً! 

من يسترجع ما شاهده في الفيديو رقم (١) كلوحة مكتملة، فبالتأكيد سيصل إلى نتيجة مغايرة لمضمون السؤال المعلق أعلاه، ففي الخلق النهائي للوحة أصبح ((للون معنى كما للكلمة معناها. والكلام يرسم جواً نفسياً مثل الألوان، هناك نسق الكتابة، وهناك نسق الرسم، في العمل الفني الواحد، كما أن هذين النسقين يتحاوران، "يتغامزان" ويتقاطعان، أو يستقلان تماماً، الواحد عن الآخر)) - شربل

لذا نلاحظ بأن العلاقة بين النسقين-الكلمة والرسم - أصبحت معقدة في هذه اللوحة، بل عندما تتأمل اللوحة المكتملة تحس بأن الكلمات الواضحة في بداية خلق اللوحة قد أمست أشكالاً كتابية بدون أي معنى، مرئية وحسب، ((تصبح الريشة-الرسم- فيها بمثابة القلم-الكتابة- وفق حركة في الكتابة/التلوين، نظامية وحرة في آن معاً، الحركة متكررة لكن مختلفة، إنها كتابة كما لو أن مسّاً كهربائياً أصاب الفنان))-المصدر السابق، بتصرف بسيط.

اللوحة الزرقاء/ البحر الأزرق بتدرجاته ومكوناته الحروفية، بعد اكتمالها تحول فيها البحر لغة، موجته كتابة ورذاذه حروف ((اللغة مثل البحر دهرية وراهنة، ثابتة ومتبدلة، نسبح في المياه نفسها، نكتب بالحروف ذاتها)) هكذا وصف شربل داغر تجربة الحروفي (نجا المهداوي) حيث يعوم في ماء اللغة. وأحسب بأن الفنان حافظ في هذه اللوحة الحروفية التجريدية التشكيلية قد رقص مع حروف وكلمات القصيدة، وغرق في لج اللون الأزرق، فأصبح الأزرق لديه ماء حروفه وكلماته. 

في لحظة الخلق/النطفة الأولى للوحة وحافظ يضع "نقاط" الحروف. فتحتَ حرف الباء في كلمة "بعد" والنقطتان على القاف في كلمة "عناق" والنقطتان فوق القاف وتحت الياء في كلمة "قليل". وهنا تذكرت ما قاله شربل داغر في تقديمه لمعرض الفنانين الحروفيين في الشارقة عام 2013، حيث أشار لأعمال الفنان الحروفي القطري (يوسف أحمد) بأنه ((يضع النقطتين فوق القاف بطريقة لا تناسبهما في الكتابة، بل تناسب التكوين الفني للوحة)).

والمتأمل لمواقع النقاط في اللوحة الزرقاء، يكتشف بأن الفنان حافظ يضعها داخل حرف الباء وليس تحته، وداخل حرف القاف وليس فوقه، وداخل حرف الياء وليس تحته.

ونتساءل هنا عن جدلية التأثير والتأثر بين الحروفيين التشكيليين. صحيح طريقة الفنان القطري في تعامله مع نقاط الحروف تختلف عن طريقة الفنان حافظ، ولكن هي لحظة ومضة أو إشراقة من فنان يعيش ذات الهواجس، فيلتقط فكرة ويستخدمها بشكل جديد كما مخيلته تراه- ألَم يمارس بيكاسو هذا الاقتباس من فنانين كانوا معه وتفوق عليهم بإبداعه المتميز؟!.

لكن حينما يشير شربل داغر بأن الفنان يوسف أحمد تظهر في لوحته أن للحروف ظلالاً لونية، وهكذا تخيلتُ وجود "عمق" في اللوحة الزرقاء من خلال تدرج اللون الأزرق فيها وصولاً إلى السواد المزرق كقاع البحر.  بيد أن ما أثارني أكثر هو كيف تمكن "ظل" وجه الفنان حافظ وهو يرسم اللحظات الأولى لخلق لوحته، بأن يتحول هذا الظل إلهاماً في مخيال الشاعرة فوزية السندي بان تكتب قصيدة أخرى، ليست استكمالاً لقصيدتها التي فجرت قريحة حافظ في خلق لوحته، وإنما قصيدة ربطت ظل حافظ وهو يخلق لوحته الزرقاء!.


الفنان حافظ وظله وهو يرسم اللوحة الزرقاء

القصيدة الثانية للشاعرة فوزية السندي بعنوان "للحرف وظله"

موازياً فراغه الأليم ينتهر ظله الواقف أمام أبيض السديم معتزاً بسرّه الدفين يغترف صدى بوحه الوشيك وهو يرتكب الخط الأوحد كان ضريراً لا يراه أحد كان عميقاً يحتفر المسافة المتاحة لحبره الوحيد لا يرتجى غير صيحة طفل يحبو لأول وهلة غير هبوب ملائكة تتقن نهل هواء الروح واقفاً برفقة قلمه وقلق دمه لا ينتظر قدوم الخط بل يتخطاه ليخطو به يا له وحده يحترف الحرف وحدِه في آن يعاين فن الشراك وجنَّ الشباك اندهاش الميل وجنوح الروح ليختبر فضاء البيت الخالي منه لا يحذر من مرارة سحيقة تمور في سنيه ولا يتأخر عن زيوت ناعسة تناجيه يتأنى ليصطفي منها مشيأة راحته وهي تغلق ياقة لوحته لا يهتم وهو ينداح كلحن خفي نحو المنحنى نحو الحدّ وكل حدّ لا يحدّ لينتزع الآه على غفلة منه كأنه الآن يمتحن الحرف وظله في آن


الشاعرة فوزية السندي

ما يميز هذه القصيدة الشارحة لحال الحروفي حافظ وهو أمام بياضه السديم هو قدرتها على تشخيص لحظة الكتابة والرسم على اللوحة، حيث "السر الدفين" للفنان الذي يبوح به بقلمه وهو يرتكب " الخط الأوحد" في حفره "لحبره الوحيد" مستغرقاً في خياله " لا يرتجي غير صيحة طفل يحبو لأول وهلة" نحو المجهول الذي لا يعرفه، واثق "بهبوب ملائكة تتقن نهل هواء الروح" لتوحي له سورة الخلق الأول وهو "لا ينتظر قدوم الخط بل يتخطاه ليخطو به".

الشاعرة هنا تمكنت من معرفة سر خيال حافظ الذي قرر أن يتمرد على الخط ويتخطاه نحو الرسم، لذا هو "لا يهتم وهو ينداح كلحن خفي نحو المنحنى، نحو الحدّ، وكل حدٍّ لا يحدّ"

هو إذن بدأ في ترويض الخط، حروفاً وكلمات "لينتزع الآه على غفلة منه، كأنه الآن، يمتحن الحرف وظله في آن".

تحليل وتفكيك اللوحة الزرقاء:


من المعروف في الحقل التشكيلي- كما في أي ابداع فني أو أدبي- تتعدد القراءات، ولكن في التشكيل- كما في أي فن مكاني "تصويري" - تشارك الانفعالات مع القراءات من شخص إلى آخر، و (( وتظل تخضع لمستوى الاستعدادات والمواقف خارج نطاق تدخل الفنان الذي "ينتهي دوره" بانتهاء إنجاز العمل الفني وعرضه للجمهور الذي تحوَّل إلى منتج ثانٍ قادر على قراءة العمل الفني عبر التفكيك والتحليل "العلاماتي" تيمناً بقول المصور الفرنسي راؤول دوني؛ من ذا الذي قال أن الرسم لا يمكن شرحه، بل يحس به... أرني أياه))-إبراهيم الحيسن، ناقد تشكيلي مغربي.

وعلى صعيد التجارب التأصيلية التي تجعل الشعر حافزاً إبداعياً للعمل الفني، تأتي تجربة الفنان ضياء العزاوي كأهم التجارب التشكيلية الحروفية التي يتلاقح فيها الشعر بالرسم عبر تمثل النص الشعري قديمه وحديثه- رغم وجود كثرة من هكذا تلاقح بين الشعر والرسم لدى التشكيليين الحروفيين، بل بعض التشكيليين غير الحروفيين، ولكن لنأخذ العزاوي نموذجاً في سياق هذا البحث-

فمنذ منتصف الستينات من القرن العشرين تعاطى العزاوي مع ملحمة "جلجامش" الدلمونية. تبعها بمجموعة رسوم لنصوص شعرية للحلاج، وأقام أحد معارضه الشخصية في بيروت في بداية السبعينات من القرن الماضي بعنوان "رسوم مكرسة للحب" مستلهماً فيه قصائد الشاعر اليمني القديم (وضاح اليمن)- 780م- و (( ثمة تحول أساسي لجهة علاقة الشعر بالرسم تحقق في تجربة العزاوي على الشاشة الحريرية -السلك سكرين- بعنوان "المعلقات السبع" عام 1978، وقال عن هذه التجربة بكونها؛ محاولة لتجسيد ذلك النوع من العلاقة بالكلمات كأشكال والرمز كدلالة والنقاط لتوالد مساراتها ضمن علاقات حية))- تحليل سعد القصاب-.


نموذج من المعلقات السبع لضياء العزاوي

الفنان ضياء العزاوي

نلاحظ في لوحة حافظ ذات هذه العلاقات الحية التي أشار إليها الفنان العزاوي، فالكلمات والحروف المتناثرة والمنسوخة خطياً في اللوحة تبدو وكأنها أشكال تتضافر مع اللون الأزرق بتدرجاته ودلالاته الخاصة بالبحر وطبقاته المسطحة والعميقة، فضلاً عن حيواته وكائناته ورمله وإيحاءآته الغادرة للسفن بأشرعتها وصواريها - كما في قصيدة السندي- كل ذلك مشكلة دلالة تصويرية، ولكنها في الوقت ذاته تفترض قدراً معلناً من الاستقلالية عن موضوعات القصيدة. ((لذا يقوم الفنان بإدراج الكتابة كوحدة تصويرية معدة للمشاهدة وليس للقراءة، تدل عليها طبيعة الحروف والكلمات والظاهرة بطريقة غير نسقية، بل مجتزأة وحاضرة في أوضاع تضفي عليها التلقائية وضوحاً لافتاً))-المصدر السابق.

وكما أسلفنا فإن قصيدة الشاعرة فوزية السندي كانت بمثابة الطاقة الخفية التي حرّضت الفنان حافظ كي يستثمرها لممكناته التشكيلية. غير أن حركة الشكل والكلمات المتناثرة في اللوحة الخالية من سياقها اللغوي كما في القصيدة، قد ضعضع التوازن بين الشعر والرسم، بل خلقت تعبيرات ألغت هذا التوازن ليصبح البديل هو التأثير البصري للكلمات والرموز، وعبر تدرجات الأزرق تحولت القصيدة بكلماتها وحروفها- وروحها اللوني- كفن زماني غير بصري إلى جزء أصيل من تأثير بصري مكاني. - بتصرف من المصدر السابق.

فعند التأمل- وأحياناً التعمق- في اللوحة ستشاهد الكلمات والحروف منتشرة في كل زوايا ووسط وطول وعرض اللوحة، مثل حرف الواو أو حرف التاء المربوطة، بل وترى بجانب الحروف بعض الكلمات الواضحة، وبعض هذه الحروف مقلوبة أو منحنية أو متداخلة ومتشابكة مع غيرها. ولكن بجانب ذلك فاللوحة تمكنت من تحويل بعض الحروف وأجزاء من الكلمات والخطوط فيما بينها إلى أشكال ورموز وعلامات توحي بمكونات وحيوات البحر ، بل بعضها تحولت إلى ما توحي روح وعذابات مضمون القصيدة وصوفية الموسيقى والرقص فيها. ولكن الأهم من كل ذلك فإن الذوبان و"الغرق" مع هذه العلامات والرموز ضمن اندماجها مع المساحات المتدرجة للون الأزرق تتشكل صور تكعيبية تجريدية، وانحناءات كأنها الأمواج على سطح البحر، وكلما تتعمق أكثر تقترب من القاع بلونه التركوازي المائل للأخضر ثم الأسود وترى حينها كائنات الأعماق.


تَحول الحروف في اللوحة إلى كائنات

ويوضح الجدول المرفق به بعض مكونات اللوحة)


صحيح أن هذا التأويل لجوانية اللوحة يعتبر قراءة خاصة ضمن تعدد القراءات والإحساسات للآخرين من المتلقين والمشاهدين لهذه اللوحة، لكن ورغم تعدد "التأويلات" إلا أنها تتفق -على ما أعتقد- على "العلامات" الواضحة في هذا العمل الفني. وصحيح بأن اللوحة التي يضع خالقها عنواناً لها سيوجه هذا العنوان المتلقي للمعنى الذي "يرغب" الفنان أن ينطلق المتلقي منه إلى مسارات تأويلاته. وصحيح بأن ليس كل الأعمال الفنية التي تحمل عناوين لها ممكن أن تقودنا إلى معاني ودلالات العمل، فقد تكون العناوين مضللة أو غير مباشرة في القصد، كل ذلك صحيح ومنطقي. ولكن في اللوحة الزرقاء موضوع بحثنا، مهّد لنا خالق العمل الفنان حافظ الطريق حينما أشار بأن هذه اللوحة مستوحاة من قصيدة للشاعرة فوزية السندي. وأعتقد هذا يكفي كإشارة انطلاق. لكن حتى لو لم يعطينا هذه الإشارة، فاللون الأزرق وحده المهيمن كالسيد الأوحد على اللوحة لا بد أن يقود مخيال المتذوق والمتلقي إلى هواجس البحر بكل ما فيه وعليه من دلالات الزرقة. وكما يوضح (غاستون بشلار) بأن للألوان هواجسها النفسية والشعورية والمخيالية، سواء للشاعر أو الفنان، أو المتلقي كقارئ أو الرائي. فهناك الهاجس المائي-حيث الأزرق فيه سيد الألوان لطغيان هاجس الماء على المبدع والمتلقي، وهواجس نارية وهوائية وترابية. (لا مجال في هذا البحث التوسع في هذه الهواجس، ممكن الرجوع لكتب غاستون بشلار حول تأثير النار والماء والهواء والتراب كهواجس نفسية على الابداع الفني).  وأعتقد أن المتأمل في هذه اللوحة الزرقاء سينجذب إلى الهاجس المائي -البحر الأزرق- وكلما غاص أكثر في الأعماق تومض لديه هواجس نارية، ومن الممكن في مراحل لاحقة تتداخل هواجس لاشعورية أخرى ضمن مبدأ الفضاء المفتوح للتأويلات والمشاعر والهواجس لحظة الرؤية البصرية ومن ثم البصيرة المخيالية للوحة.


غاستون بشلار

بالتالي وكما أشرنا في مستهل هذا البحث فإن "نقطة الاهتمام" في هذه اللوحة؛ تحولات الأزرق كحبر أزرق إلى بحرٍ ثم إلى حربٍ من الكلمات والحروف، وإن خلاصة هذه الجزئية من اللوحة - كفن مكاني- تختلف عن الشعر أو الرواية - كفن زماني- في الوصول إلى "المعنى" فنحن ((نقرأ الرواية حرفاً، مقطعاً مقطعاً، فلا يتحقق لنا "المعنى" إلا في تتبع مسار خيطي للقراءة، أما العمل الفني فننظر إليه نظرة واحدة، مباشرة وبصورة إجمالية))- شربل داغر.

تأثيرات المدرستين التكعيبية والتجريدية:


في تفكيكنا للوحة الزرقاء للفنان حافظ لم نقم بربطها بتأثيرات خارجية للمدارس الفنية الغربية- ما عدا بعض الإشارات للتكعيبية والتجريدية والمرحلة الزرقاء في فن بيكاسو- ولكن آن الأوان لربط حروفية الفنان حافظ بمذاهب فنية غربية. 

فقد حاول الباحث شربل داغر في كتابه (الحروفية العربية) أن يبحث عن ريادة واستقلالية الحروفيين العرب المعروفين، غير أنه توصل في سياق بحثه بأن معظمهم قد تتلمذوا على أيدي فنانين أوروبيين وأمريكان، (( متأثرين بالمدارس التجريدية الناشئة، التجريدي الغنائي- التجريدي الهندسي- الفن اللاشكلي ...إلخ ، خاصة وإن هذه المدارس كانت تتبلور وتتأكد أمامهم في الأكاديميات وقاعات العرض والمطبوعات في أكثر من مدينة غربية، حيث كانوا يتابعون تحصيلهم الدراسي العالي في خمسينات وستينات القرن العشرين)) بل ويتساءل في كتابه حول علاقة الحروفية وانتسابها إلى التجريدية، وذلك عندما يشير إلى تأسيس الفن "التشبيهي" وما إذا كانت الحروفية لا تملك مرجعاً خارجياً لها، موضحاً بأن الحروفية رغم أنها لا تحاكي العالم التشبيهي، ولكنها تقيم علاقات متداخلة وملتبسة بين الفنين التشبيهي والتجريدي!.

وشخصياً أُميل إلى فرضية تأثير بعض اتجاهات المدرستين التكعيبية والتجريدية على بعض أعمال الفنان حافظ، ومنها هذه اللوحة-ليس تقليداً ونسخاً- بل تأثراً لا شعورياً في المخزون الفني الذي يختمر في أعماق كل فنان لينتج إبداعه المتميز نبيذاً معتقاً اندمجت وذابت فيه نكهة الغرب بروائح زهور الحروف العربية المتميزة.


الدكتور علي الوردي

وكما يوضح ذلك الدكتور علي الوردي في كتابه "خوارق اللاشعور"، ((الشخص الناضج حين يعجب بصفة لدى غيره لا يبالي أن يقلدها- ولكن ليس التقليد الأعمى الساذج الذي يتحول إلى الغراب الذي حاول التقليد فلم يفلح ونسي مشيته- هذا الناضج يعمل بلاشعوره في التماهي مع تلك الصفة ثم يتركها مخزونة في أعماق عقله الباطن، فهي لا تظهر عليه اصطناعاً أو تكلفاً، وهي تخرج في أوانها، وكأنها من نوع جديد، إذ قد اصطبغت آنذاك بصبغة شخصيته الخاصة وأصبحت جزءاً لا يتجزأ منها))

المعروف بأن تأثير التكعيبية قد أضاف إضافات جديدة لمفاهيم الرسم كالكتلة واللون والخط وتركيب الأحجام، وصارت سمة من سمات العصر، ((وقد انتقل هذا التأثير من الرسم إلى العمارة وفن تشكيل الأثاث وأشكال الأواني وإلى المسرح والشعر، وبقيت التكعيبية تتحرك بصورة عامة ضمن أطرها الرئيسية وهي: رسم الأشياء بموضوعية مع استخدام تحريف تكعيبي))- جمالية الصورة، مصدر سابق.

اللوحة الزرقاء لحافظ فيها "الأشياء" المتمثلة بالحروف والكلمات، وفيها المساحات والالتواءات و"الرقصات" الحروفية، ولكن بتحريف واضح تتخللها تلك الزوايا والخطوط الزرقاء الفاصلة بين حرف وحرف، والأبعاد العميقة للأزرق، مما يعطيك صورة بصرية وكأنها أجزاء من مكعبات مشوهة، لدرجة أن بعض نقاط الحروف، ودوائر بعض الحروف كالقاف والميم تتحول إلى مكعبات بابعادها الثلاثة وقد انكمشت من شدة حرارة الأزرق وضغط قاع البحر. وما يوحي بالتكعيب أكثر تلك الخطوط الزرقاء المائلة للسواد التي تفصل درجات اللون الأزرق، وما تشكلها هذه الخطوط ودرجات اللون وجوهاً تكعيبية، ورموزا وعلامات واضحة فيها تأثيرات رسومات بيكاسو حينما كان في أوجّ عنفوانه في مرحلته التكعيبية مع ذات مرحلة إدمانه وتفرغه مع اللون الأزرق.

أما تأثير التجريدية في اللوحة الزرقاء فهو أكثر وضوحاً، وهو تأثر مرتبط بالأساس بشرط الإلهام في الحروفية التشكيلية الحديثة، حيث التجريد جزء منها عبر تحويل الحروف إلى أشكال وألوان بلا مدلولات بصرية -أحياناً- والاحتفاظ ببعض العلاقات اليسيرة التي تربط المتلقي بالمصادر البصرية للتجريد -أحياناً ثانية- أو أن يبقى الموضوع "المعنى" واضحاً ولكن بعد أن يكون (( قد قام بعملية تشطيب فيه، حذف من خلالها كل التفاصيل التي ليس لها علاقة بالجوهر، وأكد الجوهر ذاته في خطوط ومساحات أو كتل، تحمل البساطة والبلاغة التجريدية الأبجدية-أحياناً ثالثة-))- جمالية الصورة.

إن اللوحة الزرقاء يتجلى فيها مذهب "التجريدية الأبجدية" الذي يتمثل في استخدام الكتابة والحروف في التشكيل ((بأوضاع متنوعة، معتدلة أو مقلوبة، متكررة أو يغطي بعضها البعض، وعند تكرار الحروف تنتهي بتشكيلات تجريدية مثيرة)). أليس هذا التشخيص للتجريدية الأبجدية كما ورد في كتاب "جمالية الصورة" ينطبق بشكل كامل في اللوحة الزرقاء؟. وقد أوضح الكتاب بأن ظاهرة "التجريدية الأبجدية" قد تم استغلالها في الخط العربي، حيث بدا لبعض الفنانين العرب استغلال هذا الخط بحروفه المتنوعة، واتخذوا من حروف الكتابة العربية مدخلاً لتكويناتهم، وفي إيجاد تعبيرات تجريدية متزنة بصرف النظر عن المعنى الخاص لكل حرف، وتداعي المعاني المرتبطة به.

هذه المنهجية واضحة في اللوحة الزرقاء حيث تحولت الحروف إلى أدوات تشكيل تخضع للإيقاعات والتوافقات، وليست حروفاً في ذاتها كما في الحروفية الهندسية أو المعمارية التقليدية.



الثورة على محاكاة الواقع:


وحيث أن روح هذه اللوحة نابعة من قصيدة من الشعر الحديث، وحيث أن التجريدية الأبجدية في اللوحة أيضاً مرتبطة بالحداثة، فإن كلا الفنين (الشعر والرسم) اتفقا واشتركا في جوهر واحد حديث هو الثورة على محاكاة الطبيعة- كما روّج لها الفيلسوف أرسطو في كتابه (فن الشعر)، حيث اعتبر الشعر والرسم نوعين من أنواع المحاكاة، قد يتمايزان في المادة التي يحاكيانها، فأحدهما يتوسل باللون والظل، والآخر يتوسل بالكلمة، لكنهما يتفقان في طبيعة المحاكاة وطريقتهما في التشكيل وتأثيرها على النفس.

إن القصيدة واللوحة-موضوع بحثنا- قد تمردتا على هذه العلاقة الأرسطوطاليسية في محاكاة الواقع المباشر، فلم يتم التقيد بالخطوط والنسب القائمة في العالم الخارجي. ((فالأساس الفكري للابتعاد عن المحاكاة هو الأساس بأن النقل أو التمثيل غير قادر على إخراج حقيقة التفاعل بين الفنان والموضوع، فالمحاكاة تستند إلى فكرة المرآة الكلاسيكية التي تتطلب ثبات الصورة وشيوعها واستقرارها. المحاكاة تفترض ما هو أخطر، ألا وهو سلبية الرائي أو القارئ، أي سلبية المتلقي المتذوق، لأنها تصر على مخاطبته بلغة النمط وتخيله إلى ما يعرفه سلفاً))- جمالية الصورة، مصدر سابق.

في اللوحة الزرقاء للفنان الحروفي حافظ تمكن من تحويل الفن (المكاني) إلى فن (زماني) وذلك بإدخال عنصر (الحركة) في التشكيل-كفن مكاني-. وهذا واضح عندما تتفجر تدرجات اللون الأزرق وتداخلها مولدة من تدرجات اللون الواحد ألواناً تفرخه اللون الأم الأساس، وهو الأزرق، ووجود تبادل وتلاقح بين الظلال والأضواء وإنسياب الخطوط المتحركة بإحداث حركة لا نهائية. وكأن هذه الحروف في رقصة صوفية تشاهد من خلالها ذلك الشيخ بعمامته وخشوعه يتجلى، ومريدوه من الحروف حوله يرقصون بخدرٍ وانتشاء. ومن خلال تولد الأشكال الذي ينتج حركة داخلية، تتشظى بصيرة الرائي في ((حركة بصرية موسيقية لا صوتية، غير مسموعة بالإذن بل مرئية بالعين، حيث تحس بموسيقى الألوان- أو تدرجات الأزرق- من خلال العين... وهناك أيضاً "النغم اللوني" الصادر من تجاوز لونين يتولد عنهما لون ثالث- أو يتولد من اللون الأزرق ألوان أخرى كالتركوازي المائل للأخضر والذي يتولد منه الأسود- محدثاً نغماً صامتاً لتراه العين-)) جمالية الصورة.

وحيث أن (الإيقاع) موجود في داخل النفس البشرية، وهو موجود في الأشكال والأشياء، وهو إيقاع صادر من إيقاع الكون. وعندما تتحد هذه الإيقاعات النفسية والمادية والكونية كلها ((ويتفاعل مع الإيقاع الجمالي الصادر من العمل الفني تحدث التجربة الجمالية -أي العمل الإبداعي-)).

لذا نستشف في اللوحة الزرقاء ذلك التفاعل الإيقاعي ضمن الصورة المنبثقة من النص الشعري، وهنا من الممكن أن يتحول الشعر كفن زماني إلى فن مكاني، ففي اللوحة لا تمثل الصورة الشعرية المكان كقياس هندسي، وإنما كمكان نفسي في جوانية الإنسان المتلقي المتفاعل والمنفعل مع اللوحة، حيث تصل لديه حالة الاستغراق مرحلة بحيث "تسمع" صخب الألوان والحروف، و"ترى" موسيقى رقصتهما!. 

المراجع: 1- شربل داغر: الحروفية، فن وهوية. 2- الحروفية، الطريق والأفق: تقديم لشربل داغر، لمعرض الفنانين الحروفيين في الشارقة، عام ٢٠١٣ من الموقع الإلكتروني لداغر: www.charbeldagher.com 3- كلود عبيد: جمالية الصورة: في جدلية العلاقة بين الفن التشكيلي والشعر،٢٠١٠. 4- إبراهيم الحيسن: الفن والجمهور، عن العادات البصرية للتلقي التشكيلي. 5- سعد القصاب: تقرير عن الفنان ضياء العزاوي، من موقع قناة الجزيرة. 6- علي الوردي: كتاب خوارق اللاشعور.

321 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email