الدوافع اللاشعورية في شخصيات رواية (التنور)



رواية "التنور" للقاص والروائي البحريني فريد رمضان، تتمحور أحداثها في أرضين مختلفتين من حيث المكان والزمان، وكذلك من حيث الهواجس والأجواء المهيمنة عليها، فالأرض الأولى هي قرية على الضفة الفارسية من الخليج، فقيرة، قاسية الحياة فيها، تعتمد على البحر في رزقها والعلاقات البطريركية مهيمنة عليها. وبتفاعل الفقر وقسوة الحياة من جانب والظلم والاضطهاد من جانب آخر، لذلك فإن أبناءها ينجذبون أو يندفعون بقسوة نحو الرحيل والهجرة إلى الضفة العربية من الخليج ومنها جزيرة البحرين وذلك منذ أواخر القرن التاسع عشر تقريباً.

كما أن أحداث الرواية من حيث حدودها وشخصياتها تتمحور في العلاقات والانفعالات والذكريات والأحلام والطقوس في عائلة مكونة من ثلاثة إخوان وزوجتين وأب وأم وابن صغير لأحد الإخوان، وهي ـ أي العائلة ـ موزعة أيضاً بين تلك الأرضين، فالوالدان وأحد الأبناء وزوجته وابنه في القرية الفارسية والابنان الآخران مع زوجة أحدهما في البحرين. وتدور الأحداث في القسم الأول من الرواية في القرية الفارسية بأجوائها ومعالمها وشخصياتها السوية والمجنونة ثم تتكثف في العلاقة بين الأب وزوجته وتصاعدها عاطفياً وجنسياً إلى لحظة تحقيق حلم كل قروي يريد تأكيد رجولته والحصول على وريث يدعمه، ثم تتجه بؤرة الأحداث صوب العلاقة بين الأب وابنه وانتظاره المؤلم والطويل لسماع أخبار ولديه الموجودين في البحرين.

أما القسم الثاني من الرواية فتدور أحداثه في البحرين حيث الحركة والضوضاء والمدينة البسيطة ولكنها المبهرة للقادمين من الضفة الفارسية، وتبدأ الأحداث تتمحور أيضاً وتتكثف في بؤرة ثابتة، أولها بؤرة الحارة التي يعيش فيها الإخوان وينضمّ إليهم الأخ الثالث مع ابنه القادمين من تلك القرية، وهي بؤرة واقعية صادقة تعكس أهم الشخصيات الفاعلة والمؤثرة والنمطية الموجودة في كل حارة من حارات البحرين في تلك المرحلة، كإمام المسجد والمجنون والخضار والأطفال والمتهور والمنحرف وغيرها. ثم يبدأ التكثيف من داخل هذه الحارة على بؤرة محددة من حيث الكم والمكان، ولكنها أعمق وأوسع من حيث آفاقها النفسية والوجدانية وهي بؤرة العلاقات والصراعات والرغبات والأحلام بين الاخوان الثلاثة، وتصاعد كل هذه المشاعر.


الروائي فريد رمضان

وتدور معظم الأحداث حول المخبز الخاص بالإخوان (الخباز) حيث يهيمن الخبز كرمز لدى الفقراء يمثل الرزق بل حتى إنه يسمى في بعض المجتمعات (بالعيش) وهو شديد الارتباط بالحياة لذلك "كان مقدساً ـ ولا يزال ـ وهو نابع من خوف الجوع، وهي عملية تربوية للحفاظ على الرزق واحترام القدرة التي خلقته" (1)

هي إذن أحداث تلاحقها عين الكاميرا مبتدئة بالفضاء العام للحدث ثم متمركزة في بؤرة واحدة لتترك القارئ بعد ذلك يعيش أجواءها النفسية.

ما سبق سرده كان ملخصاً لأحداث هذه الرواية من خارج أعماقهما ومضامينها، وهو سرد شبيه برؤية المرء وهو جالس على قمة جبل لمدينة صاخبة بجدرانها ورمالها وسفنها وطرقاتها وشخصياتها، يسمع من بعيد الحوارات والنكات والصراخ لكنه لا يتمكن من التفاعل مع أعماق تلك الشخصيات، ولا يتسرب في الحجرات ولا يتقرب من آهات الليل.


ولذلك سنحاول الدخول في أعماق بعض تلك الشخصيات متمسكين ببعض المفاتيح والرموز النفسية المهيمنة على كل أحداث الرواية التي تعطي القارئ إحساساً وهاجساً وخيالاً يسمح له أو يساعده نحو البحث والتحليل في نفسيات وانفعالات هذه الشخصيات.

(1) كتاب "التحليل النفسي للذات العربية، أنماطها السلوكية والأسطورية" ـ للدكتور علي زيعور ـ دار الطليعة ـ الطبعة الرابعة،١٩٨٧.

المنطلقات :


من الفقرة الأولى للرواية تهيمن عليك حالة نفسية تدفعك صوب الاندماج والتغلغل في أعماق مشاعر هذه الشخصيات القلقة، وعند الانتهاء من قراءة الرواية تدفعك هذه المشاعر صوب التفكير في البحث عما وراء هذه الجمل والفقرات والمشاهد والأحداث، ولذلك تستشف بأن اللاشعور المخفي وراء الدوافع هو الذي قاد تلك الشخصيات نحو الفعل الحادث ونحو الانفعال مع المكبوت الذي أخذ يبرز كالفقاعات من هنا وهناك.

وإذا كنا في المقام نعترف بل ونؤكد في أن النص الأدبي الذي أمامنا فيه العديد من الدوافع التي تحرك الأحداث والشخصيات، وبالتالي يتعين أن نهتم بكل هذه الدوافع، فإننا هنا نميل أن نركز على الدوافع اللاشعورية رغم يقيننا بأن هذا الدافع ليس هو الوحيد الفارض ذاته على هذا النص وإنما هناك دوافع شعورية وحتى ما قبل الشعورية...

تتبنى الورقة منهج التحليل النفسي الذي يرى بأن القوى التي تحرك الشخصيات في العمل الفني ليست هي القوى الفيزيقية الخارجية وإنما هي قوى داخلية.(٢).

وعليه فإن القاص فريد رمضان حينما يستخدم في هذه الرواية الكلمات التي أعتقد أنها مفاتيح نفسية لدوافع لا شعورية، فإنه لا يقصد بها إبراز صور محسوسة بل في الحقيقة ـ كما يراه التحليل النفسي ـ يقصد بها تنشيط الحواس وإلهابها، فالتنور والنار واللهب والعجين والخبز والرماد وجوف الجبل والغار وقمة الجبل والذئب وجذع النخلة العاقر والفأس وغيرها عشرات الكلمات/المفاتيح النفسية التي تمثل رموزاً لها طابع ثنائي، وهو الطابع الذي يجمع الحقيقي وغير الحقيقي، وبهذه الطريقة تصبح هذه المفاتيح حلقة الاتصال بين الدوافع المتصارعة، وحتى حينما تمتزج هذه الرموز في النص الذي أمامنا بالحقيقة لدرجة أننا لا نعرف في كثير من الحالات ما هو رمز وما هو حقيقة، فإننا وعلى حسب المعيار الذي يحكمنا سوف نندفع في اختيار بل التقاط الرمز الذي يشعل فينا انكشاف الصور ويدلنا على السبيل.

و"التنور" كرواية تحتمل من بدايتها إلى نهايتها هذا التأويل، فالتنور بكل ما يتحمله من معان نفسية وجنسية، وبكل متشابهاته الأخرى التي تحمل نفس المعنى، وبكل مرفقاته وملحقاته وإفرازاته ونتائجه كالنار والملقط والعجين ... ألخ، وبكل ذلك سوف يقنعنا بأن الرمز لم يكن اختياره تعسفياً أو اعتباطياً، وإنما هو نتاج ضرورة نفسية لنوع من التفكير الذي تمليه الرغبة المكبوتة أو الدافع اللاشعوري لتلك الشخصيات. وهذا ليس بجديد في الفن عموماً وفي الرواية والشعر على وجه الخصوص، فالروائي هنا يستمد صور وعناصر تعبيره من الطبيعة الحية، وهي وسيلة تعبيرية تهدف فيما تهدف إلى "تجنب التعبير عن تلك التجارب الحسية التي لا يسمح العرف بالتعبير عنها تعبيراً صريحاً"(٣).

ولأن النص الذي أمامنا شأنه شأن الشعر الذي من مهمته الإيحاء وليس التصريح فإن وسيلته هنا هي ذات وسيلة الشعر وهي الرموز "التي تغلف الحقائق العارية وتصنع عليها الأقنعة التي تسوغ قبولها في العرف"(٤).

ولذلك فقد وجد القاص ضالته في الظواهر الطبيعية، ذلك أن هذه "الظواهر لا يمكن إخضاعها للتقدير الأخلاقي أو الحكم عليها بالسلامة أو الخطأ وهي لذلك لا ينكرها العرف، بل ربما يقبلها بارتياح ورضا"(٥).

__________________________________________________________

(٢) معظم الأفكار الواردة في هذا الجزء مستوحاة من كتاب "التفسير النفسي للأدب" للدكتور عز الدين إسماعيل ـ دار العودة ودار الثقافة ـ بيروت ـ تاريخ الطبعة غير معروفة.

(٣) المصدر السابق.

(٤) المصدر السابق.

(5) المصدر السابق

وفي الحقيقة فإن أجواء هذه الرواية بمشاهدها المرتبطة أو المنفصلة بعضها عن بعض كل الانفصال لدرجة أن بعض المشاهد أو الحوادث تقوم بذاتها، إلا أن التوقعات النفسية التي نخرج منها من تلك الصور تؤلف صورًا كلية تمثلها الرواية في مجموعها، وما نلبث أن ندرك إدراكاً قد يكون مبهماً في بعض الأحيان بأن شيئاً ما يصادفنا في كل مشهد أو حدث حتى ولو كان منفصلاً عن المشاهد الأخرى، وهذا الشيء وإن اتخذ في كل مرة قناعاً جديداً إلا أننا نصل إلى نتيجة بأن هذه المشاهد المقنِّعة بأقنعة متعددة وبرموز مختلفة إلا أنها تمثل كلها مظاهر مختلفة لحقيقة واحدة وهي الحقيقة التي نعمل في الكشف عنها، والمتمثلة بالرغبة الجنسية المكبوتة، ومن خلال الدوافع اللاشعورية لهذه الشخصيات المنتظرة والمشتعلة والمهاجرة والمغتربة التي تتفجر أمامنا..

الكلمات الكاشفة عن دوافع الشخصيات:

عبدالله ... الأب الذي ينتظر في قريته الفارسية وفي أعماقه غليانًا يتلهف لخبر قادم من هناك حيث الأبناء يحترقون لتفيض النعمة بين أصابعهم (وأنا أمام التنور في "شبق" الوقت، أرى "اللهب" فوق كفوفكم وأنتم تبيعون الخبز على البشر .. فأنحني، يراني اللهب طافحاً، فيسحبني ككافور تجاه "نار تتفتق" على نساء "يفتحن بيارقهن"، والبحر يشع "محاراً نارياً"، ومحاربين من زبد ... والنساء... لا النار تكشف أجسادهن ولا هي تحرق أصابعهن.... ذلك عذابي)*

لنتأمل قليلاً هذه الفقرة الممتلئة بالمفاتيح التي تفتح لنا أبواب الرغبة المكبوتة، فالتنور يخلق شبقاً واللهب الطافح فيه يسحبه ليفتق بكارة التنور/النساء اللاتي يفتحن بيارقهن، وينثر ماءه في جوف المحار الذي ينتظر بشوق ناري التلقيح ولكن كل هذه الرغبة النارية الموجودة في أعماقه لن تتجسد في أرض الواقع، فلا هذه الرغبة/النار تستطيع أن تكشف عن أجسادهن،،، وتلك هي عذاباته.

ولنأخذ مشهداً آخر يكون فيه الظاهر بعيداً كل البعد عن الرموز المتداولة في هذا النص، لكن استخدامه للأقنعة المختلفة فيه لم تمنع دوافعه اللاشعورية من استخدام رموز أعطت ذات الإيحاء بل ذات الإحساس والأجواء والنتائج التي أعطتها الرموز الجنسية الأخرى، ففي مشهد تنفيذ عبدالله لنصيحة إمام القرية وذلك عندما تزوج أمينة وأمضى معها سنة ولم تنجب، فذهب إليه يريد النصيحة فقال له: (أوصيك خذ امرأتك وأصعد قمة السلسلة الجبلية ... هناك حيث الغار، اسكناه، صلّيا، وأطلبا من الله، ثم ناما معا..).

فالصعود لقمة الجبل رمز جنسي واضح والوصول إلى الغار رمز جنسي فاضح مرادف للتنور. ولنتأمل الإحساس الذي نخرج منه عندما نقرأ الكلمات المرتبطة بمثل هذا المكان، فهما الآن في الغار/ التنور (رأيا جذوة الجسد تهجس بهما، طوت أمينة سجادتها ودخلت الغار، في حين ظل عبدالله يقرأ ابتهالاته حتى اشتدت به الرغبة، فترك سجادته وأسرع إلى الداخل موسومًا بشهوة عامرة ... تكشّف الجسدان ... حضنهما الغار بدفئه).

هذه المقارنة الجميلة اللاشعورية بين ذكر وأنثى في غار من جهة، وبين الملقط الحديدي (الذكر) والخبز الطري المتشكل من العجين (الأنثى) والتنور (الغار) من جهة ثانية، سوف تتوضح أكثر عند تحليل الكلمات المستخدمة في هذا المشهد، فالأنثى كالعجين طوت سجادتها وتحول العجين الكروي إلى شكل دائري مفلطح ودخلت الغار. أي أدخل العجين في التنور ثم أسرع عبدالله إلى الداخل ليلتقط الخبز. (تنفلت آهات أمينة ضاربة في الجدران ثم تعود إليها، تستقبلها ذكورة عبدالله على عجل لتهيئ لها جريانه المنفلت، كأنهما يطفئان نار الخوف ونار الرغبة في مواجهة سكون الجبل الفحمي).

كالعجين الطري تنفلت ضاربة جدران التنور ثم على عجل أيضاً يدخل الملقط (ذكورة عبدالله) ليلتقط الخبز قبل احتراقه في سكون هذا الجبل الفحمي، هذا التنور الأسود...

وحتى بعد انتهاء الذروة الجنسية في ذلك الغار، نشاهد الزلزال والرماد والرمال، هي حالة شبيهة بانطفاء

*كل الفقرات التي بين القوسين ( ) هي من رواية التنور.

التنور، وتحول الجمر الأحمر إلى رماد وسقوط بقايا الخبز المفحم كالرماد، واعتقد بأن من يقف أمام التنور المنطفئ البارد سوف يشاهد غاراً جبلياً فحمياً وتراباً رمادياً...

وللمزيد من التأكيد على هيمنة هذا الهاجس الناري المرتبط بالرغبة، فإن مقطع رحيل أحمد وابنه سوف يفضح هذه الرغبة، فهو وفي طريقه إلى البحرين تحيط به من كل الجهات كل الظواهر الطبيعية الدافعة نحو الانطفاء الجنسي، فهاجس الماء الحاضر في تلك اللحظة والمُبرّد في نفس اللحظة، فالماء "البحر" والسماء ونورستان والأمواج حاضرة، إلا أن هذه الظواهر وخاصة الماء يتحول إلى طهارة جنسية، لذلك يهيمن الهاجس الناري على هذا الماء المبرد ليحوله إلى جزء أساسي بل وضروري لتحقيق المعادلة الجنسية المطلوبة. فعندما تتراءى له صور الشخصيات وأهمها "بيبي" زوجته على شكل مرآة بحرية (تفك ضفائرها، تنثر نعومة الشعر المائي المتسلسل الساقط في فضاء الماء، تداعبه الأسماك ..) وفي ظل هذا الجو المائي الجميل يطغي هاجس النار المنبثقة من التنور، وتتحول تلك المرأة الحورية إلى عجين وخبز، فلنستمع إلى هذا الحوار بعد أن يسرد لنا تلك الفقرة الجميلة السابقة:

(ـ إلهب عجيني يا أحمد

ـ كيف؟

-عيني في الماء، وهي تفتح ليونتها، فادعك شهوة السر، رغوة النهدين، شهقة الجسدين

طحين

وماء

وجسدان يؤديان نذورهما الأليفة ..)

هكذا إذن يتحول الماء إلى جزء ضروري لتفعيل الرغبة، وذلك عندما يساهم في تحويل الطحين إلى عجين وبدونه لا يمكن للرغبة / اللهب الذكوري أن يقترب ... ولأن الرواية تفيض بمثل هذه المشاهد، فإن ما سبق سرده كافٍ للدلالة على ربط المفاتيح تلك بالدوافع اللاشعورية صوب تحقيق الرغبة، ويكفي أن نجري عملية حسابية بنيوية لمواضيع التنور في المشاهد المتعددة داخل الرواية لنستنتج أن أغلبيتها إن لم نقل كلها مرتبطة بوجود الأنثى وحضورها المحسوس تارة أو المتخيل تارة أخرى، بل أن كل المواضيع التي يذكر فيها التنور تحضر معه رموز لاصقة به، ولكن حينما تختفي الأنثى فإن الوصف يصبح بارداً هزيلاً حتى في لغته الأدبية، وتختفي تلك الصور والمشاعر النارية الجميلة.

(يد أحمد في المعجنة، يدعك، يقطع العجين بيديه، يكوّرها بين كفيه، يرش فوقها شيئا من الطحين الذهبي، ثم يمررها إلى عبدالرحمن، الماسك المدحاة الخشبية يبسط بها العجينة بشكل دائري ثم يقذف بها ناحية جاسم الذي يلصقها داخل التنور حتى تنضج ثم يسحبها بملقاطه الحديدي).

هذا المقطع الوحيد غير المرتبط بحضور الأنثى، فلنتأمل هذا الوصف الواقعي الجاف الذي لا روح فيه ولا حرارة داخلية ولا حياة ولا صور ولا خيالات تتساقط أمامك، إنما وصف للوحة واقعية صامتة!. وحتى حينما تحضر الأنثى والهاجس الجنسي في لحظته بارد وخامد فإن التنور يتحول إلى رمز ذي معنى مباشر لمحسوس جامد.

(تناول عكازه وسار باتجاه النافذة القريبة من التنور الصغير) وذلك عندما آفاق ولم يرى زوجته بجانبه. (والمرأة جالسة قرب إناء مملوء بالعجين المدعوك، في التنور بعض جمرات تحترق ببطء).

فبالرغم من ارتباط التنور بالأنثى في الفقرتين أعلاه، إلا أن الهاجس المسيطر عليهما ليس هاجساً نارياً، جنسياً، شبقياً، بل هاجس مائي بارد يطفئ الرغبة الذكورية رغم الإحساس بوجود رغبة أنثوية ساخنة، فنلاحظ في الفقرة الأولى أن الرغبة ضعيفة في تلك اللحظة (التنور الصغير)، وفي الفقرة الثانية جمرة الرغبة بطيئة (بعض من جمرات تحترق ببطء).

إسقاط نفسي تحليلي على ما سبق:

يتراءى لي بأن غزارة الرموز المتربطة بالرغبة وتكرارها الدائم في معظم صفحات هذه الرواية تكشف عن ميل يريد التعبير عن نفسه من خلال مشابهة سطحية تثير هذا الميل المكبوت الذي يبرز كالفقاعات تارة وكالبركان تارة أخرى، وهذه مسألة كلاسيكية في التحليل النفسي، فاستدعاء فكرة لفكرة أخرى بالمشابهة معروفة وتمارس تأثيرها من غير أن يحس المرء بها... والرموز المتناثرة في هذا النص هي قريبة من الرموز الجنسية التي حللها فرويد الذي استند في تحليله إلى "شيء من التشابه بين الأعضاء التناسلية ومختلف الأشياء المادية، ولما كان للعضو التناسلي الذكري شكل اسطواني، فإنه يمكن الرمز إليه بالعصى والمداخن والأبراج و(العكاز والملاقط وقمة الجبل وجذع النخلة ...إلخ) ولما كان العضو المؤنث مجوفاً وآخذاً فأنه مهيأ لاستدعاء صور بالتداعي مثل اللعب بالأواني و(الغار والتنور)(٦). ويوضح فرويد بأن "بين القضيب والعصى (الملقط في هذه الرواية) شبهاً موضوعياً في الشكل، وأن الشبه من حيث أنه يستطيع التأثير بالتداعي من غير أن يكون معروفاً شكلياً وعلى حده، فإن للصورتين المذكورتين حظوظاً ممتازة في الترابط حتى لدى الأفراد الذين لم يفكروا أبداً في التقريب بينهما بصورة واضحة"(٧).

ومن الممكن تطبيق ذات المعاني على العضو التناسلي الأنثوي والشكل المرادف له كالغار أو جوف التنور.

انحرافات نفسية لبعض الشخصيات.

كشفت الرواية في بعض مشاهدها صوراً أخرى لا تدخل ضمن السياق المذكور في متن هذه الورقة من حيث تفجر الحالة اللاشعورية وانجذابها صوب تصعيد الحدث نحو الهدف الجنسي، فهناك شخصيات كشفت في جوانب منها عن حالات انحرافية وإن لم تتوسع في آفاقها كما توسعت في إبراز حالة الرغبة الجميلة الشرعية المعقولة.

ولابد هنا وقبل الكشف عن تلك الحالات من التأكيد على أن التحليل الفرويدي لا يرى ولا يعتقد بأن الانحراف ظاهرة مرضية إلا حينما يتطرف في انحرافه، وينفي بالتالي وجود الحياة الجنسية الطبيعية بصورة دائمة، ولكن عندما يصبح الانحراف البسيط حالات طارئة وسريعة فهو يدخل ضمن إتاحه المكبوت من البروز كفقاعات أو ما يسمى بالتنفيس للتخفيف من حالة القهر الناتجة عن وجود قوة داخلية قاهرة تُكره الفرد على أداء عمله ولو ضد إرادته... انا

وعودة للنص الذي أمامنا فإن هناك ثلاثة أنماط من الشخصيات يحتضنون في ذواتهم حالات الانحراف.

أولى حالات الانحراف ما يسمى بالمرتكسين وهم الذين تكون موضوعاتهم الجنسية من غير الجنس الملائم طبيعياً، كالاتصال الجنسي بالحيوانات مثل ناصر واتصاله الجنسي بحماره في آخر مشهد من الرواية، وهذا الميل الجنسي قد تخطّى حدود التنوع وهو يحصل حينما لا يستطيع غريزة ملحة تأجيلها وقد يحل هذا السلوك محل الإشباع الجنسي الكلي.

وهناك الارتكاس الموجه إلى الأطفال كالرجل الغريب عن الحارة أو المرأة السمينة التي دعت محمد الصغير نحوها.

وواضح من الوصف السريع لهؤلاء المنحرفين بأن ردود فعلهم تختلف من شخصية إلى أخرى، أن وجهات نظرهم تختلف تجاه غريزتهم الجنسية، فبعضهم يتقبل ارتكاسته كأنه شيء طبيعي كالرجل الغريب أو المرأة السمينة، وبعضهم يثور ضد ارتكاسته ويشعر كأنه قُهر مثل ناصر الذي ثار عندما اكتشف محمد الصغير فعلته. ومن المعروف إن حالات الانحراف الارتكاسي كانت ظاهرة شائعة، بل يمكن القول إنها كانت نظاماً يؤدي وظائف معينة في المجتمعات القديمة وهي امتداد لتأثيرات عميقة لبقايا السلالات المتوحشة والبدائية.

أما الشخصية الانحرافية الأخرى فهو عبدالرحمن أحد الاخوان الثلاثة الذي يتلذذ جنسيا من خلال النظر أو التطلع إلى الأعضاء التناسلية للأشخاص الآخرين، أو ما يسمى بغريزة حب النظر ويسميه فرويد (بالفتيش) وهو الاعتقاد الذي كان سائداً لدى المتوحشين أن آلهتهم مُجسَمة فيها.

___________________________________________________________

(٦) كتاب: طريقة التحليل النفسي والعقيدة الفرويدية، رولان دالبيبر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،الطبعة الأولى، ١٩٨٣.

(٧) المصدر السابق.

ويتميز هذا الانحراف الجنسي بحدوث التهيج الجنسي من رؤية جزء من بدن شخص آخر أو رؤية شيء آخر يتعلق به كملابسه مثلاً.

وحب النظر هذا يصبح انحرافاً إذا اقتصر فقط على الأعضاء التناسلية، أما إذا كان هذا السلوك نتاج الكبت الواقع على الفرد من جراء الظروف الاجتماعية المحيطة به وأنه يجتازه عند أي فرصة عملية، فإن الانحراف يصبح في هذه الحالة تنفسياً، وواضح من سلوك عبدالرحمن بأنه يمارس لذة النظر، نظراً للكبت الذي يعيشه، فرغم تلصصه واقترابه من النوافذ المضيئة والبحث عن نوافذ الحمامات في البيوت، أو تلصصه على زوجة أخيه فاطمة وهي في الحمام، إلا أنه كان يمتلك مغامرات غرامية كاملة وسوية.*

الخاتمة:

اذا كان فرويد وتلاميذه يرون أن اللاشعور هو المصدر الحقيقي للفن، وإذا كان هذا المعلم الرائد في مدرسة التحليل النفسي يعتقد بأن الإنسان سواء أكان يقظاً أم نائماً فإنه في الجوهر هو نفسه، وهو مدفوع دوماً باللاشعور، فإنني أعتقد بأن الدوافع اللاشعورية التي أبرزتها وكشفت عنها أحداث هذه الرواية لا تنطبق عليها هذه المقولة بالمطلق، وإنما كان واضحا منذ البدء وحتى الخاتمة بأن القاص فريد رمضان كان واعياً بل وفي كثير من الأحيان متعمداً فضح هذه الرغبات الجنسية الطبيعية أو المكبوتة، وهذه الدوافع عبر هذه الرموز، وكما كان الذئب كحيوان يرمز إلى الرغبة الجامحة وخاصة أن عواءه كان حاضراً في مقطع الغار وموت بيبي والوليمة، فقد كان عواؤه فاضحاً في غربة أحمد كعواء الجائع جوعا جنسيا لدى شخصيات هذا النص لدرجة عالية جدا من السخونة كتنوره الجميل.