الدوافع اللاشعورية في شخصيات رواية (التنور)



رواية "التنور" للقاص والروائي البحريني فريد رمضان، تتمحور أحداثها في أرضين مختلفتين من حيث المكان والزمان، وكذلك من حيث الهواجس والأجواء المهيمنة عليها، فالأرض الأولى هي قرية على الضفة الفارسية من الخليج، فقيرة، قاسية الحياة فيها، تعتمد على البحر في رزقها والعلاقات البطريركية مهيمنة عليها. وبتفاعل الفقر وقسوة الحياة من جانب والظلم والاضطهاد من جانب آخر، لذلك فإن أبناءها ينجذبون أو يندفعون بقسوة نحو الرحيل والهجرة إلى الضفة العربية من الخليج ومنها جزيرة البحرين وذلك منذ أواخر القرن التاسع عشر تقريباً.

كما أن أحداث الرواية من حيث حدودها وشخصياتها تتمحور في العلاقات والانفعالات والذكريات والأحلام والطقوس في عائلة مكونة من ثلاثة إخوان وزوجتين وأب وأم وابن صغير لأحد الإخوان، وهي ـ أي العائلة ـ موزعة أيضاً بين تلك الأرضين، فالوالدان وأحد الأبناء وزوجته وابنه في القرية الفارسية والابنان الآخران مع زوجة أحدهما في البحرين. وتدور الأحداث في القسم الأول من الرواية في القرية الفارسية بأجوائها ومعالمها وشخصياتها السوية والمجنونة ثم تتكثف في العلاقة بين الأب وزوجته وتصاعدها عاطفياً وجنسياً إلى لحظة تحقيق حلم كل قروي يريد تأكيد رجولته والحصول على وريث يدعمه، ثم تتجه بؤرة الأحداث صوب العلاقة بين الأب وابنه وانتظاره المؤلم والطويل لسماع أخبار ولديه الموجودين في البحرين.

أما القسم الثاني من الرواية فتدور أحداثه في البحرين حيث الحركة والضوضاء والمدينة البسيطة ولكنها المبهرة للقادمين من الضفة الفارسية، وتبدأ الأحداث تتمحور أيضاً وتتكثف في بؤرة ثابتة، أولها بؤرة الحارة التي يعيش فيها الإخوان وينضمّ إليهم الأخ الثالث مع ابنه القادمين من تلك القرية، وهي بؤرة واقعية صادقة تعكس أهم الشخصيات الفاعلة والمؤثرة والنمطية الموجودة في كل حارة من حارات البحرين في تلك المرحلة، كإمام المسجد والمجنون والخضار والأطفال والمتهور والمنحرف وغيرها. ثم يبدأ التكثيف من داخل هذه الحارة على بؤرة محددة من حيث الكم والمكان، ولكنها أعمق وأوسع من حيث آفاقها النفسية والوجدانية وهي بؤرة العلاقات والصراعات والرغبات والأحلام بين الاخوان الثلاثة، وتصاعد كل هذه المشاعر.


الروائي فريد رمضان

وتدور معظم الأحداث حول المخبز الخاص بالإخوان (الخباز) حيث يهيمن الخبز كرمز لدى الفقراء يمثل الرزق بل حتى إنه يسمى في بعض المجتمعات (بالعيش) وهو شديد الارتباط بالحياة لذلك "كان مقدساً ـ ولا يزال ـ وهو نابع من خوف الجوع، وهي عملية تربوية للحفاظ على الرزق واحترام القدرة التي خلقته" (1)

هي إذن أحداث تلاحقها عين الكاميرا مبتدئة بالفضاء العام للحدث ثم متمركزة في بؤرة واحدة لتترك القارئ بعد ذلك يعيش أجواءها النفسية.

ما سبق سرده كان ملخصاً لأحداث هذه الرواية من خارج أعماقهما ومضامينها، وهو سرد شبيه برؤية المرء وهو جالس على قمة جبل لمدينة صاخبة بجدرانها ورمالها وسفنها وطرقاتها وشخصياتها، يسمع من بعيد الحوارات والنكات والصراخ لكنه لا يتمكن من التفاعل مع أعماق تلك الشخصيات، ولا يتسرب في الحجرات ولا يتقرب من آهات الليل.


ولذلك سنحاول الدخول في أعماق بعض تلك الشخصيات متمسكين ببعض المفاتيح والرموز النفسية المهيمنة على كل أحداث الرواية التي تعطي القارئ إحساساً وهاجساً وخيالاً يسمح له أو يساعده نحو البحث والتحليل في نفسيات وانفعالات هذه الشخصيات.

(1) كتاب "التحليل النفسي للذات العربية، أنماطها السلوكية والأسطورية" ـ للدكتور علي زيعور ـ دار الطليعة ـ الطبعة الرابعة،١٩٨٧.

المنطلقات :


من الفقرة الأولى للرواية تهيمن عليك حالة نفسية تدفعك صوب الاندماج والتغلغل في أعماق مشاعر هذه الشخصيات القلقة، وعند الانتهاء من قراءة الرواية تدفعك هذه المشاعر صوب التفكير في البحث عما وراء هذه الجمل والفقرات والمشاهد والأحداث، ولذلك تستشف بأن اللاشعور المخفي وراء الدوافع هو الذي قاد تلك الشخصيات نحو الفعل الحادث ونحو الانفعال مع المكبوت الذي أخذ يبرز كالفقاعات من هنا وهناك.

وإذا كنا في المقام نعترف بل ونؤكد في أن النص الأدبي الذي أمامنا فيه العديد من الدوافع التي تحرك الأحداث والشخصيات، وبالتالي يتعين أن نهتم بكل هذه الدوافع، فإننا هنا نميل أن نركز على الدوافع اللاشعورية رغم يقيننا بأن هذا الدافع ليس هو الوحيد الفارض ذاته على هذا النص وإنما هناك دوافع شعورية وحتى ما قبل الشعورية...

تتبنى الورقة منهج التحليل النفسي الذي يرى بأن القوى التي تحرك الشخصيات في العمل الفني ليست هي القوى الفيزيقية الخارجية وإنما هي قوى داخلية.(٢).

وعليه فإن القاص فريد رمضان حينما يستخدم في هذه الرواية الكلمات التي أعتقد أنها مفاتيح نفسية لدوافع لا شعورية، فإنه لا يقصد بها إبراز صور محسوسة بل في الحقيقة ـ كما يراه التحليل النفسي ـ يقصد بها تنشيط الحواس وإلهابها، فالتنور والنار واللهب والعجين والخبز والرماد وجوف الجبل والغار وقمة الجبل والذئب وجذع النخلة العاقر والفأس وغيرها عشرات الكلمات/المفاتيح النفسية التي تمثل رموزاً لها طابع ثنائي، وهو الطابع الذي يجمع الحقيقي وغير الحقيقي، وبهذه الطريقة تصبح هذه المفاتيح حلقة الاتصال بين الدوافع المتصارعة، وحتى حينما تمتزج هذه الرموز في النص الذي أمامنا بالحقيقة لدرجة أننا لا نعرف في كثير من الحالات ما هو رمز وما هو حقيقة، فإننا وعلى حسب المعيار الذي يحكمنا سوف نندفع في اختيار بل التقاط الرمز الذي يشعل فينا انكشاف الصور ويدلنا على السبيل.

و"التنور" كرواية تحتمل من بدايتها إلى نهايتها هذا التأويل، فالتنور بكل ما يتحمله من معان نفسية وجنسية، وبكل متشابهاته الأخرى التي تحمل نفس المعنى، وبكل مرفقاته وملحقاته وإفرازاته ونتائجه كالنار والملقط والعجين ... ألخ، وبكل ذلك سوف يقنعنا بأن الرمز لم يكن اختياره تعسفياً أو اعتباطياً، وإنما هو نتاج ضرورة نفسية لنوع من التفكير الذي تمليه الرغبة المكبوتة أو الدافع اللاشعوري لتلك الشخصيات. وهذا ليس بجديد في الفن عموماً وفي الرواية والشعر على وجه الخصوص، فالروائي هنا يستمد صور وعناصر تعبيره من الطبيعة الحية، وهي وسيلة تعبيرية تهدف فيما تهدف إلى "تجنب التعبير عن تلك التجارب الحسية التي لا يسمح العرف بالتعبير عنها تعبيراً صريحاً"(٣).

ولأن النص الذي أمامنا شأنه شأن الشعر الذي من مهمته الإيحاء وليس التصريح فإن وسيلته هنا هي ذات وسيلة الشعر وهي الرموز "التي تغلف الحقائق العارية وتصنع عليها الأقنعة التي تسوغ قبولها في العرف"(٤).

ولذلك فقد وجد القاص ضالته في الظواهر الطبيعية، ذلك أن هذه "الظواهر لا يمكن إخضاعها للتقدير الأخلاقي أو الحكم عليها بالسلامة أو الخطأ وهي لذلك لا ينكرها العرف، بل ربما يقبلها بارتياح ورضا"(٥).

__________________________________________________________

(٢) معظم الأفكار الواردة في هذا الجزء مستوحاة من كتاب "التفسير النفسي للأدب" للدكتور عز الدين إسماعيل ـ دار العودة ودار الثقافة ـ بيروت ـ تاريخ الطبعة غير معروفة.

(٣) المصدر السابق.

(٤) المصدر السابق.

(5) المصدر السابق

وفي الحقيقة فإن أجواء هذه الرواية بمشاهدها المرتبطة أو المنفصلة بعضها عن بعض كل الانفصال لدرجة أن بعض المشاهد أو الحوادث تقوم بذاتها، إلا أن التوقعات النفسية التي نخرج منها من تلك الصور تؤلف صورًا كلية تمثلها الرواية في مجموعها، وما نلبث أن ندرك إدراكاً قد يكون مبهماً في بعض الأحيان بأن شيئاً ما يصادفنا في كل مشهد أو حدث حتى ولو كان منفصلاً عن المشاهد الأخرى، وهذا الشيء وإن اتخذ في كل مرة قناعاً جديداً إلا أننا نصل إلى نتيجة بأن هذه المشاهد المقنِّعة بأقنعة متعددة وبرموز مختلفة إلا أنها تمثل كلها مظاهر مختلفة لحقيقة واحدة وهي الحقيقة التي نعمل في الكشف عنها، والمتمثلة بالرغبة الجنسية المكبوتة، ومن خلال الدوافع اللاشعورية لهذه الشخصيات المنتظرة والمشتعلة والمهاجرة والمغتربة التي تتفجر أمامنا..

الكلمات الكاشفة عن دوافع الشخصيات:

عبدالله ... الأب الذي ينتظر في قريته الفارسية وفي أعماقه غليانًا يتلهف لخبر قادم من هناك حيث الأبناء يحترقون لتفيض النعمة بين أصابعهم (وأنا أمام التنور في "شبق" الوقت، أرى "اللهب" فوق كفوفكم وأنتم تبيعون الخبز على البشر .. فأنحني، يراني اللهب طافحاً، فيسحبني ككافور تجاه "نار تتفتق" على نساء "يفتحن بيارقهن"، والبحر يشع "محاراً نارياً"، ومحاربين من زبد ... والنساء... لا النار تكشف أجسادهن ولا هي تحرق أصابعهن.... ذلك عذابي)*

لنتأمل قليلاً هذه الفقرة الممتلئة بالمفاتيح التي تفتح لنا أبواب الرغبة المكبوتة، فالتنور يخلق شبقاً واللهب الطافح فيه يسحبه ليفتق بكارة التنور/النساء اللاتي يفتحن بيارقهن، وينثر ماءه في جوف المحار الذي ينتظر بشوق ناري التلقيح ولكن كل هذه الرغبة النارية الموجودة في أعماقه لن تتجسد في أرض الواقع، فلا هذه الرغبة/النار تستطيع أن تكشف عن أجسادهن،،، وتلك هي عذاباته.

ولنأخذ مشهداً آخر يكون فيه الظاهر بعيداً كل البعد عن الرموز المتداولة في هذا النص، لكن استخدامه للأقنعة المختلفة فيه لم تمنع دوافعه اللاشعورية من استخدام رموز أعطت ذات الإيحاء بل ذات الإحساس والأجواء والنتائج التي أعطتها الرموز الجنسية الأخرى، ففي مشهد تنفيذ عبدالله لنصيحة إمام القرية وذلك عندما تزوج أمينة وأمضى معها سنة ولم تنجب، فذهب إليه يريد النصيحة فقال له: (أوصيك خذ امرأتك وأصعد قمة السلسلة الجبلية ... هناك حيث الغار، اسكناه، صلّيا، وأطلبا من الله، ثم ناما معا..).

فالصعود لقمة الجبل رمز جنسي واضح والوصول إلى الغار رمز جنسي فاضح مرادف للتنور. ولنتأمل الإحساس الذي نخرج منه عندما نقرأ الكلمات المرتبطة بمثل هذا المكان، فهما الآن في الغار/ التنور (رأيا جذوة الجسد تهجس بهما، طوت أمينة سجادتها ودخلت الغار، في حين ظل عبدالله يقرأ ابتهالاته حتى اشتدت به الرغبة، فترك سجادته وأسرع إلى الداخل موسومًا بشهوة عامرة ... تكشّف الجسدان ... حضنهما الغار بدفئه).

هذه المقارنة الجميلة اللاشعورية بين ذكر وأنثى في غار من جهة، وبين الملقط الحديدي (الذكر) والخبز الطري المتشكل من العجين (الأنثى) والتنور (الغار) من جهة ثانية، سوف تتوضح أكثر عند تحليل الكلمات المستخدمة في هذا المشهد، فالأنثى كالعجين طوت سجادتها وتحول العجين الكروي إلى شكل دائري مفلطح ودخلت الغار. أي أدخل العجين في التنور ثم أسرع عبدالله إلى الداخل ليلتقط الخبز. (تنفلت آهات أمينة ضاربة في الجدران ثم تعود إليها، تستقبلها ذكورة عبدالله على عجل لتهيئ لها جريانه المنفلت، كأنهما يطفئان نار الخوف ونار الرغبة في مواجهة سكون الجبل الفحمي).

كالعجين الطري تنفلت ضاربة جدران التنور ثم على عجل أيضاً يدخل الملقط (ذكورة عبدالله) ليلتقط الخبز قبل احتراقه في سكون هذا الجبل الفحمي، هذا التنور الأسود...

وحتى بعد انتهاء الذروة الجنسية في ذلك الغار، نشاهد الزلزال والرماد والرمال، هي حالة شبيهة بانطفاء