العرب والترجمة من منظور تاريخي


عرفت البشرية الترجمة منذ أقدم العصور أيام الحضارات الفرعونية و اليونانية و البابلية من خلال التواصل بين شعوب هذه الحضارات التي من المؤكد أنها كانت شفاهية، لأنه من المؤكد أن الترجمة التحريرية لم توجد إلا بعد تطور اللغات و كتابتها. ومن المعتقد أن أقدم النصوص كانت على هيئة ألواح محفورة باللغة المسمارية كملحمة جلجامش السومرية وشرائع حمورابي من حضارة بلاد الرافدين في الألفية الثانية قبل الميلاد والألواح المسمارية في المعابد في مصر القديمة. ومن المعتقد أن أول ترجمه مكتوبة مكتوبة تمت من اللغة الآرامية إلى اللغة اللاتينية في المئوية الرابعة بعد الميلاد كانت ترجمة الإنجيل المعروفة بترجمة جيروم. ولا نود هنا الخوض في تاريخ الترجمة بتوسع لأن المجال لا يتسع لنا في هذا المقام و إنما يمكننا أن نركز على بداية الترجمة عند العرب التي استهلت عند نمو الدولة الإسلامية التي كانت مجاورة لحضارة الفرس في الشرق و حضارة الروم في الشمال.

وعند الحديث عن جهود العرب واهتمامهم بالترجمة يحق لنا أن نتساءل لماذا لم يكن هناك اهتمام على درجة من الجدية بالترجمة اثناء الدولة الأموية وكان علينا أن ننتظر حتى قيام الدولة العباسية. ومن هنا لابد أن يثار تساؤل بشأن عدم اهتمام الدولة الأموية بالترجمة ونقل علوم الآخرين بالرغم من مجاورتها بلاد الروم والفرس. هل كان ذلك مرده انعدام المترجمين أم أن اعتزاز الأمويين باللغة العربية وبالعنصر العربي منعهم من ذلك؟ اختلف الأمر مع العباسيين الذين ظهر بينهم عبد الله بن المقفع الذي ترجم كتاب كليلة ودمنة عن الفارسية والذي كان بدوره منقولاً عن السنسكريتية.



كانت النقلة الكبرى قبل عصر المأمون حيث كان اهتمام جده المنصور وأبيه الرشيد اللذان أقاما ديوانا للترجمة في بلاطهما. أما بيت الحكمة الذي أنشأه المأمون فقد كان بمثابة المؤسسة الرسمية المهتمة بالترجمة، فقد كان هذا امتدادا لمحاولات سابقه. وتجدر الإشارة إلى أن اهتمام المترجمين كان منصباً على نقل العلوم وبشكل خاص علوم الطب والأمراض والهندسة وفلسفة اليونان وهي ما كانت تنقص العرب بينما لم يولوا أي اهتمام لفنون وأدب اليونان التي لم يكونوا في حاجة لمعرفة المزيد عنها. ولذا كان علينا أن ننتظر قرونا قبل ترجمة ملحمتي هوميروس والتراث المسرحي الإغريقي. ومن المعروف أن حنين ابن اسحق الذي أوكلت إليه مهمة الإشراف على بيت الحكمة لم يكن يعمل وحده إنما مع مجموعة من المترجمين، لذا فإن عملهم كان جماعياً. ويذكر إلى أن عدد ما تمت ترجمته فاق مائة كتاب.


بعد عصر المأمون لم تردنا معلومات موثقة عن الترجمة في العالم العربي. والآن لا تكاد دولة عربية تخلو من مؤسسات للترجمة أو مشاريع خاصة بها. إلا أن الاهتمام الفعلي بالترجمة بدأ في القرن التاسع عشر مع تولي محمد علي باشا حكم مصر والاستقلال عن الدولة العثمانية ليبدأ عصر التحديث والانفتاح على الغرب، فقام بإرسال البعثات. وابتعث العلماء إلى فرنسا بوجه خاص لينهلوا من علومها الحديثة، ولما عادت أول بعثة برئاسة الشيخ رفاعة الطهطاوي أنشأ مدرسة الألسن العليا لتخريج مدرسي اللغات. وكان ذلك مع بدء ما سمي بعصر النهضة العربية الذي شهدته الشام ومع وجود المطابع فيها بدأت آلة الترجمة تدور.

منذ القرن التاسع عشر كانت حركة الترجمة تسير فيما يمكن أن نطلق عليه طريق الاتجاه الواحد بمعنى أن نشاطات الترجمة كانت منصبة على نقل مؤلفات غالبيتها من اللغتين الإنجليزية والفرنسية. إلى اللغة العربية، أما الاتجاه الأخر المتمثل في نقل ما لدينا من تراث إلى اللغات الأجنبية فلم يلق اهتمام المترجمين. وقد تركت هذه المهمة إلى المترجمين الأجانب والمستشرقين الذين قاموا بنقل ترجمات لمعاني القرآن الكريم وتراثنا الأدبي مثل كتاب ـألف ليلة وليلة ونماذج من الشعر الجاهلي وقصائد للمتنبي وغيرها.



وغني عن البيان القول أنه منذ منتصف القرن الماضي مع تطور التعليم وزيادة عدد المتعلمين و انتشار الجامعات، ازداد الاهتمام بالترجمة سواء من قبل الأفراد أو المؤسسات، والآن لا تخل دولة من الدول العربية من وجود مؤسسة أو مركز يعنى بالترجمة، وعلى مستوى التعليم العالي تم تأسيس معاهد متخصصة لتدريس الترجمة وتأهيل المترجمين، أضف إلى ذلك أن الترجمة أصبحت علما له مدارسه. ومن المعروف أن الترجمة كانت من بين مواد الدراسة في كليات الأداب في أقسام اللغات ومن خلال مادة الأدب المقارن بشكل خاص , و الترجمة كما هو معروف عدة أنواع منها الترجمة الأدبية و التحريرية ، و الشفوية وهذه تشمل ترجمة المتابعة و الفورية وهذه الأخيرة تتطلب مهارات خاصة كقوة الذاكرة و سرعة البديهة.

وفي السنوات الأخيرة ظهر ما يسمى بالترجمة الألية التي تقوم بها برامج كومبيوتريه خاصة. وبالرغم من تطور برامج الترجمة و تعقيد أجهزة الكومبيوتر، فإن البعض منها يفتقر ليس إلى الذكاء الكافي فحسب وإنما إلى الذكاء العاطفي أيضاً لفهم النص المقصود ناهيك عن افتقار هذه البرامج إلى الروح الإنسانية التي تستطيع فهم اللغة خصوصاً تلك التي تزخر بالعبارات الاصطلاحية و البلاغية التي لا تزخر بها معاجم اللغات التي تعتمد عليها تلك البرامج. ومن السهل على القارئ اللبيب التمييز بين اللغة الآلية واللغة البشرية لأن الأولى تعتمد على التقنية التي توفرها البرامج التي تعتمد على نقل الكلمة إلى ما يقابلها في معجم البرنامج مما ينتج عنه ترجمة حرفية في كثير من الأحيان.

وادى الاهتمام بموضوع الترجمة في السنوات الأخيرة من خلال عقد المؤتمرات و الندوات و الورش العلمية. كما أنها حظيت بعناية الكثير من الدول العربية من خلال مشاريع الترجمة وتنظيم مسابقات وتخصيص جوائز لتشجيع المترجمين ولعل برنامج نقل المعارف الذي تبنته هيئة الثقافة والأثار في البحرين خير مثال على هذا الاهتمام بموضوع الترجمة. وكثيراً ما يقاس تقدم الدول في مجال الترجمة من خلال إحصاءات الكتب المترجمة كل عام وللأسف فإن اللغة العربية لا تحظ بنسبة عالية متى ما قورنت باللغة الإسبانية على سبيل المثال.


هناك قضية على جانب كبير من الأهمية تتعلق بتعدد الترجمات وهذه ضرورية في مجال الدراسات المقارنة. ولا شك أن تعدد الترجمات ضرورة تفتضيها طبيعة أي عصر من العصور وضرورة إبداعية في حد ذاتها. أما بالنسبة للضرورة الأخيرة فإن المسألة تتعلق بإحساس المترجم كمبدع تنحصر مهمته بنقل العمل إلى لغة أخرى.


جورج أورويل

ولا ينبغي علينا أن ننسى أنه لولا جهود المترجمين الرواد لما تسنى لنا التعرف على تراث الإنسانية الأدبي والفلسفي. كما أنه بفضل تعدد الترجمات استطعنا أن نحكم على جودة تلك الترجمات ودقتها. فعلى سبيل المثال تم إنجاز ترجمات لأعمال شكسبير إلى اللغة العربية. فهناك ترجمة مطران خليل مطران و محمد عوض محمد ولويس عوض و محمد العناني وجبرا إبراهيم جبرا وغيرهم، فكل هذه الأعمال تعتبر إثراء للأدب و تستحق المقارنة. من هنا ولجت الترجمة ميدان الأدب المقارن. من تجربتي الشخصية قمت بنقل رواية "مزرعة الحيوان" لجورج أورويل قبل سنوات. لم تكن ترجمتي الأولى إلى العربية فقد سبقتها ترجمات من قبل، كما أنها لم تكن الأخيرة فقد ظهرت بعدها ترجمات أخرى. ولا شك أن الدارس بإمكانه أن يقارن بين هذه الترجمات ليحكم في النهاية على أية ترجمة من هذه الترجمات أفضل من غيرها ولماذا. من الخطأ الفادح أن نعتمد على ترجمة واحدة فقط، فما يدرينا ماذا فعل المترجم بالعمل الأصلي. هل قام بترجمة كاملة دقيقة أم اختصرها وحذف منها ما حذف على هواه. ولا شك أننا جميعاً نعلم ماذا فعلت ما يطلق عليه "الترجمات التجارية" لبعض الأعمال الأدبية.

ومثال آخر على تعدد الترجمات ما وصل إلينا من ترجمات رباعيات عمر الخيام. فمن المترجمين العرب الذين قاموا بترجمة الرباعيات أحمد الصافي النجفي، محمد السباعي، وديع البستاني ، أحمد رامي و أستاذنا إبراهيم العريض ، رحمه الله ، كان لكل ترجمة خصائصها وجمالها . ولكن مفاضلتنا لهذه الترجمات ستظل ناقصة ما لم نقارنها بنص الخيام الفارسي وبالتالي نستطيع أن نصدر حكماً بشأن أفضلها.


وديع البستاني

36 عرض