"الشيخ والتنوير" واقتحام المسلمات في تاريخ البحرين الثقافي



لا أدري أيهما أكثر استحقاقاً للآخر. هل الدكتور نادر كاظم استحقّ أن يتصدّى للكتابة عن شخصية مفصلية في تاريخ الثقافة في البحرين، وهي شخصية الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة (1950-1933)، ليكون كتابه الصادر حديثا أهم مؤلّف وُضعَ عن الشيخ؟ أم إن الشيخ إبراهيم استحقّ بعد انتظار تسعة عقود على وفاته أن تكون سيرته بين يديّ الدكتور نادر كاظم بكلّ ما يتحلّى به من مثابرة وجلد وصبر؟ في تاريخ الكتابة البحرينية، ظهرت العديد من المؤلفات التي تتطرق لهذه الشخصية الكبيرة منذ أن وضع المفكر البحريني الدكتور محمد جابر الأنصاري كتاباً يحمل رسائل وأشعارالشيخ وذلك قبل نحو نصف قرن. ثم أتبعته الشيخة مي آل خليفة (حفيدة الشيخ) بكتاب مهمّ أيضاً بعد مؤلّف الأنصاري بنحو ثلاثة عقود. ما كان ينقص هذين الكتابين هو السياق الذي ظهرت فيه هذه الشخصية، ورصد التحوّل الكبير، الذي كان هو أحد أهمّ أسبابه، من الثقافة التقليدية الدينية والتعليم الديني البسيط إلى الثقافة العصرية والتعليم العصري، وهذا ما تصدّى له الدكتور نادر، ليضعه في سياق الحالة البحرينية العامة، وفي سياق الحالة العربية بشكلّ أعم، وأحياناً الحالة العامة في العالم بأسره. جميعنا كان قد سمع عن معلومات متفرقة، كان لها أثرها في تكوين النواة الثقافية الأولى في البحرين، منها تأسيس نادي إقبال أوال وإغلاقه بعد ذلك بفترة وجيزة. زيارة أمين الريحاني للبحرين. تأسيس الإدارة الخيرية للتعليم. تأسيس أول وكالة استيراد للمطبوعات. الذي قام به الدكتور نادر كاظم بكلّ اجتهاد في هذا الكتاب هو وضع كلّ هذه الأحداث، التي حسبناها متفرّقة في سياق واحد، لتكريس لحظة تاريخية فارقة في تاريخ البحرين الحديث، كان تتمحور حول مجلس الشيخ إبراهيم ومرتاديه.



إضافة إلى أنّ المعلومات التي كانت بحوزتنا عن الشخصيات الثلاث التي تناولها الدكتور نادر كاظم في كتابه، وهي الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة وناصر الخيري ومحمد صالح خنجي، وما صاحبها من أحداث وملابسات مهمة في تاريخ الثقافة العصرية في البحرين، أقول ان هذه المعلومات كانت قليلة، وكان الباحثون يتعاملون مع هذه المعلومات كالمسلمات. وإذ كنّا نقدّر الجهد الكبير الذي بذله المؤرخ البحريني مبارك الخاطر (الذي توفي في العام 2000) في تسليط الضوء على شخصيات مهمة في تاريخ البحرين الحديث مثل شخصية ناصر الخيري أو القاضي قاسم بن مهزع أو عبد الله الزائد، وعلى كثير من الأحداث المرتبطة بهذه الفترة، إلا أنّ جهده البحثي لم يكن يخلو من التحيّز لرؤيته الدينية. وما فعله الدكتور نادر كاظم هو اقتحام هذه المسلمات وإعادة البحث بها والخروج بقراءة أخرى لها، مع الاستشهاد بكلّ الشواهد التي تدعمها، بالإضافة إلى تسليط الضوء على شخصية مهمة أخرى لم تُعطَ حقها من الاهتمام، وإن كان أثرها كبيراً في تاريخ التنوير في البحرين، وهي شخصية محمد صالح خنجي، الذي كان لديه أفكار متقدّمة على عصره، تشبه تلك الأفكار التي طرحها فيما بعد محمد أركون وعبد المجيد الشرفي وغيره، خصوصاً فيما يتصل بالفصل بين ما تاريخي وما هو رساليّ في الدين، او بين التاريخ والرسالة في الإسلام.

من يكمل قراءة هذا المؤلف المهمّ، يدرك حجم الجهد الذي بذله الدكتور نادر كاظم، ليس في التعامل مع كثرة الوثائق والمعلومات عن هذه الشخصيات المهمة، ولكن مع قلّتها. خصوصاً منها ما يتعلّق بالشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة. ولكنّه استطاع بهذه المعلومات اليسيرة أن يمسك بالخيط الذي يجمعها، وبنى عليها ما يؤكد أنّ لحظة التنوير الفارقة في تاريخ البحرين الحديث التي نقلت المجتمع البحريني من عصر الثقافة التقليدية إلى الثقافة العصرية هي تلك السنوات التي كانت تتمحور حول الشيخ إبراهيم ورواد مجلسه، وهي التي مهّدت الطريق لانطلاق التعليم العصري في البحرين في العام 1919م وتأسيس النادي الأدبي في 1920م الذي كان يضمّ أهم الشعراء البحرينيين في تلك الفترة، وكان أحد أعضاء النادي هو الذي أصدر أول صحيفة بحرينية، وهو عبد الله الزائد في العام 1939م.

82 عرض