الروائي الموسوي: لست مؤمنًا بالإلهام في الكتابة


الروائي عقيل الموسوي

إن كل تجلي لما هو مقدَّس هو ذو أهمية لمؤرخي الأديان، فكل طقس وأسطورة ومعتقد وصورة إلهية تعكس تجربة المقدِّس، ومن ثم فهو يدخل في مفاهيم التكون، والمعنى، والحقيقة. من الصعب أن نتصور كيف يمكن للنفس البشرية أن تتحرك دون الاقتناع بوجود شئ حقيقي لا يمكن إنقاصه في هذا العالم، ومن الصعب التصور كيف يمكن للشعور أن يظهر إلى السطح دون أن يضفي دلالة لاندفاعات الإنسان وتجاربه.

يمكننا مناقشة صحة المعيار المختار لتأطير المساهمات الكبرى في تاريخ الأفكار الدينية. ومع ذلك، فإن تطور العديد من الديانات يؤكده، لأنه بفضل أزمات وابداعات ناجمة عنها توصلت التقاليد الدينية لأن تجدد نفسها. ويكفي تذكر حالة الهند، حيث أن التوتر واليأس المتفجران بانخفاض القيمة الدينية للأضاحي البراهمانية ”آثارا“ سلسلة من الابداعات المتألقة (الأوبانيشاد، صياغة تقنيات اليوغا، رسالة غوتا ما بوذا، الورع الصوفي، الخ..) ومشكلاً كل واحد منها بالفعل حلاً متميزاً وجريئاً للأزمة ذاتها.


إن الرواية التاريخية في الموروث الثقافي العربي هي ليست بالقديمة، ولكن ومنذ أن كتب جرجي زيدان روايتيه ”المملوك الشارد“ و ”أرمانوسة المصرية“ في أوائل القرن العشرين، والروايات التاريخية تحضى بمكانة خاصة بين المثقفين العرب، لما تحتويه من حكايا تربطهم بأحداث واقعية تجعل خيالهم يتركب في صورة مرتبة زمنياً، ومرتبطة بوقائع وشخوص حقيقيين.


عندما نبحر في صفحات رواية دارا الزرادشتي، نعلم أنها ليست رواية تاريخية فقط، ولكنها رواية للتاريخ الروحي إن صحت التسمية، فدارا ابن كردير هو ابن موابذة، أسمى طبقة لكهنة الديانة الزرادشتية، لم يكن ليتجول عبطًا في الزمان والمكان الذين اختارهما الروائي، بل كان يتجول روحانياً بين المعتقدات المختلفة رابطاً إياها بما سبقها، مكوناً نسيجاً عميقاً، قامت عليه حياته كلها. لقد تطلب ذلك من المؤلف بحثاً عميقاً في علم الاجتماع، الانتروبولوجيا، وتاريخ الأديان، والفينومينولوجيا، والعلوم التأويلية الحديثة، نرى كل ذلك جلياً عندما يقوم بتغطية شاملة ”للمقدس“ وبدقة أكثر تطابقه مع ”المدنس“.


عقيل الموسوي هو طبيب متخصص في علاج جذور الأسنان، ويحترف جمع الطوابع والعملات، وهو باحث وقارئ نهم في التاريخ وتاريخ الأديان والعلوم المصاحبة لهما. رواية دارا الزرادشتي هي روايته الثانية بعد رواية آريامهر نامه: سيرة نور الآريين والتي تدور أحداثها في إيران كذلك. في هذه المقالة أسئلة خالجت خاطري أثناء قرائتي للرواية وبعدها، يجيب عنها الدكتور عقيل، ثم تليها أسئلة الحضور في الجلسة التي تمت في صالون مكتبة الوقـت، يوم الأربعاء، بتاريخ ١٠ مارس ٢٠٢١.

الدكتور فادي الطواش خلال محاورته للروائي عقيل الموسوي

د. فادي الطواش: احتفل العالم قبل يومين بيوم المرأة العالمي، ولِدارا ومنذ أن حلَّ بشيراز، تحولات بارزة، في نظرته إلى عشتار وأناهيدا والزهرة. دكتور عقيل الموسوي، ما الذي تريد ان توصله إلى القارئ عن مكانة المرأة في مختلف الأديان؟

د. عقيل الموسوي: لنتفق أولاً أن الرواية ليست منبرًا عاليًا، تستطيع منه الرواية إصلاح المجتمع، أو تغيير نظرته تجاه المرأة مثلاً، ذلك أمر يفوق ما تحتمله الرواية بشكل عام. ولنتفق كذلك أن ما تقوله روايتي شيئًا مختلفًا عني، فلست أتحدث في الرواية باسمي، أو باسم أفكاري الخاصة، ولا باسم أحدٍ آخر، لست أكتب بصفتي مدافعًا عن الزرادشتية، أو المانوية، أو الشافعية، أو الاعتزال، أو التصوف، أو الإسماعيلية، أو التشيع، بل أكتب بصفتي روائي. بهذا الفهم يمكنني أن أجيب على سؤالك وأقول إن روايتي اهتمت بالفهم القديم لقدسية المرأة بصفتها الواهبة للحياة والقادرة على الأنجاب، وهذا يضعها في مرتبة أعلى من الرجل في مقياس الالوهية. وقد استفادت الرواية كثيرًا من أفكار فراس السواح، حيث أكد أن المرأة كانت موقرة في الأديان القديمة وأصبحت محتقرة في الأديان السماوية، ولأن الالوهية تعني الخلق، تعني ولادة الحياة، فقد احتالت الأديان الإبراهيمية على المرأة لتحرمها من أعظم هباتها، وهو الولادة، فقالت أن حواء ولدت من ضلع آدم، واحتفت بعيسى المسيح مع أن الأكرم الاحتفاء بوالدته مريم العذراء. ورغم كل ذلك بقي شيئًا من التقديس القديم للمرأة، ظهر منه في رواية دارا الزرادشتي على لسان الآشوري المطرود من الكنيسة لهرطقاته. فمن التقديس القديم لعشتار، جاء التقديس الإبراهيمي لحواء ومريم، وفهم دارا التبجيل العظيم، الذي يكنه المتصوفة والشيعة، للسيدة فاطمة الزهراء، واعطاء شخصيتها موضعًا محورياً في عقائدهم، وكأنه نابع من الفهم القديم نفسه، فهي الحورية، الأنسية، الواهبة لأنوار الأئمة.


د. فادي الطواش: لقد اخترت القرن الثالث عشر الميلادي ليكون مسرحاً لبطل الرواية دارا. ما الذي شدك لهذه الحقبة بالذات، رغم ما بها من مغالطات وروايات، وفي أحيان متضادة من ناحية الصراع على السلطة، والصراع بين المذاهب والأديان؟

د. عقيل الموسوي: الروائيون يفضلون الفترات التاريخية المليئة بالأحداث، لأنها تهب الرواية التشويق المطلوب ليبقى القاريء مشدودًا إلى الرواية. في رأيي أن حروب المغول، وسقوط الخلافة الإسلامية أحداث مزلزلة، تعد بمثابة حرب عالمية في زمانها، أقول عالمية ليس لبشاعتها ونتائجها الخطيرة فحسب، ولكن لاشتراك أمم كثيرة فيها. ومثل معظم الروائيين، تجنبت مقص الرقيب فلجأت إلى التاريخ البعيد، مع التلميح لما يجري الآن، تصديقًا لقول جورج أورويل:"الروائي الذي لا يلقي بالًا بالأحداث العامة للحظة الراهنة هو بشكل عام إما عابث أو أحمق"٣. وقد تمكن قارئ حصيف مثل الأستاذ عبداللة جناحي أن يلاحظ اسقاطات الماضي في "دارا الزرادشتي" على الحاضر، ونشر على صفحته على الفيس بوك: "إن التاريخ العربي يكرر نفسه في رواية "دارا الزرادشتي"، ففي فقرة حول غزو المغولي هولاكو لبغداد، تتكلم الرواية عن واقع أمة عربية أنظمتها مهزومة في وقتنا الراهن".


٣. جورج أورويل، لماذا نكتب، ترجمة علي مدن، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ٢٠١٣

د.فادي الطواش: في الرواية، يبحث دارا دائما عن النور. أيهما أثر في دارا أكثر في اتخاذ قراراته العقائدية، أهورامازدا أم آهريمان؟

د. عقيل الموسوي: كانت حياة دارا تسير بين النور والظلام، بين الخيّر الشر، الإلهان يقودان حياته، يسعى دارا ليساعد الإله أهورامازدا في النهار، ويتجنب أهريمان في الليل. وهو فهم بسيط لفكرة الخير والشر، الأفعال إما حسنة أو سيئة، حتى أن دارا كان يتجنب مخلوقات أهريمان الضارة في ليل شيراز، يهرب من الضفادع والقطط وتخيفه أصوات الذئاب القادمة من البراري. لكنه في الإسلام، وبعد مجاهدات روحية عميقة، اكتشف فهمًا أعمق لفكرة الخير والشر. قبل زواجه من الزهرة، تأمل دارا في مونولوج داخلي: "الخير والشر أمران نسبيان، وحده موقع الفعل الإنساني يجعله خيرًا، أو شرًا، فحرب هولاكو لم تكن شرًا كلها، لولاها ما فزت بالزهرة".

د.فادي الطواش: من أبطال روايتك، ”رستم". لقد رسمت لوحة فريدة لرحلة القافلة من شيراز إلى نيشابور بخراسان. ما علاقتك بالصحراء؟ خصوصًا ما لحظناه من دقة متناهية في الوصف، لا يفهمها إلا من عاش تجربةً مشابهة.

د. عقيل الموسوي: قبل ثلاثة أعوام قلت في حوار أجراه الصديق علي القميش، ونشر في جريدة الأيام، إني أشعر بأني أخون القاريء حين أصف أماكن جغرافية لم أزرها. ليس الجغرافيا فقط، التاريخ كذلك، الاثنان مقدسان لا أجرؤ على السماح لنفسي بتغيير حقيقتهما. وهكذا سافرت لإيران مرات عديدة، زرت جميع المدن التي وردت في الرواية، حتى قلعة ألموت الشاهقة في جبال الديلم صعدت إليها مشيًا على الأقدام، واستغرق ذلك نهارًا بأكمله صعودًا وهبوطًا. في صحراء يزد سكنت لليلتين في كارافانسراي قديم، فندق القوافل. ومن هناك انطلقت مع زوجتي برحلة على الجمال في الصحراء. ما يزال صوت الجرس المعلق على رقبة ذلك الجمل، وظله الطويل على الرمال عالقان بذاكرتي. لم يكفني ذلك، قبل عامين سافرت مع فنانين بحرينيين إلى وسط صحراء الربع الخالي، كان الغرض من الرحلة هو الاسترخاء والتأمل وممارسة اليوغا، وكان في رأسي شيء آخر. خرجت من المخيم فجرًا وظهرًا وعصرًا، مشيت مسافات طويلة، كنت أريد أن أضيع في الصحراء، فأشعر بالتعب والعطش، كما سيحدث لبطلي المسكين دارا. الطريف أني لم أضع أبدًا، وكنت أرجع إلى المخيم محبطًا في كل مرة. لكني هناك، في صحراء الربع الخالي القاسية، تعلمت كيف تبلع الرمال أثر الخطوات، وكيف تنغلق الكثبان في الوديان الضيقة، وأدركت كم هو سهل أن تهزم الصحراء الإنسان.


بعد صدور الرواية، لم أجد طريقة مناسبة لتدشينها، وذلك بسبب جائحة الكورونا، وخوف الناس من التجمعات، وتعليمات الدولة للتباعد الاجتماعي. دارا التعيس لن يجد أحدًا يسمع حكايته، قلت لزوجتي في أسى، ما كان ينبغي أن أخالف الصديق المرحوم فريد رمضان الذي نصحني ألا أظلم دارا بطباعة الرواية في زمن الكورونا. كان الفنان عباس الموسوي يعد معرضًا فنيًا أسماه من وحي الرمال، يستعرض فيه تجارب الفنانين في صحراء الربع الخالي، وهكذا جاء التشكيليون بلوحاتهم التي رسموها في الصحراء، جاء الفوتوغرافيون بصور الرمال، وجئتهم أنا ببطلي دارا الذي زف وسط جوقة من الفنانيين، في سابقة غريبة، فرضتها علينا ظروف الجائحة البغيضة.


الفنان عباس الموسوي

د.فادي الطواش: كانت علاقة دارا بالكتاب واضحة. لماذا الكتاب؟ خاصة أنه التقى بخلاصة الخلاصة من المفكرين في عصره. ما الذي تريد إيصاله للقارئ بشغف دارا للقراءة؟

د.عقيل الموسوي: مرة أخرى أحب أن أذكر أن تعلق دارا بالكتب أمر لا يخص مزاج عقيل الموسوي، إنه مزاج الرواية، إحدى أهم خصائص شخصية دارا كموبذ تم تأهيله ليكون كبير الموابذة لجماعته الزرادشتية. أوصاه أبوه: "لكل موبذ كتابه، لا تنس يا بني أننا كتبة هذه الأمة". لاحقًا، في العوالم الباطنية، صار دارا يجد في الكتب مخلصًا، كتب بعينها تنقذه من الهلاك. هذه الخصلة إلى جانب خصل أخرى مثل ميله الهوسي للزرادشتية، حبه للمعرفة والجدل، كلها جعلت من دارا شخصية متماسكة، تتقاطع مع شخصيات الرواية بشكل مقنع. فليس من منطق روايتي، والذي يسميه ميلان كونديرا حكمة الرواية، ألا يكون دارا موبذًا في صميم أعماقه، عاشقًا للمعرفة والكتب حتى آخر يوم في حياته.

د.فادي الطواش: استنكر الشيخ أبو حسنين على دارا رفضه لحمل السلاح، ورد عليه دارا بأن الدين درعي، ليس سلاحي. هل هي دعوةٌ لنبذ العنف؟ أم للسلام؟ أم كلاهما معاً؟


د.عقيل الموسوي: ربما أختلف معك في مصطلح دعوة. دعوة توحي بإرشاد الدين الذي يقتضي خطابه اليقيني واحدًا من اثنين على حق، إما أن الحرب خير، أو أنها شر. وأنا مرتبط بفكرة السلام في الرواية، ليس بوصفي أميل لأخلاق هذا الدين أو ذاك، وليس بوصفي متعاطفًا مع الفرس وضد المغول، بل بوصفي روائيًا مهتما لأعرف النفس الفارسية، واكتشف الأصول في فهمها لمبدأ السلام. أحب هنا أن أقتبس ما تقوله بثينة العيسى: "الروائيون لا يكتبون للتأكيد على كروية الأرض، ولا للتبشير بوجود الخالق". لنرجع إلى دارا الذي كان "زرادشت يهتف في أذنه: في زمن الحرب، لن أرفع سيفي، بل سأشعل شمعة"، وشجعه التصوف على السلام وعدم رفع السلاح، ولكنه اصطدم بالفكر الجهادي للإسماعيليين، وكادت غيرته على الفرس أن تجعله يرفع السيف. كان دارا يعاني من تنازع الحرب والسلام في داخله، ذلك ما تهتم به روايتي، افكار قديمة تدعوه إلى السلم، في تضاد مع أفكار جديدة، وملحة، تدعوه إلى القتال. والتحدي أمام دارا يكبر في قلعة ألموت، لما يشهر السيف المغولي في وجهه.


د.فادي الطواش: كان للمغول مساحة كبيرة في رواية دارا الزرادشتي، خصوصاً ”هولاكو خان“ وكيف أنه متناقض في أفعاله، نراه يحرق الكثير من الكتب، وفي نفس الوقت يمول مرصداً يعد هو الأكبر آنذاك ومكتبة يروى أنها احتوت على أكثر من ٤٠ ألف كتاب. كيف تفسر للقارئ تصرف هولاكو في الحالتين؟

د. عقيل الموسوي: دارا هو من يفسر للقاريء ذلك، لا تنس أن منطق دارا هو منطق الرواية، إنه حكمتها. انطلاقًا من أصالته الزرادشتية التي ترى الانتماء إلى آريانا شيء من عقيدة الدين، كره دارا كل ما يتعلق بالغازي هولاكو الذي لم يكن سوى قائد عنجهي لا يفقه إلا إدارة العسكر. كان حرق مكتبة ألموت بإيعاز من الجويني، الكاتب الفارسي للمغول، الذي كان يشمت من الكتب المحترقة فيما هولاكو يصادر سلاح ألموت وذهبها. أما نظرة هولاكو للكتب فقد وصفها دارا كالتالي: "أما جنود المغول فقد انطبعت على وجوههم ابتسامة بلهاء لا معنى لها، وأخالهم يسخرون منا، حمقى نتقاتل من أجل كلمات منسية في صحفات قديمة". فليس ثمة تناقض في حياة هولاكو، الحرق والتدمير ديدنه في الحرب، أما رصدخانه فبنيت بحيلة من منجمه الخواجه الطوسي الذي أقنع هولاكو أنها من أجل عقائده البدائية واستطلاع أشباح أجداده في السماء. وهكذا نرى أن الجويني والطوسي تمكنا بدهائهما من التحكم بهولاكو المخمور معظم وقته.

أبو الفتوح يحيى بن حبش بن أميرك السهروردي ويلقب بشهاب الدين، واشتُهر باسم السهروردي

جدير أن أذكّر هنا، ونحن نتحدث عن رواية تاريخية، أن الكتب في العادة تروي تاريخ الدول، وليس الإنسان، فتقول مثلاً إن السلطنة الإيلخانية حكمت فارس والعراق وكان مركز حكمها في أذربيجان، ثم نقرأ الكتب التي أمر بها السلاطين لتظهرهم زعماء مقتدرين، ينتصرون في المعارك، ويبنون القصور، ولا أكثر من ذلك. لكني ملت في رواية دارا إلى الاهتمام بالإنسان أكثر، يقول دارا:" لا بد من القول إن مجد فارس لم يحققه عساكر سفاحون، ولا سلاطين لبسوا التيجان، لم يحققه يمين الدولة الغزنوي، ولا صمصام الدولة البويهي، ولا وزير السلاجقة نظام الملك، ولا طغرل التركي، ولا هولاكو المغولي، بل حقق مجد فارس متصوفة حكماء، الحلاج والبسطامي والسهروردي، وشعراء مرهفون، الفردوسي والعطّار والشيخ سعدي، وعلماء نوابغ، البيروني وابن سينا والطوسي، الذين وضعوا علومهم لمنفعة البشر". ففي الرواية سيّر سعدي، والعطّار، والطوسي، وحين كتب دارا سيّر السلاطين المغول، تعرض للأحداث المنسية والمهملة في التاريخ.

د.فادي الطواش: ما الذي أضافته لك رواية دارا وأنت كاتبها؟ أن كان هناك درس تعلمته من صديقنا دارا منذ ولادته حتى بلغ الثالثة والثمانين، فما هو؟

د.عقيل الموسوي: عندما بدأت في كتابة الرواية، لم يكن في تصوري أن "دارا الزرادشتي" سيكون شكلها النهائي. كنت أعيد قراءة نصي، وأتأمله باستمرار. عرضته على الدكتور نادر كاظم والمرحوم الأستاذ فريد رمضان، وكان النص يتغير، ومنطق الرواية يتضح، ثمة شخصيات تخرّج، وأخرى تدخل، وفهمي للمذاهب يتعمق في معمعة الكتابة الدؤوبة، وأنا أبحث لبطلي الزرادشتي عن طريق مقنعة إلى رحاب الإسلام، وبعدها من التصوف إلى الإسماعيلية، ومن ثم إلى التشيع. لم يسبق دارا كل ذلك، بل ولد أثناء كل ذلك، وسار بمنطق الرواية وحكمتها. ليس ثمة إلهام خارق تملكني، فلست مؤمنًا بالإلهام في الكتابة. وتعلمت من هذه التجربة الكثير. نحن كبشر نتغير أثناء مسيرتنا في الحياة، تتبدل قناعاتنا، وحتى في آخر العمر يمكن لنا أن نحرز كشوفًا جديدة، يقول دارا: "ثلاثة وثمانون عامًا مرت، ……، عمر كان ينبغي أن يغير من هيئة فارس، لكن فارس هي التي غيرتني".

د.فادي الطواش: في الرواية الكثير من الرمزيات، لن أعددها هنا، ولكن أريد أن أشير إلى الباطن والظاهر عند دارا، فحتى آخر لحظات حياته ظل يشد الزنار الزرادشتي المستتر تحت ثيابه، ويحيي النجمة:"عمّي مساءً أيتها النجمة الهائمة في السديم“، مؤمناً بالنور.

د. عقيل الموسوي: يمكن للقراء تأويل هذه الرموز بطرق مختلفة. عاش دارا طوال حياته في حياة اكتنفها الباطن، في التصوف والإسماعيلية والتشيع، وكان يزدري من الظاهر بصفته نقيض الباطن، يرى شيوخ الباطن شفافين، ويرى فقهاء الظاهر معتمين، النور هو مقياسه للحكم على الأمور. لكنه في آخر عمره يكتشف أنه ينبغي أن يعيش بين الأثنين، فهما اسمان من اسماء الله، الظاهر يفسّر الله، والباطن يؤوله. كانت صحوة الصحوات التي رتبت إيمانه الإسلامي. وفي البرزخ بين الدنيا والآخرة ثمة ترتيب آخر لا يقل أهمية عن الأول، وذلك يرجع إلى الزرادشتي والمسلم اللذين يسكنانه. دخل دارا عالم الآخرة يتلو من الأفستا: (أنا قادم إليكم أيها الخالدون الكرماء، أنا قادم إليكم كاهنًا ممجداً)، رأى قرينه السماوي في هيئة جميلة، ذلك يعني قبوله في العالم الخيّر، سحر عينه النور السرمدي فتلا من القرآن: "الله نور السموات والأرض“، متصورًا أنه يرى الله، ثم رأى أشياخه في الجنة. كانت النهاية مشهدًا مختلطًا للتصور الأخروي للديانتين، وهو يعني الانسجام الروحي التام لدارا بين الديانتين.

ميلان كونديرا

د.نادر كاظم: من يقرأ "اريامهر نامه" و"دارا الزرادشتي" يلاحظ أن هناك تنافس لدى الكاتب بين الباحث والروائي، وكأن هناك صراع دائر بين الاثنين، كيف رتبت توليفتك الخاصة في هذا الموضوع؟

د. عقيل الموسوي: اعتقد أن ذلك الصراع انتهى لصالح الباحث في روايتي الأولى، ولصالح الروائي في الثانية. ولكن، ليست رواية "دارا الزرادشتي" سرد تاريخي لأحداث جرت في الواقع فقط، نسيت ذلك المؤرخ الذي تملكني، وليست الرواية مقارنة بين الأديان، فأنا لست باحث، واقتربت أكثر من الروائي الذي يبحث فيما يمكن أن يؤول إليه الزرادشتي، فيما هو قادر عليه، فهل بإمكان دارا أن يراكم كل تلك العقائد في قلبه؟ تغامر الرواية بأنه أمر ممكن، وذلك للتشابه بين الزرادشتية والإسلام، وتغامر كذلك بأنه بإمكان دارا أن يجمع بين عقائد التصوف والإسماعيلية والتشيع، لأنها كلها نابعة من مذاهب باطنية في أصلها. وتراهن الرواية على أمور أخرى، سيكون مشوقًا لي أن أعرف رأي القراء فيها.


يقرر ميلان كونديرا أنه يجب فهم الشخصية الروائية وعالمها بوصفهما امكانات، وفي السياق نفسه كتب الدكتور على الديري، المهتم بالنصوص المتوحشة في الأديان: "أن السرد الروائي الذي جاء في رواية "دارا الزرادشتي" أتاح لنا برؤيته المتسعة أن نتحرر من فهم كُتب الملل والنحل". والديري إنما يؤكد ما لا يمل كونديرا من ترديده: "إن السبب الوحيد لوجود الرواية هي أنها تقول ما يمكن للرواية وحدها أن تقوله“.


لنرجع إلى سؤال الدكتور نادر. أقر أنه لم يكن سهلاً التخلص من عقيل الباحث وترويضه إلى عقيل الروائي، إنها تجربتي الروائية الثانية، وكان لا بد من تعلم فنون الرواية. أعدت كتابة نص دارا الزرادشتي أربع مرات، ولم أرض عنه إلا حين تخلصت من تعلقي العاطفي به، لأني بعدها فقط صرت قاسيًا عليه، تخلصت من مرادفات زائدة، تخلصت من استعارات غير فعالة، قمت باختصارات كبيرة، كان الأمر مؤلمًا في البداية، لكنه أصبح ممتعًا فيما بعد، وحذفت ما فاق ثلث النص، حتى آمنت بمقولة كونديرا: "إن حذف مقطع يتطلب موهبة، وثقافة، وقوة إبداعية، أكثر مما تتطلبه الكتابة". في النهاية، لم يبق من تاريخ في النص إلا ما احتاجته دارا لرفع مصداقيته، لا أكثر. والحق أن روايتي ما تزال طويلة، وهذا أمر مختلف، فقراءة أكثر من ٤٠٠ صفحة ليس بالجهد البسيط على القاريء المعاصر الذي أدمن الاختصار، ويأسره التبسيط. لكن أمور الدين ليست بسيطة، بل معقدة، وتزيدها تعقيدًا الرواية التي روحها هي روح التعقيد. لماذا يحتاج امبرتو ايكو إلى ٤٧٠ صفحة، ليثبت للقاريء أن برتوكولات حكماء صهيون كانت كذبة؟ ألا تكفيه بضعة صفحات ليستعرض الوثيقة المزورة ليقنع القاريء؟ ربما فعل الباحثون ذلك مرات عديدة من قبل، وترجع الناس فتنسى أن البروتوكولات مزورة. لكن الروائي امبرتو إيكو خلق عالمًا روائيًا معقدًا، خلق حياة كاملة لضابط المخابرات الروسي، شكله، نهمه لأكل الطعام، نفسه الشريرة، خلق نصًا أدبيًا لا ينسى، خلق حقيقة جديدة لبروتوكولات حكماء صهيون.


بالمثل ترصدت رواية "دارا الزرادشتي" إلى فكرة أن جميع الديانات والمذاهب الفارسية متأثرة بالإرث الزرادش