العالم بوصفه فخاً.. في الشخصية الروائية


ميلان كونديرا


كتابة : و. د. كلارك


يؤكد ميلان كونديرا أن رواياته "تكمن خارج جمالية الرواية التي تُسمى عادةً الرواية السيكولوجية". تصريحه هذا لا يعني أنه يرفض منح شخصياته حياةً داخلية، بل يرفض أن يوفّر للقارئ الوهم المريح الذي توفره الواقعية السيكولوجية: وهْم أننا نستطيع فهم الشخصية لو أتيحت لنا الحرية الكاملة في الوصول إلى حياتها الباطنية. الواقعية السيكولوجية لا توفّر هذا الوهم للقراء فحسب، إنما تطالب المؤلفين بتوفير ذلك للقراء، إذ أنها الصيغة المسيطرة، الصيغة الافتراضية للقصة المعاصرة.

يقول كونديرا: "الواقعية السيكولوجية خلقت، خلال قرنين من وجودها، بعض المعايير والقواعد المنيعة تقريباً: 1) يجب على الكاتب أن يعطي الكم الأقصى من المعلومات بشأن الشخصية.. المظهر الجسماني، طريقته في الكلام وفي السلوك. 2) يجب أن يدع القارئ يعرف عن ماضي الشخصية، لأن من هذا الموضع يمكن اكتشاف كل الدوافع لسلوكه في الوقت الحاضر. 3) يجب أن تمتلك الشخصية استقلالية تامة، وهذا يعني، ضرورة اختفاء المؤلف وآرائه وتأملاته الخاصة كي لا يزعج القارئ ويشوّشه، هذا القارئ الذي يريد أن يعهد بنفسه إلى الوهم، ويحسب الخيال واقعاً".


أمين صالح

كونديرا يريد أن يعطينا شيئاً آخر: سبراً للغز الذات الوجودي، بطريقة تكمن وراء تخم الواقعية السيكولوجية.. الصيغة التي ابتكرها ريتشاردسون وأتقنها مارسيل بروست وجيمس جويس. إنه يريد الوصول إلى ما وراء هذه الصيغة لأن جويس سلّط الضوء على حدود هذه الصيغة، وأظهر لنا (في فصل بنيلوبي من يوليسيس، على سبيل المثال) كم كان الربح وكم كانت الخسارة بالتدقيق، عبر عشرات من الصفحات، في جملتين غير مترابطتين من تيار الوعي عند مولي بلوم. بالتالي "يتم البحث عن الذات عبر هذه المفارقة: كلما ازدادت عدسات الميكروسكوب الراصد للذات قوةً وفعاليةً، صارت الذات وفرادتها أكثر تملصاً ومراوغة. أسفل العدسات الجويسية (نسبة إلى جويس) العظيمة التي تهشم الروح إلى ذرات، نحن جميعاً متشابهون. لكن إذا بات من المستحيل إدراك الذات وفرادتها في حياة الإنسان الباطنية، إذن أين وكيف يمكن إدراكها؟"

للإجابة على هذا السؤال، يجعلنا كونديرا ننظر ثانيةً إلى عملية الارتقاء، إلى التطور التاريخي للرواية. الروائيون الأوروبيون الأوائل عرّفوا الإنسان وفقاً لأفعاله. في زمن العصر الشكوكي الذي عاش فيه ديديرو، الفعل ملغز بالحسم الخارجي، بالحدث التصادفي، وسوء الفهم. كافكا يواجه المشكلة ذاتها مع الواقعية السيكولوجية التي نشأت لتستبدل الحدث بالذات الباطنية بوصفها تعريفاً للجوهر الإنساني. إن كافكا "لا يسأل عن الدوافع الداخلية التي تقرر سلوك الإنسان. إنه يطرح سؤالاً مختلفاً جذرياً: أي الاحتمالات تبقى للإنسان في عالم حيث العوامل المقررة الخارجية أصبحت طاغية جداً إلى حد أن البواعث الداخلية لا تعود تحمل أي ثقل؟".

هذا ما يعنيه كونديرا حين يقول : "الرواية (على غرار كافكا) ليست اعتراف مؤلف، إنها استقصاء للحياة الإنسانية في العالم الذي استحال شرَكاً".


فرانس كافكا

ماركس وفيبر شاهدا نوعين مختلفين من الشرَك يتجليان في العالم الحديث. بالنسبة لماركس، هذا يمكن تلخيصه، على نحو غير وافٍ، في عبارته "تقديس السلعة" و"استلاب العمال". بالنسبة لفيبر، هو ربما، في المقام الأول، سجن البيروقراطية أو التكنوقراط الذي تُحدثه حاجة الدول الصاعدة إلى عمالة متخصصة أكثر.

كونديرا لا يذكر أياً من هذين النوعين، لكنه يعيّن على نحو غير مباشر العام 1914 كبداية للشرَك الحديث: شرَك العولمة، شرَك التاريخ الذي لم نصنعه نحن، إنما صنعته قوى مجهولة في مكان ما حول العالم، التاريخ الذي يبدو أنه يفتقر إلى العامل البشري، لكن الذي يرى كل البشرية كأهداف لسلطته.

بعد فجر القرن العشرين، كل الأسئلة الوجودية لم تعد فردانية فحسب، لكن تحرز بُعداً تاريخياً وسياسياً. هذا لا يعني أن كل الروايات يجب أن تكون، من الآن فصاعداً، "روايات تاريخية". كونديرا بذل جهداً كبيراً في جعل هذا الاختلاف واضحاً تماماً: "هايدجر يميّز الوجود بالصيغة المعروفة جداً: أن تكون في العالم. الإنسان لا يتصل بالعالم كاتصال فاعلٍ بمفعول به، أو اتصال عينٍ باللوحة، ولا حتى اتصال ممثلٍ بالديكور المسرحي. الإنسان والعالم مرتبطان معاً مثل ارتباط الحلزون بالقوقعة: العالم جزء من الإنسان، هو بُعده، وفيما العالم يتغيّر، الوجود (أن تكون في العالم) يتغيّر أيضاً. منذ بلزاك، عالم كينونتنا له طبيعة تاريخية، وحيوات الشخصيات تنمو في حقل الزمن الموسوم بالتواريخ (..) لكن ثمة شيئين ينبغي عدم الخلط بينهما: هناك في جانب، الرواية التي تمتحن البُعد التاريخي للوجود الإنساني. وفي الجانب الآخر، الرواية التي هي صورة إيضاحية لوضع تاريخي ما، وصفٌ لمجتمع في مرحلة معينة، وتأريخٌ مفرغ في قالب روائي (..) تبسيط يترجم المعرفة غير الروائية إلى لغة الرواية. في الواقع، سوف لن أسأم أبداً من تكرار هذا: أن المبرّر الوحيد لوجود الرواية هو أن تقول ما تستطيع الرواية وحدها أن تقوله".


مارتن هايدغر

الكلمات الأساسية، في ما يتعلق بأنواع الرواية التي ينتقدها كونديرا، هي "الوصف" و"التوضيح". الروايات التي لا تفعل غير إعادة تقديم المجتمع أو التاريخ. لكن ما يدافع عنه شيء فعال أكثر، إذ ينظر إلى الروائي كمستكشف، كمستجوب تأملي.

كونديرا يخبرنا أن طرح الأسئلة هو أشبه بأخذ مِشرط إلى الستار الشمولي (التوتاليتاري) للكيتش kitsch (المادة الفنية أو الأدبية الرديئة) الذي يعمّ العالم الحديث، والذي يحمي الجماهير الغافلة، غير المفكّرة، وأولئك الذين في السلطة، الذين يحبون لجماهيرهم أن تكون غافلة، غير مفكّرة، قدر الإمكان. ذلك لأن الكيتش فن يرى هذا العالم بوصفه ثابتاً، غير إشكالي، وغير مشكوك فيه. فن يحتفي بالحالة العاطفية المفرطة إزاء الرعب الذي هو تاريخ حديث: إذا كان فناً "يرفع شاشة قابلة للطي لحجب الموت" فهو أيضاً يرفع الشاشة لحجب التاريخ الذي، أكثر فأكثر، احتكر السوق، التجارة، في الحياة والموت. الكيتش يحجب كل أسئلتنا غير الملفوظة عن شرًك الوجود في زمن تاريخي فيه أفعالنا (وبالتالي أنفسنا) تكون مقرّرة ومحددة، أكثر فأكثر، بفعل شروط خارج سيطرتنا. وأخيراً، الكيتش هو فن يوفّر لنا أوهام الواقعية السيكولوجية، الأوهام المريحة التي تزعم أننا وحدة كاملة، أفراد مستقلون، ذوو حيوات باطنية فريدة، حافلة بالمعنى، وأننا خالقو مصائرنا الخاصة في عالم الفعل.

روايات كونديرا، في محاولة لمقارعة العلل الوجودية/ الجمالية، التي أشرنا إليها، تعمل على أربعة معتقدات أساسية:

1 كل الظروف التاريخية تعالَج عبر اقتصاد أعظم.

2 احتفظ فقط بتلك الظروف التاريخية التي تخلق حالة وجودية إلهامية للشخصيات.

3 المؤرخ يكتب تاريخ المجتمع لا الإنسان.

4 يجب على الظروف التاريخية الجديدة أن تخلق وضعاً وجودياً جديداً.. ليس هذا فحسب بل ينبغي أيضاً أن يكون التاريخ نفسه مفهوماُ وخاضعاً للتحليل بوصفه وضعاً وجودياً.

ما يعنيه كونديرا من كل هذا هو أنه:

يجب على الروائي أن يستعين فقط، بوعي وحكمةٍ، بتلك التفاصيل التاريخية التي تكشف شيئاً جديداً عن الوضع الإنساني، والتي تجيب على هذا السؤال: كيف يمكن لهذه المرحلة الخاصة في التاريخ أن تكشف شيئاً جديداً، شيئاً مضى حتى الآن دون أن يكون ملحوظاً أو معبّراً عنه، طريقة مكتشَفة مؤخراً لكيفية أن تكون في العالم؟

المؤرخ ينظر إلى الأحداث حسب أهميتها السياسية، الاقتصادية، والاجتماعية. الروائي يرى التاريخ كمختبر للإمكانية الإنسانية. إنه يضع شخصياته، التي يسميها كونديرا "ذوات تجريبية أو اختبارية"، في تلك اللحظة التاريخية الجديدة، ويسجل ما يتكشف في ما يتصل بذلك من مظاهر جديدة من الوجود. الروائي بالتالي هو أنثروبولوجي شعري في ما يتعلق بالتاريخ، وغالباً ما يبحث عن لحظات إلهامية، لكن مهمَلة، على نحو محتمل. لحظات تتجاهلها الإفادات التاريخية التقليدية لكنها تكشف حقائق جديدة مهمة عن أنفسنا ككائنات مطوقة تاريخياً بإحكام.

ليس بوسعنا أن نفلت من التاريخ، ولا يمكن للتاريخ أن يكون مفهوماً بمعزل عن الكائنات البشرية المحاصرة بداخله.

أخيراً، ما ينبثق من كل هذه الاعتبارات ليس هو الفن الذي يطوف في مستوى التجريد والانعزال ثلاثين ألف قدم فوق عالم الواقع اليومي. في رفضه الواقعية السيكولوجية، كونديرا مع ذلك يصرّ على أن الرواية تجعل شخصياتها ومآزقها تبدو حيّةً في نظر القارئ اليقظ، الفعال، أكثر مما تأمل الروايات الواقعية في تحقيقه. هذا لا يمكن إحرازه من خلال الوصف المضني، سواء لمظهر الشخصية الخارجي أو للحالة، أو للأفكار والمشاعر الباطنية. في الواقع، الرواية توصل القارئ إلى الموضع الذي فيه "مخيلة القارئ تكمل بطريقة آلية مخيلة الكاتب".

التأمل في مأزق الشخصية الرئيسي، في تحديد أزمة حياتها، هو ما يمكّن القارئ من الإحساس بالتعاطف الخيالي/ التخيلي مع الشخصية. وبالنسبة لكونديرا، مثل هذا التأمل يمكن بلوغه بالتريّث عند "كلمات رئيسية" غامضة وملْغزة، كلمات توجد لتحديد المعضلة الوجودية الرئيسية عند الشخصية (وليس عند المؤلف أو القارئ)، وبالتالي مسار الدراما الذاتية للشخصية. لا شيء من هذا يتم إنجازه في المجرّد، بل يتجسد في قرارات الشخصية وأفعالها، في آمالها ومخاوفها، في اختيارها لشركاء الحياة والمهن. القراء لا يحتاجون إلى معرفة كم يبلغ طول الشخصية أو ما إذا كانت أكتافها منحنية، ما لم تكن هذه الأوصاف مفاتيح مهمة لفهم الشخصية وما تكشفه لنا من إمكانية إنسانية.

الروائي يظل، في المقام الأول، "مستكشفاً للوجود".

43 عرض