الساحة


الصورة من أعمال الفوتوغرافي ناهي علي


عند باب المدرسة توقفت امرأة طويلة القامة، تجاوزت الثلاثين من العمر، بيضاء البشرة، ترتدي عباءة سوداء، وتضع على عينيها نظارة شمسية. بلطف حررت يدها من يد ولدها الصغير الذي لا يتعدى الثامنة من العمر، بعد أن ظل ماسكاً بيدها من البيت إلى المدرسة الذي يبعد مقدار عشرين دقيقة مشياً.

طوال الطريق لم تتحدث معه، ولم تقل له شيئاً، فقد كانت في مزاج نكدٍ منذ خروجهما. دفعته برفق ليدخل مع بقية الطلبة، فتردد قليلاً، ونظر إليها نظرة متوسلة، إلا أنها جعدت جبينها، وضربت الأرض بقدميها بنزق، ونزعت نظارتها، وبادلته نظرة حادة من عينيها السوداوين، وقالت له باقتضاب فج:

" تحرك".

أصابه الذعر فأسرع بالدخول.

عدلت المرأة من وضع عبائتها على رأسها، وبدلاً من عودتها في نفس الطريق إلى البيت، انعطفت يساراً عند تقاطع الساحة الخلفية التي يتفرع منها الزقاق الصغير.. هناك حيث شجرة السدر الضخمة الوارفة الظلال، والتي يصل طولها إلى عشرة أمتار، والبيوت المتراصة، والمحلات الصغيرة المنتشرة: مخبز، مكتبة، بقالة، محل بيع الخضروات، محل بيع الأدوات الكهربائية، خياطة نسائية، ومحل بيع الأطعمة السريعة.

كان يوماً شديد الحرارة من أيام شهر يونيو، ورغم أن الساعة لم تتجاوز الثامنة صباحاً، إلا أن أشعة الشمس القوية أحرقت قمة رأسها، وجرى العرق على وجهها.

وقفت تحت شجرة السدر الضخمة تمسح العرق بطرف عباءتها، ونظرت نحو الأسفل وبدأت تتفحص أصابع قدمها.

فجأة، ومن دون سبب ظاهر، خلعت نعالها غير مبالية بحرارة الأسفلت الملتهب، ونزعت عنها عبائتها وقذفتها فوق غصن الشجرة، وبدأ صدرها يعلو وينخفض بسرعة، وأخذت تتلوى وتهتز وترتعش وترقص بطريقة جامحة في الشارع، أمام استغراب ودهشة المارة، الذين بدأوا في الاحتشاد بأعداد كبيرة، ليحملقوا في ذهول ما تقوم به المرأة في الشارع.

(2)

مضت أربع ساعات والمرأة طويلة القامة ترقص دون توقف وسط دهشة المارة، وتساؤلهم حول من تكون، وكيف يمكن أن تتوقف عن الرقص. حاولت امرأة بدينة أن تعيد تغطيتها بالعباءة لكنها دفعتها بعيداً. رجل آخر حاول التدخل طالباً منها التوقف والعودة إلى رشدها وبيتها، فلم تلتفت إليه أو تسمع كلامه. آخر قدم لها زجاجة ماء، لكنها لم تتوقف رغم حرارة الجو العالية. آخرون بدءوا في ترديد تعلقاتهم المتهكمة، وبعضهم طلب استدعاء الشرطة النسائية، وآخرون طلبوا استدعاء زوجها أو ولي أمرها.

أحدهم قال:

" أنا أعرف من تكون، هذه امرأة مسكينة مطلقة تعيل ثلاثة من الأبناء".

ودخل في جدال مع أشخاص آخرين زعموا انها ليست مطلقة، وليست من هذه المنطقة.

المرأة الطويلة القامة لم تتوقف عن الرقص إلا أن انهارت وأغمي عليها، فطلبوا من السيدات أن يسرعن بتغطيتها ورفعها من على الأرض وسحبها إلى تحت شجرة السدر الضخمة حتى تستعيد وعيها.

إحدى السيدات تطوعت وأحضرت سيارتها بالقرب من الشجرة، رشوا على وجهها الكثير من الماء، وعندما استفاقت أدخلوها السيارة وتحركت بعيداً عن الساحة.

(3)

في صباح اليوم التالي عادت المرأة الطويلة القامة إلى نفس المكان في الساحة، وواصلت الرقص الذي بدأته يوم أمس، وسط دهشة المارة واستنكارهم لما تقوم به.

كانت ترقص بدون موسيقى أو غناء، لكنها كانت تقوم بحركات مفرطة غير متوقعة، وتلقائية، وغير منتظمة التوقيت، وغير تكرارية، وبلا هدف، حركات معتمدة على حركة الكتفين واليدين والرأسين، وحركات الرجلين والردفين، تضرب برجليها الأرض ضربات خفيفة وسريعة، وترقص رقصات مشحونة بالقلق والخوف والتوتر، تترنح وتتخبط بعيون مسدلة أو مغلقة، تميل بالجزء العلوي من جسمها للأمام قليلاً أثناء الرقص والدوران، بحيث يكون أحد الكتفين أعلى من الآخر قليلاً، ويستمر تنفسها شهيقاً وزفيراً كأنها دمية خشبية.

ورغم محاولات المارة بالحديث معها، أو وقفها عن الرقص، إلا أنها واصلت دون انقطاع.

الأكثر غرابة أن رجلاً في الأربعين من عمره، خرج من بين الحشد الكبير وشاركها الرقص دون توقف، وسط تعليقات الناس المؤذية والجارحة، وسخريتهم المستمرة.

لكن ما أثار خوف الناس وفزعهم هو مشاركة عشرة أشخاص آخرين في الرقص قبل غروب الشمس ، كانوا ثلاثة رجال وخمس سيدات وطفلين لا يتجاوزان العاشرة من عمرهما. وهذا ما أدى إلى احتشاد الكثير من الناس في الساحة لمشاهدة ما يحدث.

كانوا يرقصون دون موسيقى أو غناء، ولم يكن يبدو عليهم انهم يشعرون بالراحة خلال رقصهم، بل بدت عليهم مشاعر من الخوف واليأس، ونادراً ما كانوا يتوقفون عن الرقص لتناول الطعام، أو للحصول على قدر من الراحة.

(4)

عند ظهيرة اليوم السادس ازداد عدد الراقصين إلى 34 شخصاً،أشخاص مختلفين لا يربط بينهم رابط، نساء وأطفال ورجال من كل الأعمار، أما المرأة الطويلة القامة فقد انهارت تماماً ووقعت على الأرض، ولم يستطع أحد انقاذها، إذ فارقت الحياة.

بعد ذلك لم يعد الأمر مثيراً للفرجة أو السخرية.

(5)

موت المرأة الطويلة القامة تسبب في تدخل أصحاب الحل والربط في المدينة، وبدأوا يتداولون حول أسباب الظاهرة، وكيفية وقفها والسيطرة عليها، في تلك الأثناء ازداد عدد الراقصين بشكل كبير حتى وصل عددهم إلى سبعين شخصاً، وبالمقابل زاد عدد الأشخاص الذين قدموا من كل مكان إلى الساحة للفرجة.

وتفاقم الأمر حينما خر البعض منهم مغشياً عليه من شدة الانهاك والحرارة والتعب، ومات عدد منهم لتعرضهم لأزمات قلبية قاتلة، وبدأ الراقصون يتساقطون واحداً تلو الآخر، إما بسبب الانهاك الشديد، أو موتاً جراء الجفاف والأزمات القلبية، واولئك الذين لم يموتوا وفقدوا القدرة على الوقوف من شدة التعب، ظلوا يتلوون على الأرض.

كانت أعمار الراقصين تتراوح بين 16 و 60 سنة يتفافزون يميناً وشمالاً ، ويصدرون أصواتا أشبه بالهمهمة، كانوا في حالة تشبه اللاوعي، وكانت حركاتهم وانفعالاتهم لا ارادية، كأنهم ممغنطين دون أن يدركوا ما يحدث حولهم، أو ما يحصل لهم .

حاول رجال الشرطة منع الراقصين بالقوة لكن دون جدوى، وما زاد الأمر سوءاً أن شرطياً برتبة عريف خلع ملابسه الرسمية ونزع حذاءه وأسرع لمشاركة الراقصين رقصهم.

حاول رجال الدين الحديث مع الراقصين واقناعهم تارة بالحسنى، وتارة بغلاظة القول، لكن دون جدوى.

الحكماء قالوا أن هذا له علاقة بارتفاع نسبة الدم الفاسد في أجساد الراقصين، وعلى السلطات أن تتركم لحال سبيلهم، حتى يحرقوا ذلك الدم الفاسد بالحركة المستمرة، بل اقترحوا أن يخلوا الشوارع ، ويبنوا لهم منصة خشبية كبيرة حتى لا تحترق أرجلهم من حرارة الاسفلت، وطلبوا من جميع الفرق الموسيقية من كل مكان أن يعزفوا لهم بلا توقف، كلما تعب فريق حل آخر مكانه.

أولئك الذين ادعوا انهم يفهمون في الطب قالوا أن هذا نتيجة انتشار نوع من الفطريات التي تنمو على القمح المتعفن، بسبب رداءة التخزين وحرارة الجو، وهذا ما أدى إل حدوث نوع من التسمم الجماعي أثر على تصرفات وانفعالات الراقصين.

أخرون قالوا أن هذا بسبب لدغة نوع نادر من العناكب تسمى العنكبوتة الذئبية، في حين أكد آخرون أن هذا مس شيطاني جماعي، أو أنه نتيجة سقوط نيزك حمل معه الأمراض من خارج الفضاء، وهذا يعني أن نهاية العالم وشيكة.

أحدهم قال دون خوف أن هذا كله بسبب الحروب والمجاعات والأمراض والأوبئة والفساد والجشع والغلاء وقسوة الحال.

(6)

مع نهاية شهر يوليو زاد عدد الراقصين حتى وصل إلى 400 شخص، لكن الموسيقى رافقتهم ليل نهار، وكان يمكن سماع أصوات الطبل والأبواق والطار والمزمار من مسافة بعيدة، ورغم اعتقاد السلطات أن استمرار الرقص ليلاً ونهاراً سيؤدي إلى عودتهم إلى طبيعتهم، إلا أن هذا شجع المزيد من الأشخاص للانضمام للراقصين.

أما الناس فقد صاروا شديدي التوتر والذعر خوفاً من أن تبدأ الأمور تخرج عن السيطرة، وهذا أدى إلى امتناعهم عن الخروج من ، مفترضين أن عدوى الرقص يمكن أن ينتقل إلى أي كائن بشري، فأغلقت الأبواب والمنازل واختفى الأطفال من الساحات والشوارع.

(7)

مع دخول شهر أغسطس كان الأمر قد انتهى، لم يبق من الأربعمئة راقص أحد على قيد الحياة، مات معظم الراقصين نتيجة لنوبات قلبية أو سكتات دماغية أو من الارهاق والجفاف، وعاد كل شيء إلى طبيعته، وكأن شيئاً لم يحصل، لا أحد يدري كيف بدأ كل ذلك، وكيف انتهى.

47 مشاهدة