قصة الكاتب الهندي : بالجندرا نيماد

______________________________________________


لا أحد يتمنى أن يموت وهو في الخامسة من عمره. المسألة الآن، لماذا يولد طفل إذا كان سيموت في الخامسة ؟

كنت غارقاً في لجة الحزن حينما ماتت أختي، التي كانت في الخامسة من عمرها، لو أن جدتي هي التي ماتت عوضاً عنها، كان يكفيني بعض الوقت لأعتاد على فراقها، لو أن "ماني" ،أختي، ماتت فيما بعد، ما كنت هكذا مليئاً بالحزن والأسى. ماني أول شخص يموت من عائلتنا بعد أربعين سنة من وفاة جدي.

من يكبت أحزاني؟

لم أكن في البيت وقت موتها، كنت هنا في "بونا" أعيش في سكن الجامعة، وهذا ما زادني حزناً، إلى الحد الذي بدأت ألفت أنظار الطلبة، وأثير أسئلتهم، ولكنني لم أخبرهم عن موت ماني، وهذا ما جعلهم يقولون لي:" أصغ جيداً، أنشوطة الحزن ستلتف حول رقبتك، ويوماً ما ستخنقك، ليس هناك من سبب يدعوك لكل هذا".

ولكن هناك سبب قوي لأحزاني، سبب يجعلني أتألم طول الوقت. فعائلتنا لم ترزق إلا ببنات من بعدي، وكن أربعاً.


عبدالقادر عقيل

وحتى بعد أن كبرت، لم يكن والداي يلبيان طلبي في شراء قميص جديد لي . كنت دائماً أضرب الأرض بيدي وقدمي وأبكي بشدة وأقول:"أنا ابنكما الوحيد، وأنتما لا تهتمان بي أبداً ".

فيقول أبي:" لا تعتقد أنك بهجتنا الوحيدة، سيكون لنا أبناء كثيرون".

ولكن حتى يوم أمس لم يرزق إلا ببنات، وبقيت أنا الابن الوحيد له.

في عائلتنا، البنات يطبقن التقاليد الهندية الأصيلة، فلم يكن يلححن كثيراً في الحصول على أي شيء، كما أن من واجب الأخت الكبرى أن تقوم بتمشيط شعر الأخت الصغرى، وعليها أن تنظفها، وعليهن جميعاً أن يؤدين أي عمل تطلبه الأم منهن.

وحسب تقاليدنا المعروفة، فإن الأخوات يجب أن يعتنين بأخواتهن، والأخوان يجب أن يدفعوا مصاريف تعليم إخوانهم، وعلى الأخ الأكبر أن يزوج أخواته اللائي يصغرنه.

تقاليد بائدة، ولكنها تطبق في عائلتنا، وهذا ما سبب عدم رؤيتنا لأختنا "سومي" بعد زواجها، فهي لم تزرنا ولا مرة واحدة.

ولكن أن تموت "مانوتي" ، هذا ما لم أصدقه.

كانت فتاة هادئة جداً، هادئة في عملها، في سلوكها اليومي، في الطريقة التي بها تغني، في خطواتها وهي تذهب إلى المدرسة.

كثيراً ما كانت أمي تقول:" هذه البنت لا عقل لها".

إذا شخص ما كسر زجاجة القنديل الذي في الحمام أثناء تنظيفه، تصرخ أمي قائلة:

" ماني، قفي مكانك أيتها العفريتة الصغيرة ".

فترد ماني من مكان آخر بالبيت قائلة : "أمي ، لست أنا، أنا أكنس حوش البيت".

إذا شخص ما دلق قدر الحليب، يعلو صوت أمي: "لا بد أن ماني فعلتها" .

ولأن في كل مرة تلد أمي بنتاً، لذلك، حين جاءت "ماني" إلى الدنيا كانت جدتي ضجرة تماماً، إضافة إلى أن عليها تدبير أمور البيت كله والاعتناء بأمي، كانت كثيراً ما تحك ظهر ماني الصغيرة بعنف أثناء استحمامها. وذات مرة، نسيت أن تضيف الماء البارد إلى الماء الحار، وأنزلت رأس ماني عبر ساقيها، فوجدت أن الماء ساخن جداً، فقالت:"هل من الضروري أن أعيدها إلى مهدها، ثم أضيف الماء البارد إلى الماء الساخن، ثم ألبسها ثيابها ثانية واضعها في فراشها". فما كان منها إلا أن دفعت برأس ماني في الماء الساخن جداً، ومع صراخ ماني ركضت أمي، وغمست أصبعها في الماء، وقالت والدموع في عينيها:" أرجوك قومي من هنا ، أنا سأحممها".

حين سمعت جدتي ذلك ألقت ماني بعنف على الأرض وقالت:" على الأم ألا تكون فخورة بابنتها إلى هذا الحد".

لم تكن أمي حنونة على ماني كثيراً، فقبل أن تلدها كانت تقول: "سيكون هذه المرة ولداً"، ولكن بمجيء ماني إلى الحياة خيبت الآمال ولم يفرح بقدومها أحد، بل نظروا إليها شزراً.

في تلك السنة انتشر وباء الجدري، وحوالي خمسين طفلاً من الذين أصيبوا بالجدري في قريتنا ماتوا، وهي ماتت أيضاً.

عندما سمعتُ الأنباء عن ابن حارس حقلنا فزعت جداً، فالصبي كانت حالته سيئة جداً، ولم يكن بالإمكان إلا الجلوس قريباً من فراشه ومراقبته. وفي يوم تركته أمه في رعاية أخته الصغيرة وذهبت لتعمل في الحقل، وفي منتصف النهار توهم الصبي بأنه محاط بالنيران من كل صوب، فما كان منه إلا أن خرج من البيت وقفز في البئر.

أما "ماني" فقد ماتت في فراشها.

في ذلك الوقت، كانت جدتي قد هيأت نفسها للحج الشتوي، بينما ماني مصابة بحمى شديدة . قالت أمي للجدة: "هل يجب أن تحجي هذه السنة؟ عندي فتاة مريضة، وأخرى لا تزال ترضع من ثديي، وفي القرية وباء خبيث، تستطيعين أن تؤجلي إلى حج الصيف، ولتبقي معي لتعتني بالبنت المريضة".

أفرغت الجدة محتويات حقيبتها بغضب، وقالت لإحدى الجارات: "إرضاءً لبناتها سأتخلى حتى عن إلهي وعقيدتي. تطلب مني أن أحوم حول بناتها بسبب حمى بسيطة، ما الذي يجعلها تعتقد بأن بناتها سيصبن بالجدري؟ ".

قالت أمي باكية: "اذهبي إذا شئت، ولكن أرجوك لا تذكري الجدري على لسانك ، سأدبر أمر الصغيرة، وسأعتني بالبنت أيضاً، ولكن أرجوك امنعي لسانك من التلفظ بهذا الاسم".

لم تذهب الجدة إلى الحج وبقيت في البيت، والكلمة المرعبة التي أطلقتها صارت واقعاً، وتجدرت "ماني"، وتحوّل جسدها كله إلى بقع حمراء.

وهذا ما دفع بالجيران إلى أن يتجنبوا زيارتنا، ولم يبق في البيت إلا أمي وجدتي، وكلتاهما خاصمت الأخرى، وامتنعتا عن الكلام مع بعضهما، فإذا الأم سألت: "هل سخنت الماء؟ "، كانت الجدة ترفض الإجابة.

وإذا الجدة قالت: "أعدي طعام (البكري) للرجال في الحقل "، تجاهلت الأم كلامها.

في هذه الأثناء، واتت أبي فكرة هدم بيتنا القديم، وبناء بيت جديد مكانه، فالقطن على غير توقع ارتفع سعره في ذلك العام، وكان المحصول جيداً مما در بأرباح كثيرة.

قال أبي: " سأبني بيتاً من ثلاثة أدوار، مع دكة عالية، ولن يكون له مثيل في كل القرية".

لكن أمي قالت: "لن أسمح لك بهدم البيت إلا بعد أن تشفى ماني".

وهذا ما أثار سخط أبي الذي قال: " ستكون ماني بخير بعد أسبوع أو اثنين، ولكن بعد خمسة عشر يوماً سيرتفع أجور العمال، وهناك أشخاص في القرية يزمعون بناء بيوت جديدة، لذلك يجب عدم الإفراط في العمال الآن".

قالت أمي: "أخرج من هنا".

بعدها غضب أبي، وفي الأمسيات حين يعود كان يسأل فقط عن صحة ماني، وكان يتحدث مع جدتي بنزق شديد، وأحيانا يذهب لإحضار الطبيب، هذا كل ما كان يؤديه.

هنا في "بونا" كنت معتاداً على تسلم رسائل من أبي: محصول القطن جلب لنا مالاً كثيراً / الانتخابات انتهت / هدمنا الدور الأول / قريباً سنهدم بقية البيت / سنبدأ العمل في البيت الجديد / أنت ابننا الوحيد / أنت فخر العائلة / ابن فلان غادر إلى ألمانيا/ لا تفكر إلا في دراستك .. الخ.

وأنا كنت فعلاً أهتم بدراستي حتى ذلك الوقت حين فوجئت برسالة تقول : "ماني ماتت بسبب إصابتها بالجدري، لا تشغل بالك كثيراً".

وتساءلت بفزع: " لماذا يموت إنسان بهذه الطريقة؟".

في العطلة الأخيرة، أحضرت لي ماني مشطاً وهي مبتسمة أثناء مغادرتي إلى "بونا"، في هذه العطلة لن أراها أبداً، لم حدث كل هذا؟

وبعدها فقدت الحواس تماماً.

لم تمض أيام حتى استلمت رسالة أخرى من أمي، وبها تفاصيل كاملة عما حدث لماني.

كتبت أمي في ختام رسالتها:

" وكما أكتب إليك الآن، فإنني أتذكر كل تلك اللحظات التي مرت علي خلال الخمسة عشر يوماً الماضية، والدموع تنسكب من عيني، حتى اهترأ ساريّ من البلل. لا تحزن كثيراً، لا يزال عندك ثلاث أخوات".

البثور المنتشرة على جسد ماني تضخمت وصارت بحجم الليمونة، وبضجر تدريجي كانت الجدة تعتني بها، ومن أجل المحافظة على صحة"نالي" الصغيرة لم تكن الأم تقترب منها كثيراً، كانت تكتفي بمراقبتها عن بعد.

عندما كانت ماني ترى أمي، كانت ترفع كلتا ذراعيها وتقول: "احمليني"، ولكن أمي لم تكن تفعل شيئاً.

البثور انتفخت حتى كادت تنفجر، ذهبت أمي وجلست بقرب سرير ماني، للمرة الأولى تجلس بقربها، فلم يكن مسموح لأحد بالجلوس قريباً منها، وحتى تمنع ماني من الاستمرار في هرش البثور، أدخلت يدي ماني في كيس طويل وربطت طرفي معصميها، ومع ذلك كانت ماني لا تتوقف عن الهرش، مما سبب في انفجار البثو، وتقطر الدم من يديها، وفي ثورة غضب أمسكت الجدي يدي ماني وبإحكام شديد ربطتهما بطرفي السرير.

أما ماني فقد أخذت تردد : "حرروا وثاق يدي".

ذات مرة سألتها الأم : "مانوتي، ماذا تريدين ؟ ماء ؟ " . لم تجب ماني.

قالت أمي: " تكلمي، ماني ، تكلمي الآن، فغداً لن تتمكني من الكلام، تكلمي معي الآن".

ولكنها لم تتكلم مع أمي أبداً.

قالت الجدة : "مانوتي، ماذا تريدين أن أطلب من أخيك ليحضره لك من (بونا) ".

قالت ماني: " سارياً أحمر، سارياً أحمر".

حين لفظت هذه الكلمات، ماذا كنت أعمل بالضبط هنا ؟ هل كنت في حجرتي؟ أم على الهضبة خلف سكن الجامعة؟ أم كنت أضحك مع أصحابي؟ أو كنت أحدق في النافذة ؟.

لا بد أنها تذكرتني في تلك اللحظة، ساري أحمر، هذا ما كانت تطلبه مني دائماً أن أحضره لها، وفي كل مرة كنت أقول لها: " لن أنسى في المرة القادمة".

وإرضاءً لي كانت تنفذ الكثير من الأعمال الصغيرة حتى اشتري لها سارياً أحمر، وعندما كانت ترفض أن تدعك ظهري كنت أقول لها: " ألا تريدين سارياً احمر؟" .

تدريجياً، بدأ صوتها يخفت، وقد تكون حنجرتها امتلأت بالبثور أيضاً، العينان كانتا قد امتلأتا بالبثور وابيضتا .

كانت أمي تسألها: "مانوتي، ماذا تريدين ؟" .

فتجيب ماني: "حرروا وثاق يدي، اني احترق ، أمي، إني أحترق، أحترق" .

بعدها لم تفتح فمها ثانية، حتى الماء لم يجد طريقاً للنزول في فمها، ومن ثم فقدت بصرها.

كانت أمي تناديها من الجانب الآخر للسرير: "مانو".

وماني كانت تجاهد لتدير رأسها ناحية أمي.

وقفت أمي عند حافة السرير ونادتها: "مانوتي".

أدارت ماني رأسها إلى الوراء لترى أمي، عيناها كانتا قد ابيضتا تماما .

قالت الجدة: " لم تفقد حاسة السمع حتى الآن".

وبعد يومين، ودون أن يغسلوا جسدها، دفنوها خارج القرية، ودفنوا معها كل شيء لمس سريرها، حقيبة كتبها المدرسية، ملاءة السرير.. كل شيء.

ولمدة يومين أو ثلاثة كنت في ثورة غضب عارمة، ولم أكن أعرف على من كنت ثائراً.