الشعر (الحديث) الشاسع




٭ لماذا نشعر بالأهمية النقدية لمراجعة المصطلحات المتداولة، ولماذا نرى، مثلا، في تعبير (قصيدة النثر) مصطلحا مربكا على المستوى الفني والنقدي، في سياق التجربة الشعرية العربية الجديدة؟

إن القلق الذي يبعثه فينا مثل هذا المصطلح لا يتصل، فقط، بالمفهوم الجديد للكتابة الشعرية. ففي هذا المجال يكاد الأمر أن يكون على درجة من الجلاء، وربما كان تبلور الممارسة في التجربة الشعرية الراهنة، في نماذجها العديدة التي استوعبت حدود حرياتها الإبداعية، هو الذي دفع التجربة يوما بعد يوم للشكّ في المعطيات النظرية، التي ورثتها من الأجيال السابقة، ومن جيل الحداثة الأول بشكل خاص.

٭ فعلى الرغم من خطورة الطاقة الرؤيوية في أطروحات ذلك الجيل، من خلال اختراقه لبنية النص الشعري العربي، والذهاب في رهان التجريب إلى أقصاه، إلى حد التطرف، (وهو تطرف ضروري لا يجوز التقليل من أهميته أو التنازل عنه). نقول على الرغم من ذلك كله، وجدنا أن جيل الحداثة الأول، جاء إلى الكتابة الشعرية (وتنظيراتها) صادرا عن مفاهيم موغلة في التفاوت، مندفعا بأطروحات ترى إلى النص الشعري أكثر مما ترى إلى النص النقدي، القادر على محاورة التجربة، وكشف عناصرها المميزة، ورصد حركتها بصرامة تطبيقية وعلمية. وأحيانا كان يتسلح بأدوات نظرية تتمايز إلى حدّ التناقض فيما يتعامل مع التجربة.

٭ بعد أن غادرنا المصطلحات النقدية العربية القديمة (على تعدد تعبيراتها) كانت تضع حدودا صارمة بين الشعر والنثر. ومهما اختلفنا مع الطبيعة الرؤيوية/ الفنية لتلك المفاهيم، فإننا سنفهم لماذا كان قدامة بن جعفر يرى أن الشعر (هو الكلام الموزون المقفى) وسنفهم أيضا الحدود المتهافتة التي يتذرع بها مثل هذا التعبير على ألسنة أحفاد قدامة، القدماء والمحدثين.

كل التجاوزات التي حدثت عبر تاريخ الشعر العربي، سوف تندفع بنا إلى ضرورات موضوعية، تستدعيها التجربة الجديدة مثل الوقت، لكننا نسأل: هل بين أيدينا الآن مصطلح صارم نقدر به أن نسمّي هذا النص شعرا، دون أن نضطر للاستعانة بعناصر مفهوم آخر (كالنثر مثلا) لكي نشخص طبيعة هذه الكتابة الجديدة؟ أو دون أن نستعيد مصطلحا ربما يستقيم في الأدب الغربي، لكنه يتعثر في سياق التجربة الأدبية العربية، كمصطلح (قصيدة النثر)؟ هل تحتمل تجربتنا الشعرية استعارة سياق تاريخي أدبي آخر، لكي يستقيم تداولنا لمصطلحاته في حياتنا؟ وماذا يعني أن نستقبل الأسئلة التأسيسية الحديثة لحركة التجديد الشعري العربي بقدر من المساءلة والمراجعة؟

٭ منذ أن طرحت مجلة «شعر» اجتهاداتها حول ما سمته (قصيدة النثر) وطوال هذه المسافة (زمنيا وفنيا) لم نعثر على مراجعة نقدية تسعفنا للخروج من مأزق المصطلح. لقد كان جميعنا يتداول هذ التعبير (وغيره كثير) كما لو أنه مسلمة مفروغ منها، واضحة الدلالات ومكتملة. في حين أن معظم الكتّاب، في مقدمتهم كتّاب مجلة «شعر» كانوا عندما يتداولون هذا المصطلح، إنما يقصدون أشياء مختلفة، غائمة، وإن بدا ظاهريا أنهم يتكلمون عن كتابة شعرية واحدة. ومثلما سنرى في ما بعد، سوف تنعكس هذه التناقضات على التجارب الشعرية، التي تم الترويج لها وتكريسها. فقد نكتشف أن الأسماء التي عرفت باعتبارها مؤسسة لـ«قصيدة النثر» ستبدو، من جهة كما لو أنها اجتهاد نقدي محدد، ليست كذلك. وسيتضح أيضا أن تلك الأطروحات التأسيسية قد انجلت عن تداخل كبير بين عدد من المصطلحات مثل «الشعر الحر» و«قصيدة النثر» فالخلل الذي وقعتنا فيه المصطلحات، الصادرة عن مجلة «شعر» ليس سوى امتدادا لخلل آخر أسّست له نازك الملائكة ورفاقها.

منذ أن طرحت مجلة «شعر» اجتهاداتها حول ما سمته (قصيدة النثر) وطوال هذه المسافة (زمنيا وفنيا) لم نعثر على مراجعة نقدية تسعفنا للخروج من مأزق المصطلح. لقد كان جميعنا يتداول هذ التعبير (وغيره كثير) كما لو أنه مسلمة مفروغ منها، واضحة الدلالات ومكتملة.

2

نتذكر الآن، لقد كان المجال مفتوحا على آخره لعدد كبير من المصطلحات التي كان يقترحها كل ناقد حسب اجتهاده. فنازك الملائكة قالت في كتابها: هذا هو «الشعر الحر» ومحمد مندور سماه «الشعر الجديد» أو «الشعر المهموس» ومحمد النويهي قال عنه «الشعر المنطلق». كما خلط البعض (بدوافع مختلفة) بينه وبين ما يسمى بـ«الشعر المرسل». وهناك مَنْ مَيّزَه عن العمودي بتسميته «بشعر التفعيلة». وما دام الأمر كذلك على صعيد مناصري التجربة، فإن ما سيتبرّع به المخالفون والمعترضون من إطلاقات، سيبدو أكثر تعقيدا وابتذالا أيضا. ولعل أكثر هؤلاء رزانة سيضع كل كتابة تخرج عن بحور الخليل، وزنا وقافية، في سلة واحدة هي «قصيدة النثر». كما فعل مثلا عباس محمود العقاد، يوم رفض قصائد أحمد عبدالمعطي حجازي وصلاح عبد الصبور في لجنة الشعر وأحالها إلى لجنة النثر في أيامه. وربما كان هناك من سيشفق قليلا، ويقول: إنه الشعر المنثور.


صلاح عبد الصبور

لكننا إذا فهمنا الأسباب التي يصدر عنها المحافظون، وهم يناصبون العداء كل بادرة تجديد، فيقعون في هذا الخلط، فإننا لا نقدر أن نتخيل شاعرا حديثا يندفع إلى طرح اجتهاداته الجديدة، دون التريث أمام المصطلحات التي يطلقها على عمله الشعري. من المؤكد أن فوضى البدايات في كل شيء قد تفسر جانبا مما حدث. لكن من الصعوبة الاعتقاد بإمكانية استمرار هذه الفوضى في العمل (النظري) فترة أطول مما تستغرقه الممارسة الشعرية.

٭ وعندما نقارب اضطراب المصطلحات الذي ورثته التجربة الشعرية الراهنة من سابقتها، نجد أنه بعد سنوات من العراك، يتهادن الجميع على تعبير فضفاض ليركنوا إليه (كما لو أنه منطقة محايدة منزوعة السلاح، في غابة مشتبكة، أو هي عرضة للاشتباك). إنه تعبير (الشعر الحديث) لتعنون به التجربة التي بدأت مع بدر شاكر السياب ونازك الملائكة ورفاقهما ممن كتبوا شعر التفعيلة.

لكن بسبب من رحابة مصطلح (حديث) إضافة إلى اتساع مفاهيم الحداثة في الستين سنة الأخيرة في الثقافة العربية، سوف يكون تعبير (الشعر الحديث) مفتوحا لما لا يقاس من التجارب، ليشمل نتاجات متفاوتة في النوع وفي الدرجة. فعبد الرحمن شكري وأبي شادي بشعرهما المرسل، وأبو القاسم الشابي، بثورته الرومانسية، وجبران خليل جبران باندفاعاته الهجومية الحالمة، إلى ما يسمى (قصيدة النثر) حيث الخروج الكامل عن الوزنية الخليلية، كل هذه التجارب يمكن أن نرى من يدرجها تحت عنوان (الشعر الحديث) دون أن تتوفر إمكانية نقدية صارمة تعمل على الاعتراض، بل سيتيح هذا الانفلات لأن تترشح التجارب الجديدة شعريا، لجولة (جديدة) من اقتراح المصطلحات (لمجابهة) الخارجين على قانون الخليل بن أحمد. ولعل الاختلافات النظرية التي حدثت (كما نعرف) حول تعبير (قصيدة النثر) ليست إلا نتاجا متوقعا مارسته وهيأت له تنظيرات الحداثة الأولى في النصف الأول وبداية النصف الثاني من القرن العشرين، وبما أننا لم نزل نقبع تحت وطأة الهيام بالمصطلحات، فسوف تتفتق القرائح عن تسميات تمعن في التنكيل بالنص الشعري، وتبتعد عن (الشعر).

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email