الصديقان


هشام عدوان

عندما بدأت حياتي العملية كان ذلك في صحيفة "الأيام" قبيل صدورها، وقد مرّ عليها من مرّ من صحافيين وأشباههم ومن أراد تجربة حظه في الصحافة وأنا منهم، ومن أراد تغيير عمله، وهشام عدوان منهم... هشام عادل خالد عدوان، الشاب الفلسطيني الذي انتقل أهله إلى البحرين منذ زمن بعيد، ولم أسأله يوماً عن متى، لأنه بحريني جداً.

لم تمرّ على جلوسه على مقعده في قسم المحليات إلا سويعات حتى أحكم رباط الصداقة فيما بيننا، التدخين، وتذوق اللغة العربية، والسعي إلى الحرفية.

يتلذذ هشام بالكتابة بالقلم، بخط بالغ الوضوح، بالغ الجمال، ينكبّ على الورقة حرفياً، يقلب رأسه ذات اليمين وذات الشمال، وكأنه يغازل كلّ حرف يكتبه، فيظهره على أحسن ما يكون مبنى ومعنى.

اعتبر هشام أن من لا أعداء له بأنه سطحي وفاشل، يطوي أصابع يده إلى الداخل ويقول وهو يتأملهم: على الإنسان أن يربّي أظافره لأنه يحتاج أن يدافع عنه نفسه. ومع هذا كان ذا ضحكة صافية، أو ربما يضحكه أي شيء، بل أستغرب أن هشاماً، هذا القاسي المتخشب خصوصاً مع الجنس الناعم، الذي يعتبر احتفال الزملاء بعيد ميلاد أو مناسبة صغيرة، أنه من دلائل الغنج الذي لا يليق بـ "الرجال"، الذي يجتهد كل الاجتهاد ليرسم ملامح الصرامة على محياه... يضحك لهذا الموقف العابر؟ ويردد كلمة لسنوات طويلة ويقهقه وكأنها للتو قيلت؟



غسان الشهابي


في النصف الأول من التسعينات أدمنّا المقاهي، حتى أتاني "صبي القهوة" المصري يوشوني: قل لهشام أن يخفف قليلاً... إنه يدخن ستة أحجار شيشة في الليلة، وبينما أعدّ له "الراس" الجديد يقوم بتدخين كذا سيجارة!


لكن هشاماً كأبيه، يشابهه، الأستاذ عادل الذي كان معروف عنه الشره العالي للتدخين... يقال إنه اقتنع أخيراً بأهمية ترك السيجارة بعد مراجعة عشرات الأطباء، بعد أيام قليلة من تركها... توفي، ودّعها فودّعته.


في تلك الفترة، قرر بعض من في إدارة "الأيام" مضايقة الزميل محمد فاضل، وكان رئيساً لقسم المحليات، فقرروا تقديم موعد الاجتماع الصباحي اليومي لقسم المحليات من التاسعة إلى الثامنة صباحاً، لأنهم يعرفون أن رئيس القسم من محبي السهر، وأنه سيتضايق، وربما يترك العمل أو الرئاسة أو الاثنين معاً.. ولكن الأمر انسحب علينا أيضاً، فقررنا (هشام وأنا) عمل نوع من العصيان: نأتي إلى الاجتماع، ونخرج لنلتقي في مقهى "وادي الملوك" الذي يفتح أبوابه في النهار، نفطر سندويشات الفول والطعمية من مطعم "أبو الهول"، وندخن الشيشة، وننطلق إلى أعمالنا في الحادية عشرة.


في هذا المقهى كان يأتي اثنان يعملان على توزيع مشروب كندا دراي، أطلق عليهما هشام (الصديقان) أحدهما يمني والثاني بنغالي، يركنان مركبة المشروبات، وينزلان للعب الدومنو، وبينهما بالضبط كأساً من الشاي بالحليب، لا ندري لمن منهما، يستغرقان في اللعب دون أن ينبسا بكلمة واحدة لانفصال اللغتين... ويستمر اللعب لمدة قد تجاوز الساعة.


غازي الحداد

ينكزني هشام بإصبعه ويشير بعينه وحاجبه أن أتى (الصديقان) للعب، ويضحك، ونراقبهما بين سحب الدخان لنعلم من يشرب الشاي، ومن يدفع، نؤلف معاً قصصاً عن خسائر الشركة التي يتسببها مكوثهما في المقهى، ننشغل بالحديث والنقاش ونكتشف فجأة أنهما رحلا ولم ندر من دفع... فنؤجل الأمر لليوم التالي.


إذ ذاك، كنت مسؤولاً عن صفحة "الجامعة" في الصحيفة، وكان الصديق والشاعر غازي الحداد الذي عرفته منذ أيام الدراسة في جامعة البحرين بنقاشاته ومواقفه الكوميدية التي لا تخطر على بال أحد، يرسل لي مقالات للنشر في الصفحة، إذ كان معلماً، وكنوع من التلطف، يكتب لي على الظرف في كل مرة، بيتاً أو اثنين من الشعر.


ذات مرة قرأ هشام البيت وقال: هذا البيت مختل الوزن! فقلت لغازي الحداد رأي هشام عدوان... فرد غازي: هكذا إذن؟ فلينتظر الإجابة مع المقال القادم.


في الأسبوع التالي أرسل غازي على عادته المقال وكتب على الظرف:

يزعم عدوان في وزني اختلالاً تخلخل من وزن اتزاني
لو لم يكن غسان عظيماً لقلتُ بأنني من غير ثانِ

احمرّ وجه هشام غضباًـ ورأيت فكيه من تحت جلد وجهه يتحركان وأنا أعرف تماماً هذه الإشارة الدالة على ضغطه على أسنانه ساعة الغضب، ثم انفجر وأخذ يستشهد بالخليل بن أحمد، ونحن غارقون في الضحك مع عجب من قدرات هذا الشاعر الفذ الذي قام في بيتين بهجاء هشام ومدحي وتفاخره بنفسه.


على حلاوة الجلوس إلى هشام إلا أنه بقي يتمنى أن تنفجر كل صواريخ العالم النووية وتتشظى الكرة الأرضية لنستريح. وظل يردد كلاماً عن خطيئة إنجاب الأبناء في هذا العالم.. بسوداوية بالغة، ومبالغة... فنعالج الأمر بتغيير دفة الحديث


مرّت السنون بنا وذهب كل منا في طريق، يجرفني الشوق إلى هذا الصديق وهذا الصديق، ولكن المشاغل أكبر، تسرقني من نفسي، أؤجل اللقاءات مع تشوّقي لها.


*


قبل سنتين، وفي يوليو 2019، كنت أدردش مع غازي الحداد وسار بنا الحديث عن صفقة القرن، فكتب: هذا زمان صعب على الأحرار ليس لديهم إلا أن يصفقوا الراح بالراح.

دخل صومعته التي يكتب فيها الشعر في بيت أبيه... ولم يخرج، إذ أصيب بإغماء لارتفاع ضغط الدم، وتعثرت حاله كثيراً .

*

السبت الماضي فجعنا الصديق هشام عدوان بالرحيل بعد أقل من أسبوع من دخوله المستشفى نظراً لإصابته بسرطان في الكبد وفشل كلوي حاد.

اليوم الأربعاء، وأنا أدردش مع الصديق الفلسطيني يوسف الريماوي المقيم في أستراليا ... كنت أمزح بذكر قصة بيتي الشعر والوزن..... وفي اللحظة نفسها، أرسل لي من يفجعني بوفاة الصديق غازي الحداد بعد أن قاوم كثيراً وحاول أهله كثيراً!!!


لم تصب الكرة الأرضية قنابل هدروجينية وقلة هم من باتوا يصفقون الراح بالراح... الصديقان برحيلهما هزّا أركانا من القلب...فأظلم، وملأه السخام.

714 عرض